| لبنان: معارك «الجاهلية»! Posted: 02 Dec 2018 01:15 PM PST ظهر وئام وهاب، الزعيم الدرزي المقرب من النظام السوري و«حزب الله»، في شريط فيديو قبل أيام قام فيه بالتعريض برئيس الوزراء اللبناني المُغتال رفيق الحريري بطريقة هابطة وبذيئة أقرب لأشكال السباب والشتائم المقذعة التي تجري في الشوارع منها إلى تقديم وجهة نظر سياسية أو شخصية. تقدّم أنصار الحريري إثر ذلك بشكوى قانونية فردّ أنصار وهاب بعرض مسلّح في منطقة الشوف، وهي معقل رئيسيّ لدروز لبنان، وقطعوا الطرقات وتحدّوا أنصار الزعيم الدرزي الكبير وليد جنبلاط عبر تسيير تظاهراتهم في بلدته المختارة. اعتبر جنبلاط الأمر تذكيرا بالإنذار الذي وجهه إليه رئيس النظام السوري بشار الأسد خلال آخر لقاء جمعه برفيق الحريري في شهر آب/أغسطس 2004 بقوله: «إذا كان جنبلاط يعتقد أن الدروز معه فهناك دروز معي وبإمكاني أن أكسر الجبل على رأسه». رفض وهاب الذهاب للاستجواب حول الإهانات المذكورة فحرّكت السلطات قوّة أمنيّة إلى قرية «الجاهلية»، حيث يقيم وهاب لاستدعائه فحصل اشتباك بالأسلحة مع أنصاره وقُتل أحد مرافقيه، الأمر الذي اعتبره وهاب، على طريقته في المبالغة، «حربا أهلية» قبل أن يعود للقول إنه «يعمل على تهدئة الجو»! حملة وهاب مرتبطة سياسياً بالاستعصاء الجاري في تشكيل الحكومة اللبنانية بعد رفض رئيس الوزراء المكلف، سعد الحريري، تكليف وزراء سنّة محسوبين على «حزب الله»، مطالبا الحزب بتسميتهم لو أراد من حصّته الوزارية وليس فرضهم عليه ليحصلوا على كراس وزارية من حصّة تيار «المستقبل» بحجّة أنهم «مستقلون سنّة». ورغم حملة الاستنكار والتبرؤ من وهّاب ومستوى الإقذاع الذي وصل إليه، واعتبار أن ما يحصل «أمر عمليّات خارجيّ»، فإن الحقيقة التي يجب أن تقال إن وهّاب ليس السياسيّ اللبناني الوحيد الذي لا يتحرّج في كلامه والذي يخلط بين العامّ والشخصي وليس الوحيد القادر على «اجتراح» بذاءات وإهانات تمسّ الأعراض أو الشعوب والجنسيات والأديان وتنتهك المسلّمات البشريّة العامّة للذوق السليم. فميشال عون، الرئيس اللبناني نفسه، سبق له عام 2011 أن شبّه طائفة «السنّة» بالحيوانات ما دفع مفتي الجمهورية حينها للطلب منه أن «يطهر لسانه من البذاءات»، وجبران باسيل، صهره ورئيس تيّاره السياسي، ووزير الخارجية، تفاخر مرة بالقول إنه «عنصريّ بلبنانيته»، واستثنى الأم اللبنانية المتزوجة من «بلدان الجوار» (أي من الفلسطينيين والسوريين) من حق تجنيس أبنائها. وكما يُفلت بعض السياسيين اللبنانيين العنان لألسنتهم فكذلك يفعل «الإعلاميون»، فقد اشتهر شارل أيوب، رئيس تحرير صحيفة «الديار»، بهجماته المكشوفة على السياسيين مستخدما، في وصف باسيل نفسه، تعابير من نوع الصرصار والسارق والجبال، وعلى الدول، معتبرا السعودية، على سبيل المثال، «دولة جمال وخيم»، وكذلك سالم زهران الذي له في هذا الشأن صولات وجولات. إضافة إلى التدهور الأخلاقي والسياسي الكبير الذي تشير إليه هذه الوقائع فإنها توضّح أيضاً الهلهلة التي آلت إليها منظومة الدولة اللبنانية التي لا تستطيع استجواب سياسيّ أو القبض على مطلوب إذا كان محميّاً من تنظيم يحميه «حزب الله»، ولا تني مؤسساتها القضائية والأمنية والتشريعية تنحني أمام وقائع هذا الاستصغار للدولة باعتبارها حافظة الأمن العامّ والقوّة التي لا تعلوها قوّة أخرى وإلا فقدت معناها. يستخدم المسلمون تعبير «الجاهليّة» للإشارة إلى زمن عبادة الأصنام وتقاتل القبائل ووأد البنات وغير ذلك من عادات ونظم ومؤسسات، ووقوع هذا الحادث الأخير في بلدة «الجاهليّة» يبعث على التأمل في مقاربة لتشبيه ما يحصل في لبنان عموماً، وليس في «الجاهلية» فحسب، من هبوط تاريخيّ في مستوى الصراع.  |
| كارلوس غصن وإيمانويل ماكرون واللاحُكميّة Posted: 02 Dec 2018 01:14 PM PST كارلوس غصن، الموقوف في اليابان للاشتباه بارتكابه مخالفات مالية، هو «مديرٌ عاملٌ بالأجر»، وليس «رأسمالياً»، لو اقتصر التصنيف على هذين الفئتين. هو كذلك منذ شبابه في إدارة شركة ميشلان للإطارات المطاطية، ووصولاً لتبوئه أعلى مناصب تحالف «نيسان ـ رينو». التحقيق الذي يخضع له حالياً يتعلّق بكيفية امتلاكه أموالاً تفيض على مجموع المعاشات والعلاوات التي نالها في السنوات الأخيرة. نظرياً إذاً، لا يُمكن أن يحتسب كارلوس غصن «رأسمالياً»، فيما يمكن أن يُحتَسب أقل مالكي الأسهم في «نيسان ـ رينو» كذلك. التذكير بذلك أساسي لفهم مآل الرأسمالية، ومأزق غصن الذي هو، إلى حد ما (فقط)، مأزقها. لا ينتمي غصن إلى طبقة الرأسماليين، بل إلى طبقة مدراء الشركات الصناعية الرأسمالية الكبرى. العلاقة بين هاتين «الطبقتين» ملتبسة، ومؤرّقة للجانبين، تقريباً منذ الفترة التي أصدر فيها الإقتصاديان أدولف بيرلي وغاردينير مينز كتاب «الشركة الحديثة والملكية الخاصة» (1932). أطروحتهما المركزية: أنّ الصناعات تتركّز مع الشركات المساهمة، لكن مالكي الأسهم يملكونها بالمجرّد، وعلى الورق، أمّا المدراء، غير المالكين، فهم الذين يتحكمون بالمنشآت بمن فيها وبما فيها أكثر. وهذا ما يجعل الشركة المساهمة تتطور كما لو كانت «قطاعاً عاماً»، بل شكلاً من أشكال «الدولة»، ذلك أنّ إدارة سير الأمور داخل الشركة من قبل أناس يتقاضون أجورا لإدارتهم لها، وليست لهم في ملكية رأس المال حصّة لكونهم مدراء، تحاكي آلية أي سلطة حكومية. تكون الرأسمالية المساهِمة والخاضعة لسلطة «المانجرز» قد أتت على جزء من مشروعية فكرة الملكية الخاصة نفسها بالنسبة إلى الرأسمالية، فالتملك يصير فعلاً سلبياً، منفصلا عن المبادرة الفردية التي يُبَشّر فيها، فيما تصبح المبادرة الفردية للمدراء بحاجة إلى استكمال ذاتها بالممارسات اللاقانونية، على ما شدّد المفكر الاقتصادي جوزيف شومبيتير، وصار الشغل الشاغل في علمي الاقتصاد والإدارة معاً هو معرفة ما الذي سيجعل «الطبقة المانيجيرية» ستبذل أصلاً أقصى ما في مستطاعها من أجل تأمين مصالح «الرأسماليين» من مالكي الأسهم، خاصة وأنّ الشركات الضخمة صارت أشبه ما يكون بمؤسسات القطاع العام. في كتابه الصادر حديثاً (بالفرنسية)، «المجتمع غير القابل للحكم. نساب الليبرالية التسلّطية»، يوضح الباحث غريغوار شامايو «عدّة نصب» هذه «الثورة المدرائية» التي بلغت أوجها في منتصف القرن الماضي. فـ»رجل الأعمال ـ المدير» أخذ يسوّغ لنموذجه، على قاعدة أنّه بمثابة همزة الوصل بين مالكي الأسهم، وبين عموم الناس، المستهلكين، وأنّ أهليته للتحكّم السلطوي بالشركة التي يقودها ترجع إلى أنه لا يديرها من أجل نفسه، بل من أجل «الصالح العام». رطنت «الثورة المدرائية» بالحديث عن المسؤوليات الاجتماعية لرجل الأعمال. قبل أن تظهر بدعة «الغوفرننس» التي تترجم بالحُوكمة والحكم الرشيد، وفي غالب الوقت من دون رصيد دلالي جدي، فقد ظهرت هذه المقولة، في معناها الملموس، كتنويعة حديثة على تراث «مرايا الأمراء»، تلك الرسائل التي كانت تؤلّف لولاة الأمر يتأدبون بها وينتفعون ويدركون أن السيطرة على المُلك مشروطة بالسيطرة على أهوائهم الداخلية. كذلك المدراء، رجال الأعمال، الأولى بالواحد منهم، وفقاً للأدبيات «المانيجيرية» هو أن يتحوّل إلى «مستبد مستنير» على رأس الشركة التي يديرها، بل أن يجري السعي أيضاً إلى ربط سلطته بنوع من الحوكمة الدستورية ضمن أسوار الشركة. عندما كانت مقولة «الحكم الرشيد» تعني شيئاً، في إطار إدارة شركة، ارتبط ذلك بالتشديد في علم الإدارة على نظرة إلى الشركة على أنّها ليست لا ديموقراطية ولا أوتوقراطية، بل مؤسسة ذات طابع دستوري محافظ. بالهالة التي راكمها في إدارة أعمال كبرى الشركات الصناعية، مثّل كارلوس غصن هذه «الثورة المدرائية»، بشكل عابر للبلدان والسياقات، إذ نشأت «ميثولوجيا غصنية» يمكن استجماع عناصرها ما بين لبنان وفرنسا والبرازيل واليابان، وهي سياقات مختلفة لرجل تحوّل إلى بطل القصص المصورة «المانغا» الأول في اليابان، إذ رُفِع كمثال للمناقبية، والسرعة، والدقّة، في وقت مكّنته مارونيته من شغل حيّز عند اللبنانيين، بمثابة «رئيس الجمهورية المثالي المتخيل»، والمجسّد للعبقرية الفطرية اللبنانية، مع أنّه عمل في مجال الصناعة، تلك التي نشأت أيديولوجيا «الرأسمالية اللبنانية» واستدامت على الاستخفاف بها، وجعلها مضماراً غير مهم بالنسبة إلى مقال العبقرية اللبنانية. الصناعات تتركّز مع الشركات المساهمة، لكن مالكي الأسهم يملكونها بالمجرّد، وعلى الورق، أمّا المدراء، غير المالكين، فهم الذين يتحكمون بالمنشآت بمن فيها وبما فيها أكثر فرنسياً هو رمز لمرحلة الخصخصة التي مرّت فيها «رينو» مثلاً من ملكية الدولة الاحتكارية لها، إلى احتفاظ الدولة الفرنسية في الوقت الحالي بموقع «مالك الأسهم الأول» فيها، هذا بعد أن عززت الدولة الفرنسية حصة أسهمها في الشركة بقرار من ايمانويل ماكرون، قبل ثلاثة أعوام، عندما كان لا يزال وزيراً للاقتصاد، ودون العروج على غصن، الأمر الذي انعكس أزمة على الإتحاد القائم بين «رينو» و«نيسان». المفارقة أنّ غصن توّج إمبراطوراً «مانيجيرياً» في زمن الثورة المعاكسة للمانيجيرية وسلطة المدراء، التي شكّلتها الوثبة «النيوليبرالية» في نهاية القرن العشرين. وهنا بالتحديد، تنفع الاستعانة بكتاب شامايو «المجتمع غير القابل للحكم» كونه يلتقط عنصرا أساسيا في الأيديولوجيا، بل التكنولوجيا السياسية، المسماة «نيوليبرالية»، وهي أنّها ثورة ردّ الاعتبار للمالكين المساهمين، على حساب البيروقراطيتين، الدولتية والشركاتية. انبنت النيوليبرالية على إعادة تقديم الشركة كتعاقد بين مستثمرين مساهمين قبل أن تكون تنظيماً هرمياً على رأسه المدراء. لكن النيوليبرالية هي أيضاً تكنولوجيا سياسية وليس فقط أيديولوجيا: أعادت الإعتبار للمساهمين، لكنها أبعد ما تكون عن تهميش شريحة المانيجيرز في الشركات، والبيروقراطيين في مؤسسات وأجهزة الدولة. من حيث هي تكنولوجيا سياسية، تتشكل النيوليبرالية من كل ما من شأنه تسخير هاتين الشريحتين، البيروقراطية والمانيجيرية، وطنياً وعبر البلدان، من أجل «تنظيم عدم قابلية الأسواق للتحكم بها». لأجل هذا يتكلّم شامايو عن «الليبرالية التسلّطية» القائمة على رعاية «لا قابلية الأسواق للتحكم بها»، والمصطدمة في الوقت عينه بلاقابلية المجتمعات التي تخضع لها لأن تكون محكومة، وهو ما أخذ يتنبه له صاموئيل هانتغتون منذ منتصف السبعينيات، عندما لاحظ أنّ الضغط الزائد على الشبكة الديمقراطية للجماعات التي كانت حتى هذا الوقت مستبعدة ومهمشة أو مكتفية بما لها من شأنه تهديد الديمقراطية، أي أن كثير من الديمقراطية، كثير من المطالب وتفعيل الحقوق في نفس الوقت هو خطر على الديمقراطية. أمام هكذا مشكلة، انبرى النيوليبراليون لطرح الحل: اخضاع الديمقراطية لنفس التقنيات والسياسات التي استخدمت لمعالجة أزمة ادارة الشركات الصناعية الكبرى، ما يعني أيضاً ميل السلطة التنفيذية أكثر فأكثر، أياً كان الدستور، لاختزال السلطة بها، وهو ما يشتكى منه فرنسياً أكثر فأكثر، وبخاصة مع ساركوزي وماكرون. ينتمي كارلوس غصن وايمانويل ماكرون إلى الشريحة نفسها: المانيجرز، مع فارق أساسي، الأوّل عمل حتى توقيفه كمدير صناعات، في حين عمل الثاني كمصرفي استثماري في بنك روتشيلد، قبل أن يدخل، برصيده الاداري المالي، هذا، الحقل السياسي. يتعامل أعداء الرأسمالية الأيديولوجيين مع هذا النوع من الوظائف كتابعة لرأس المال. أما الرأسمالية فحافظت بشكل إجمالي على نظرة قلقة حيال هذا «الإنفصال» داخلها بين الملكية والإدارة. وفيما يتوجه المساهمون في نيسان ورينو بطبيعة الحال باللائمة إلى كارلوس غصن بمجرّد أن يتسبّب توقيفه في متاعب مالية لهم، يدخل ماكرون في محنة من نوع آخر. الأول «ضحية» عدم قابلية الرأسمالية لحل مشكلة الإنفصال البنيوي بين الملكية الخاصة وبين الإدارة ـ المبادرة الفردية، والثاني «ضحية» عدم قابلية الرأسمالية للجمع بين جعل أسواقها «لا تُحكَم»، وجعل المجتمعات التي ترزح تحتها «قابلة للحُكم». الرئيس السابق في الإليزيه، فرنسوا اولاند، فشل منذ بداية ولايته، عندما قرّر أن يزيد الفاتورة الإجتماعية على أصحاب الرساميل، فأسرعوا إلى جنات ضريبية و«حوافزية» خارج فرنسا. أما ماكرون، فقرّر أن يدفّع فاتورة الإصلاحات البيئية للأقل دخلاً، ليثير الحراك الإحتجاجي ضدّ اجراءاته نوبات الخلخلة المزمنة، الراجعة الى ارتفاع منسوب «لاحكمية» المجتمع نفسه، ومستوى تصدّع تركيبته، ما يعود إلى حد كبير الى ترحيل أصحاب الرساميل الصناعات نفسها من فرنسا إلى أوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا. فيما مضى، كانت الطبقة العاملة ثورية (صاحبة مشروع تغيير شامل) وصمامة أمان لتماسك المجتمع. ليس ثمة مشروع ثوري شامل يطرح نفسه عملياً اليوم (احياء شامايو الشوق إلى أيام «التسيير الذاتي» لا يكفي)، وفي الوقت نفسه لم تعد الطبقة العاملة تقف حجر عثرة أمام الخلخلة المزمنة للنسق «العام ـ الخاص». كاتب لبناني  |
| التفاعل الإيجابي مع ما يُحاك Posted: 02 Dec 2018 01:13 PM PST الآلية الإفريقية رفيعة المستوى، برئاسة ثامبو إمبيكي، دعت نداء السودان للإجتماع بها في أديس أبابا يوم 9 ديسمبر/كانون الأول الجاري، وذلك في إطار ما يحاك الآن تجاه السودان. ونعتقد أن الدعوة وتلبيتها خطوة إيجابية، ولا نراها خيانة، ومع ذلك، لدينا ملاحظة. فرغم أن العملية التي انطلقت تتم بتنسيق بين المجتمع الدولي والإقليمي والآلية الرفيعة المكلفة من الإتحاد الأفريقي، إلا أن إطلاقها عبر عدة منابر، تشمل جوبا وأديس أبابا والدوحة وبرلين، وربما مدنا أخرى، يوحي بأنها ستسير في مسارات منفصلة، مما يهدد بأن يكون الناتج حلولا جزئية بعيدة عن الشمول، تُعيد إنتاج الأزمة. صحيح قد تتوقف الحرب، وهذا يجد منا كل الترحيب والدعم، ولكن لن يكون هناك ما يمنع تجددها، ويمنع اختناق البلاد، خاصة وأن أوضاعها السياسية والاقتصادية، جعلتها على شفا حفرة من النار..!! ومع ذلك أيضا، لا يعني حديثنا رفض هذه العملية أو الانعزال عنها. فالتفاعل الإيجابي من قبل القوى السياسية وقوى المجتمع المدني مع عمليات وحراك ما يحاك تجاه السودان، قبل التئام منابر التفاوض، ذو أهمية قصوى في مقاومة الحلول الجزئية، التي لا تخاطب جوهر الأزمة السودانية في شمولها، وفي بذل الجهد لتعديلها. وبالمناسبة، نحن عندما ندعو إلى التفاعل الإيجابي مع المجتمع الدولي، لا نقصد فقط التفاعل مع الحكومات، وإنما أيضا مع منظمات المجتمع المدني والكيانات المدافعة عن حقوق الإنسان والمعادية للحرب، والتي تعمل لها حكومات البلدان الغربية ألف حساب، وأيضا مع المعارضة وغير ذلك من الفضاءات الشاسعة في هذه البلدان، والتي يمكننا اقتحامها وإرغام الحكومات ودوائر اتخاذ القرار فيها على الضغط في الاتجاه الصحيح الذي يراعي مصالح وحقوق الشعب السوداني…، شكرا للديمقراطية ولسيادة حكم القانون في هذه البلدان!. وهناك قوى سياسية رئيسية، الحركات المسلحة، تنخرط الآن في حراك ما يحاك تجاه السودان، وتتفاعل إيجابا مع المجتمع الدولي، وتنتظر إشارة بدء المسارات. يجب علينا أن لا ننعزل عنها وأن لا نتركها لوحدها فريسة لتكتيكات المجتمع الدولي التي خبرناها، في السودان وغيره. فمن الأخطاء الكبيرة التي نعتقدها موجودة في مناهج المجتمع الدولي لفض النزاعات، تركيزه على حاملي السلاح فقط وإهمال قوى النشاط السلمي، مع أنها طرف أصيل في المعادلة، وتركيزه على مفهوم المشاركة في الحكم وإقتسام كراسي السلطة، وإهمال التفاصيل الأخرى التي بدونها ستكون هذه المشاركة وهذا الاقتسام لا جدوى لهما، إذ سيُغيّب الوافد أو المُشارك الجديد عن جوهر ميكانيزمات إدارة الدولة، خاصة في ملفاتها الخطيرة، وأقصى ما سيقوم به هو التوقيع على بعض الأوراق، أو التصريح للإعلام، مع الاستمتاع بالثرثرة مع أصدقائه في تلفون المكتب!. التفاعل الإيجابي من قبل القوى السياسية وقوى المجتمع المدني مع عمليات وحراك ما يحاك تجاه السودان، قبل التئام منابر التفاوض، ذو أهمية قصوى في مقاومة الحلول الجزئية، التي لا تخاطب جوهر الأزمة السودانية في شمولها وما يحاك تجاه السودان له تبعاته تجاه أمن واستقرار إقليم القرن الأفريقي المليء بالألغام، وما بعد نطاق الإقليم، سوى بالنسبة لقضية الهجرة غير المنظمة إلى أوروبا، أو قضية تجفيف منابع الإرهاب، أو ما يجري في جنوب السودان وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى واليمن وغيرها، أو أمن البحر الأحمر، وغير ذلك من القضايا التي ألمح إليها بيان مجلس الإتحاد الأوروبي الذي أشرنا إليه في المقال السابق، وأكّدها سفير دولة أوروبية كبرى في الخرطوم عندما صرّح بأنهم، المجتمع الدولي، لن يسمحوا بانهيار الاقتصاد السوداني الذي تبدو إرهاصاته وشيكة، مضيفا بأن استمرار تماسك الدولة السودانية في وجه الأزمة الاقتصادية لم يعد مهمة السودان وحده، لأن المجتمع الدولي يتشارك تبعات ما قد ينجم من انهيار الاقتصاد السوداني وتأثيره المباشر على الشعب، وعلى الاستقرار في السودان والاقليم على حد سواء. وأعتقد أن هذا الحديث مدعاة لأن تعمل القوى السياسية السودانية، المدنية والمسلحة، لخلق تحالف وثيق مع المجتمع الدولي والإقليمي، لمنع هذا الانهيار الوشيك، والذي قطعا سيأتي معه انهيار الدولة السودانية في مجملها. أما مساهمتنا في هذا التحالف فهي تمسكنا بالحل السياسي الشامل الذي يعالج جذور الأزمة السودانية وليس تمظهرها أو تجلياتها السطحية. ما ينتظره الشعب السوداني من الذي يحاك تجاه السودان، الآن أو في أي وقت آخر، وعبر أي وسيلة أخرى من وسائل التغيير، هو المحصلة النهائية للحياكة، وما إذا كانت ستنجح فعلا في وقف الحرب، وانتزاع البلاد من فك نظام الحزب الواحد لصالح دولة الوطن، وبسط السلام المستدام والتحول الديمقراطي، وتخفيف وطأة شظف العيش على الناس. وإذا كانت القوى السياسية السودانية، المدنية والمسلحة، تسعى فعلا لتحقيق إرادة الشعب السوداني، كما تدعي، فعليها وضع هذا الهدف وهذه المحصلة نصب أعينها، سوى في مسارات الحل السياسي المتفاوض عليه، أو في ميادين النضال الأخرى. أما مفتاح الانتصار الرئيسي في كل هذه الميادين، فهو الوحدة، في الرؤية وفي الموقف الإستراتيجي، والعلانية وتمليك الحقائق للجماهير، ورفض الصفقات ومساومات وتسويات الظلام. ومن المؤكد أن مسار الحل السياسي المتفاوض عليه، في الغالب لن يأتي بما تشتهي السفن، ولن يحقق الهدف، أو المحصلة النهائية التي ينتظرها الشعب، من الوهلة الأولى، وبضربة لازب. ومع ذلك، فهو قد يخلق واقعا، أو (فورمات)، جديدا يفتح الطريق أمامنا لتحقيق انتصارات متتالية في اتجاه الأهداف التي ينتظرها الشعب، أو يهيئ مناخا ملائما لنهوض الحراك الجماهيري وتلبية شروط مسارات المقاومة الأخرى. من زاوية أخرى، فإن تعاملنا مع المجتمع الدولي لا يعني قبولنا بما سيطرحه، والبصم عليه. فنحن لا يتملكنا أي وهم بأن الحلول التي يقدمها المجتمع الدولي لفض النزاعات وعلاج الأزمات، ستأتي دائما إيجابية وستنجح في تحقيق ما نصبو إليه من أهداف نبيلة. بل العكس، هذه الحلول قد تؤثر سلبا على واقع الأزمة في بلداننا. كاتب سوداني  |
| إيران: تنافس المتباينين وتكامل المختلفين Posted: 02 Dec 2018 01:12 PM PST مدينة القدس التي شرفها الله بالاسراء والمعراج وجعل فيها المسجد الاقصى، وهيأها لتكون مركز التقاء الديانات السماوية، تعيش تحت الاحتلال الغاشم منذ اكثر من خمسين عاما. وبدلا من ان تكون عاصمة للاديان وملتقى للثقافات يتم تهويدها تدريجيا ضمن مشروع صهيوني متواصل منذ اكثر من مائة عام. وبرغم النداءات المتواصلة لتحريرها من الاحتلال، والقرارات الدولية التي تؤكد عدم شرعية ذلك الاحتلال، الا ان التواطؤ الدولي خصوصا الأمريكي مع المحتلين يحول دون انهاء الاحتلال الغاشم. هذه المدينة كانت محور المؤتمر الدولي الثاني والثلاثين الذي عقد الاسبوع الماضي في طهران بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف تحت عنوان: «القدس محور وحدة الامة». كان واضحا ان حكومة الجمهورية الإسلامية حرصت على اظهار المؤتمر مدخلا لحقبة جديدة تتمحور فيها العلاقات بين المسلمين حول أسس دينية وسياسية في مقدمتها مدينة القدس التي تعبر عن ظلامتهم. وفي الوقت نفسه حرصت على اظهار امور اخرى. اولا ان الحصار الشامل الذي فرضه الرئيس الأمريكي عليها لم يؤثر على مشروعها السياسي خصوصا في بعده العقائدي الذي تعتبره من مقومات امنها القومي. ثانيا انها ما تزال قادرة على حشد مئات العلماء والسياسيين والمفكرين والنشطاء من كافة اصقاع العالم حول القضايا التي تعتبرها مصيرية، ومن بينها قضية فلسطين التي تعتبر القدس واحدا من عناوينها الأساسية. مؤتمر الوحدة الإسلامية: ماذا يعني وما مضامينه الايديولوجية والسياسية؟ ذلك هو التساؤل الذي يستحق التوقف مليا لاستشراف مسارات الجمهورية الإسلامية المستقبلية. طهران هذا العام تكتنز مشاعر متباينة. ففي الوقت الذي تشعر فيه بالغبن الناجم عن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الذي وقعته مع الدول الست الكبرى ضمن صيغة اصطلح على تسميتها (5+1) وادى لفرض حصار هو الاكبر في تاريخ العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية، فانها تشعر بانجازات ضخمة، عقائدية وسياسية. فتراجع المشروع الطائفي الذي مزق امة العرب والمسلمين طوال العقد الاخير يعني استعادة مشروع «الوحدة الإسلامية» الذي طرحته طهران منذ السنوات الاولى بعد قيام نظامها الإسلامي. فاذا كان هناك من العلماء من تردد في حضور المؤتمر في السنوات الاخيرة بسبب رواج المشروع الطائفي، فان عدد الذين حضروا المؤتمر الاخير يؤكد ان العقدة المذهبية لم تمنع اغلب المدعوين من الحضور. وفي البعد السياسي وجدت إيران هذا العام في الحاضرين تناغما مع سياساتها الاقليمية خصوصا في تعاطيها مع العلاقات مع دول كالسعودية والامارات والبحرين، وهي الدول المشاركة في الحرب على اليمن. وجاءت قضية قتل الاعلامي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في اسطنبول، ليبعد الانظار عنها ويسلطها على الرياض التي تشعر بحصار سياسي ودبلوماسي واخلاقي بعد انكشاف مدى ما يمكن ان تذهب اليه عند الخصومة. وتشعر ايضا ان اهتمامها بالحرب على اليمن قد يحقق ثمارا كبيرة للطرفين اليمني والإيراني. ويؤكد حضور وفد يمني كبير لمؤتمر الوحدة قدرة الجمهورية الإسلامية على استقطاب قطاعات يمنية واسعة ادلت بدلوها في السجالات الفكرية والسياسية التي دارت خلال المؤتمر. حشد مئات العلماء والسياسيين والمفكرين والنشطاء من كافة أصقاع العالم حول القضايا المصيرية، ومن بينها قضية فلسطين التي تعتبر القدس واحدا من عناوينها الأساسية من يتحدث للمسؤولين الإيرانيين يكتشف مدى عمق المشروع الوحدوي لديهم، فهم حريصون على توفير ظروف مناسبة للوفود الاجنبية مع تجنب القضايا التي تؤدي الى التماس المذهبي في بعض الاحيان. لذلك لم تواجه مشاكل كبرى في توجيه المشاركات نحو محوري وحدة الامة وتحرير فلسطين. فرئيس المكتب السياسي لحركة حماس، اسماعيل هنية، الذي شارك عبر الاقمار الصناعية بعد ان رفضت السلطات المصرية السماح له بالسفر الى إيران من خلال اراضيها، أكد أن المؤتمر ينعقد في إيران «التي تدعم المقاومة وتتجاوز الخطوط الحمر في دعمها لفلسطين بشكل خاص». وقال ان الشعب الفلسطيني «لن يسمح لصفقة القرن أن تمر»، ولم يتردد رئيس الوزراء الاردني السابق، طاهر المصري، في الاستفادة من منبر المؤتمر لتوجيه نداء للمسلمين بالتحرك لمنع تهويد القدس وحماية المسجد الاقصى قبل فوات الاوان. فالرئيس حسن روحاني قال ان «الاعتقاد بأن نقل مبنى من مكان لآخر سيضيع القدس منّا خاطئ وواجبنا الاتحاد والوحدة». وكان واضحا في حديثه عن فلسطين انه يستخدم خطابا بعيدا عن الخطاب الاصلاحي المعروف عنه، فقد تحدث عن «الغدة السرطانية» لوصف «اسرائيل» واستخدم لغة تنطوي على التحدي حين تطرق للحصار الأمريكي على بلاده بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي. وحتى عندما تحدث عن حرب اليمن استخدم لغة ثورية غير معهودة من مسؤولي حكومته. لقد كان متناغما مع خطاب آية الله السيد علي خامنئي الذي استقبل ضيوف مؤتمر الوحدة الإسلامية وخطب فيهم حول ذكرى ولادة رسول الله وقضايا الامة. وامام المئات من الحاضرين ومن بينهم سفراء ووزراء إيرانيون واجانب تطرق لبعض القضايا الساخنة قائلا: لماذا يجب أن يواكب اليوم الحُكامُ الإسلاميون أمريكا في حركتين إجراميتين جرحتا الشعور العام في منطقتنا للأسف؛ إحداها الحركة الإجرامية التي تستهدف الفلسطينيين وتستهدف قضية فلسطين المهمة، والثانية الحركة الإجرامية التي تستهدف اليمن؟ فهل توافقت القيادة الإيرانية على توحيد الخطاب؟ هل تحولت كلها نحو المشروع الثوري الذي اعتقد الكثيرون انه تراجع في السنوات الاخيرة. الامر المؤكد ان إيران تشعر بقدر من الرضا عن النفس حين ترى ان حلفاءها في المنطقة يحققون انجازات غير متوقعة. فلم يفت آية الله خامنئي التطرق للصراع العربي ـ الاسرائيلي ويشيد بانجازات مجموعات المقاومة اللبنانية والفلسطينية. وعبر عن فخره بما اعتبره «نصرا كبيرا» في المواجهة الاخيرة بين غزة وقوات الاحتلال الاسرائيلي، تلك المواجهة التي نجم عنها هدنة رفضها وزير دفاع العدو فاستقال من منصبه. كيف تعيش إيران من الداخل في زمن الحصار؟ المؤتمر الثاني والثلاثون للوحدة الإسلامية كان احد تمظهرات العناد الإيراني الذي يرفض الانحناء امام الضغوط الأمريكية. فاختيار عنوان المؤتمر كان رسالة واضحة للادارة الأمريكية ذات شقين: الاول ان الجمهورية الإسلامية ما تزال ملتزمة بقضية القدس وترفض احتلالها او تهويدها، كما ترفض الاعتراف بالكيان الاسرائيلي، الثاني ان الحصار الاقتصادي لم يؤثر كثيرا على السياسة الخارجية الإيرانية. فمن الناحية الاخلاقية حققت إيران كسبا سياسيا ودبلوماسيا كبيرا بانسحاب أمريكا من الاتفاق النووي. فقد احدث ذلك الانسحاب غثيانا خصوصا لدى الدول الخمس الاخرى التي ساهمت في مفاوضات الاتفاق على مدى عشرة اعوام. هذا لا يعني ان إيران لم تتأثر بذلك الحصار. فقد انخفضت مبيعاتها من النفط من ثلاثة ملايين الى اقل من مليون برميل يوميا. يضاف الى ذلك انها لا تستطيع استلام تلك العائدات بعد ان حظرت أمريكا على المصارف الدولية التعامل معها، وجمدت استخدام نظام «سويفت» للتحويلات المالية. وقد اضطر الكثير من المصانع لوقف العمل وحدثت اضطرابات سياسية في عدد من المدن الإيرانية في الشهورالاخيرة. كما تداعت عملتها كثيرا ولكنها استعادت بعض عافيتها مؤخرا. مع ذلك فهناك تململ في الشارع الإيراني بسبب ارتفاع الاسعار وهبوط العملة. ولكن المسؤولين يؤكدون قدرة الاقتصاد الإيراني على استيعاب الحصار وتضاؤل المدخول من العملة الصعبة، ويقولون ان اربعة عقود من الحصار المتواصل ساهمت في تصاعد القدرة على الاعتماد على النفس والعيش ضمن الامكانات المتاحة ضمن ما يطلقون عليه «الاقتصاد المقاوم». كاتب بحريني  |
| استجواب ظريف وأزمة المحافظين في إيران Posted: 02 Dec 2018 01:03 PM PST مجموعة من نواب البرلمان الإيراني من الجناح المتشدد في التيار المحافظ يجرون اتصالات مع زملائهم من أجل التوقيع على عريضة برلمانية، يطلبون فيها استجواب وزير الخارجية محمد جواد ظريف، قد ينتهي الأمر إلى سحب الثقة منه وإخراجه من وزارة الخارجية. ظاهر التحرك هو على خليفة المواقف التي أطلقها ظريف حول موضوع غسيل الأموال في إيران، ورفض مجلس صيانة الدستور تمرير إقرار قانون الالتحاق بمعاهدة FATF، أما باطنه فهو محاسبة الوزير على الاتفاق النووي. من المتوقع أن ينتهي هذا الجدل إلى إيحاءات فوقية من أعلى السلطات بضرورة الكف عن هذا التحرك، وسحب أو التخلي عن طلب الاستجواب بذريعة واضحة هي، ضرورة الحفاظ على الحد الأعلى من الانسجام والتوافق الوطني وتعزيز الوحدة والصف الداخليین، بين مراكز القرار في النظام لمواجهة العقوبات الأمريكية وتداعياتها على الداخل، وموقع ودور إيران الإقليمي. التصعيد الذي لجأ إليه ظريف والذي فهم منه وجود عمليات تبييض وغسيل أموال في إيران، جاء مدفوعا بإدراك وزير الخارجية لحساسية المرحلة التي تمر فيها إيران وعلاقتها مع المجتمع الدولي، وان أي قرار له طابع دولي قد تلجأ له المؤسسات الإيرانية سينعكس سلبا على محاولات الحكومة الإيرانية للحد من تداعيات العقوبات، وعلى عملية المجتمع الدولي باستمرار التعاون الاقتصادي والمالي مع إيران في مواجهة العقوبات الأمريكية. في المقابل، يبدو أن الجناح المتشدد بين المحافظين، قد يكون اختار التوقيت والموضوع غير المناسبين للهجوم على ظريف، ومن ورائه على رئيس الجمهورية حسن روحاني وحكومته، وحتى في استمرار معركتهم المفتوحة على الاتفاق النووي، انطلاقا من: لأن الاستمرار في استجواب ظريف من المحتمل أن لا يحصل على الاصوات المطلوبة لإقالته، وبالتالي فإن الفشل في هذا المسعى يعني منح التيار المعتدل والإصلاحي انتصارا مجانيا يسمح لهم برفع الصوت والتشبث بالإنجاز الذي تحقق بالتوقيع على الاتفاق النووي. لأن النجاح في إقالة وزير الخارجية، سيجعل منه شخصية محورية في الداخل الإيراني وعلى الصعيد الدولي، وسيتحول إلى رمز وطني، خصوصا بعد المواقف التي أطلقها بعد القرار الأمريكي بالانسحاب من الاتفاق، وأيضا في ما يتعلق بموقع ودور إيران الإقليمي، والرد على التصريحات الامريكية المطالبة بتغيير سلوك إيران في المنطقة. وبالتالي فإن استبداله بوزير جديد لن يحقق الهدف المطلوب، لأن البديل لن يكون مسؤولا عما وصلت إليه الأمور، خصوصا ما يتعلق بالاتفاق النووي وعودة العقوبات الامريكية. إقالة ظريف ستمنح هذا الوزير حجة قوية للقول بأن جهات وأطرافا داخل النظام وضعت العراقيل أمام عمله، وإن سحب الثقة عنه يعني أن البرلمان وقف بوجه الخطط والسياسات التي تبنتها الحكومة ووزارة الخارجية لمواجهة القرار الامريكي، وكيفية التعامل مع المجتمع الدولي، خصوصا الدول الاوروبية لمواجهة تداعيات العقوبات. لأن استجواب ظريف في موضوع غسيل الأموال، يصرف الانظار عن الاشكالية الاساسية التي تدفع هذا التيار لمحاصرة ظريف، وإخراجه من وزارة الخارجية، وهو موضوع الاتفاق النووي الذي كان من المفترض أن يكون العنوان الرئيس في استجوابه. خصوصا بعد ما يراه هذا الجناح من فشل الاتفاق في تحقيق الوعود الاقتصادية والسياسية، التي تحدث عنها الوزير ورئيسه. إعادة تصويب مسار التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال سحب الذرائع من فريق روحاني ـ ظريف الذي يسعى لوضع الأزمة مع واشنطن في دائرة الخلاف مع الرئيس دونالد ترامب، وإعادة التأكيد على أن الخلاف الأساس والمركزي هو بين إيران ـ الجمهورية الاسلامية- والدولة الامريكية وليس مع ترامب، وأن الادارة الامريكية لم تتخل عن هدفها في تغيير النظام والقضاء عليه. هذا الجدل داخل الجناح المتشدد المحافظ، يكشف عن وجود اختلاف عميق بين مراكز القرار الإيراني، حول أسلوب التعامل مع المستجدات الدولية والداخلية. بين الدعوة لضرورة إظهار المزيد من الليونة وتدوير الزوايا في السياسة الداخلية، بين التيارات السياسية، من أجل تعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة مفاعيل العقوبات الامريكية، وضرورات الصراع الداخلي بين المتشددين الرافضين لتمرير أي إنجاز سياسي أو اقتصادي لروحاني وفريقه المدعومين بشكل محسوب من اعلى الهرم في النظام. الاستفاقة أو الانتفاضة لدى الجناح المتشدد قد لا تكون جديدة في مواجهة حكومة روحاني والهجوم والانتقاد للاتفاق النووي، فقد برزت من اليوم الأول للإعلان عن التوصل إلى هذا الاتفاق، إلا أن قيادة النظام ومن أجل قطع الطريق على تحرك غير مدروس أو مطلوب، سحبت من البرلمان الحق في مناقشة بنود الاتفاق، وسمحت للنواب بالتصويت على التقرير الذي أعده المجلس الأعلى للأمن القومي عن الاتفاق، بعد إقراره في هذا المجلس. وبالتالي فإنها ـ القيادة- سحبت من البرلمان حقه في الاعتراض على الاتفاق، وحصرته في حق استجواب الوزراء وحجب الثقة عنهم. ما يعني أن دور النواب بات محصورا في المسائل التكتيكية المتعلقة بأداء الحكومة ولا دور لهم في القضايا الاستراتيجية. وانطلاقا من هذا المعطى، فإن اقصى ما يمكن أن يقوم به النواب المتشددون في استجواب ظريف هو الطلب منه عدم التدخل في المسائل الداخلية، وحصر دوره ونشاطه في المسائل الخارجية والدولية، أي أن يكتفي بالدور المحدد والمهام الموكلة له، في سياق يتفق مع الدور الذي بات يلعبه النواب بعد إخراجهم من دائرة التأثير على الاتفاق النووي منذ البداية. الجدل الذي أثير حول تصريحات ظريف عن وجود عمليات غسيل اموال متورط بها مراكز في النظام، سيمر من دون محاسبة، وقد يكون النظام مجبرا على إعادة تمرير هذه القوانين من خلال إدخال تعديلات بسيطة غير جوهرية على اتفاقية مكافحة غسيل الأموال، وبالتالي فإن الحصانة التي يحظى بها ظريف في الاتفاق النووي، ستنسحب على المواقف التي أطلقها حول غسيل الأموال، لأنها تنطلق من إدراك ظريف لحساسية ما وصلت إليه الأمور في العلاقة مع المجتمع الدولي، خصوصا بعد العقوبات الامريكية، وإدراك النظام ايضا انه في غنى عن فتح باب جديد يسمح للمجتمع الدولي في ممارسة المزيد من الضغوط على إيران، وقد تنتهي إلى دفع الدول الرافضة للعقوبات الامريكية الاحادية للانضمام إلى ترامب في قراراته ضد إيران. إذا ما تجاوز الرئيس روحاني ووزير خارجيته ظريف هذا المأزق، فإن ذلك سيشكل مؤشرا واضحا على أن النظام الإيراني يتجه للتعاطي مع التحديات الدولية بمزيد من العقلانية والاستعداد لتقديم التنازلات المدروسة التي تساهم في إقفال بعض أبواب الضغط عليه، وأيضا مؤشرا على أن التيار المتشدد بدأ يفقد تأثيره في فرض توجهاته لصالح القوى الأكثر عقلانية، إلا أن هذه الليونة على صعيد الملفات الاقليمية، ودور وموقع إيران في المنطقة بحاجة إلى الكثير من الشد والجذب بين طهران وواشنطن، لترسيم حدود هذا الدور والموقع وحجم النفوذ، بحيث لا يشكل انكسارا لإيران أو تنازلا لامريكا. *كاتب لبناني  |
| المخرج من أزمة لبنان: مؤتمر تأسيسي أو العصيان المدني؟ Posted: 02 Dec 2018 01:02 PM PST يعاني لبنان أزمةً مزمنة وخانقة انتقل معها أخيراً أو كاد، من حال اللادولة إلى حال انهيار النظام الطائفي الفاسد، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. يبدو اللبنانيون، بفعل الشبكة السياسية المتحكمة، عاجزين عن حكم أنفسهم. ليس أدل على ذلك من عجز رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري عن تأليف حكومة جديدة بعد الانتخابات. ذلك مردّه إلى ثلاثة اسباب: انقسام الشبكة الحاكمة على نفسها وخروج بعض أركانها على أحكام الدستور ووثيقة الوفاق الوطني (الطائف) ومثابرة بعضهم الآخر على الإذعان لتعليمات قوى خارجية، وتشتت القوى الوطنية والتقدمية المفترض أن تشكّل معارضةً فاعلة للنظام الفاسد، واحتدام الصراع في المنطقة بعد انهيار النظام العربي الإقليمي. ما العمل؟ ليس في وسع أهل النظام ترقيع فجوات جسده الممزق، كما في الماضي. فالشبكة المتحكمة ترهّلت وفقدت مسوّغات شرعيتها وتدنّت فعاليتها وباتت عالة على نفسها وعلى البلاد. ومن أسف أن القوى الوطنية والتقدمية فقدت أيضاً جدّيتها وحيويتها وتبدو عاجزة عن إعادة توحيد نفسها. كل ذلك في وقتٍ عاد الصراع إلى الاحتدام بين المحور الصهيوأمريكي من جهة ومحور المقاومة العربية المدعوم من إيران وروسيا من جهةٍ أخرى. ثمة حاجة استراتيجية إلى توليد مناخ قومي نهضوي جديد، يستولد بدوره موازين قوى مغايرة في المنطقة. هذا المطلب عزيز وملّح لكنه صعب المنال، مع ذلك لا مناص من الشروع بالعمل بلا إبطاء. في هذا التوجّه والسياق، يقتضي الإحاطة بالواقعات والتناقضات والتحديات الماثلة في كلٍ من الأقطار العربية المتطلعة إلى التغيّر والتغيير، ففهم الواقع شرطٌ لتجاوزه والبدء في توليد البديل السياسي والاقتصادي والاجتماعي الأفضل. في ما يخصّ لبنان، وبعد وعي الواقع بكل أبعاده وتناقضاته، أرى أن أسس التغيير النهضوية يمكن أن تكون الآتية: *أولاً، ترك الشبكة السياسية المتحكمة لمصيرها وعدم التورط معها في أيّ صيغةٍ تسووية لتوافق وطني مصطنع، يُراد منه إنتاج حكومةً تقليدية ونقاط تلاقٍ محدودة حول برنامجها الوزاري ومهماتها المرحلية، بل المطلوب دعوة القوى الوطنية الحيّة إلى إعمال الفكر واعتماد الحوار بغية إنتاج برنامج وطني سياسي واقتصادي واجتماعي متكامل، لمعالجة حال لبنان المستعصية والانتقال به، من خلال جبهة وطنية عريضة، إلى حال الحرية والوحدة والنهضة وحكم القانون والعدالة والتنمية والإبداع. *ثانياً، الضغط على أهل القرار في جميع المؤسسات والمستويات للإقرار بأن البلاد تمرّ في ظروفٍ صعبة واستثنائية، وان الظروف الاستثنائية تستوجبُ بالضرورة تدابير استثنائية للخروج من الأزمة المستعصية، وإن ذلك يستوجب في حالتنا الحاضرة اتخاذ القرارات الآتية: * إعادة تفعيل حكومة تصريف الأعمال إذا تعذّر، خلال مدة وجيزة، تأليف حكومة وطنية جامعة لمعالجة القضايا والمشكلات الأكثر إلحاحاً وأهمية بتوافقٍ وتعاونٍ وجدّية. *في موازاة القرار الآنف الذكر، يدعو رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، المنتخب قبل سنتين في شبه إجماع وطني، مستلهماً مُرتجى المادة 95 من الدستور، أيّ إلغاء نظام الطائفية السياسية، إلى عقد مؤتمر وطني تأسيسي مؤلّف من مئة شخصية وطنية تكون عضويته على النحو الآتي: 1 ـ أربعون عضواً من الكتل البرلمانية التي يضمّ كلٌ منها أربعة أعضاء على الأقل، يمثلون واقعياً وافتراضياً نسبة الـ49 في المئة من اللبنانيين، الذين شاركوا في الانتخابات الأخيرة بحسب بيان وزارة الداخلية. 2 ـ خمسون عضواً من الأحزاب والنقابات وتشكيلات المجتمع المدني يمثلون نسبة الـ 51 في المئة من اللبنانيين الذين قاطعوا الانتخابات النيابية. تسمّي الهيئات المشار إليها آنفاً ممثليها بالتوافق في ما بينها، وإذا تعذّر عليها التوافق ترفعُ مقترحاتها بالاسماء إلى رئيس الجمهورية الذي يتولى انتقاء الأعضاء من بينهم. 3 ـ عشرة أعضاء يُسمّيهم رئيس الجمهورية ويراعي في اختيارهم تمثيل المناطق والقطاعات التي تعذّر تمثيلها في الفئتين المار ذكرهما. 4 ـ تتمّ عملية تكوين الهيئة العامة للمؤتمر الوطني التأسيسي في مهلة شهر واحد من تاريخ انطلاقها، على أن يدعو رئيس الجمهورية فور انتهائها إلى عقد المؤتمر، بالأعضاء الذين تمّت تسميتهم شرط ألاّ يقل عددهم عن خمسين من مجموع اعضائه المئة. 5 ـ يعقد المؤتمر الوطني التأسيسي جلسات متواصلة لإنجاز مهامه في مهلة لا تتجاوز الشهر الواحد. *ثالثاً، يهدف المجلس الوطني التأسيسي في عمله إلى تحقيق المبادئ والإصلاحات التغييرية الآتية: ـ الخروج من النظام الطائفي الفاسد ببناء الدولة المدنية الديمقراطية. ـ اعتبار قوانين الانتخاب منذ الاستقلال غير دستورية واداةً لإعادة إنتاج النظام الطائفي الفاسد، وإن اعتماد قانون انتخابي يؤمّن صحة التمثيل الشعبي وعدالته شرطٌ ومدخلٌ لبناء الدولة المدنية الديمقراطية ومنطلقٌ لإقرار سائر القوانين والإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المطلوبة. ـ اقرار قانون للانتخاب وفق أحكام الدستور، ولاسيما المادتين 22 و27 منه، على الأسس الآتية: 1 ـ اعتماد النسبية في دائرة انتخابية وطنية واحدة. 2 ـ يكون مجلس النواب مؤلفاً من 130 نائباً، (100) منهم يُنتخبون بموجب لوائح مرشحين مناصفةً بين المسيحيين والمسلمين من دون التوزيع المذهبي للمقاعد، ويُنتخب الـ(30) الباقون وفق التوزيع المذهبي على أن يكون لكل ناخبٍ صوت واحد. 3 ـ يجتمع كل النواب المنتخبين في هيئة مشترعة واحدة ويقومون بتشريع قانونين: الاول يقضي باعتبار النواب المئة المنتخبين على أساس المناصفة بلا توزيع مذهبي للمقاعد نواةَ مجلس النواب المنصوص عليه في المادة 22 من الدستور، واعتبار الثلاثين نائباً المنتخبين على أساس التوزيع المذهبي نواة مجلس الشيوخ، وفق المادة عينها. الثاني يقضي بتحديد صلاحيات مجلس الشيوخ باعتماد معظم المواضيع المعتبرة اساسية في الفقرة 5 من المادة 65 – دستور. *رابعاً، يُعرض قانون الانتخاب الديمقراطي الجديد على استفتاء شعبي عام. وإذا نال موافقة لا أقل من 50 في المئة من أصوات المشاركين يُعتبر قانوناً شرعياً مستوجباً التنفيذ ويكون مجلس النواب القائم منحلاً بموجبه. *خامساً، يؤلف رئيس الجمهورية، بالاتفاق مع رئيس الحكومة القائمة وبعد استشارة اعضاء المجلس الوطني التأسيسي، حكومة وطنية جامعة لإجراء الانتخابات وفق أحكام قانون الانتخاب الجديد وإنتاج مفاعيله الدستورية والقانونية. ماذا لو تعذّر، لسبب أو لآخر، سلوك هذا المسار التغييري النهضوي الديمقراطي؟ أرى أن القوى الحية عموماً والقوى الوطنية والتقدمية خصوصاُ المؤتلفة في جبهة وطنية عريضة، مدعوة إلى اعتماد خيار العصيان المدني ومباشرة تنفيذ متطلباته ضد مؤسسات النظام الطائفي الفاسد والقائمين بإدارته، وتصعيد الضغط الشعبي لغاية تسليم المسؤولين ذوي الصلة بتنفيذ برنامج التغيير الديمقراطي بمبادئه وأسسه واجراءاته المشار إليها آنفاً. البقاء في حال الطائفية والفساد والحروب الأهلية موتٌ بطيء ومحتّم، في ما الانطلاق إلى التغيّر والتغيير الديمقراطي النهضوي ارتقاء إلى حياة حضارية جديدة وابداعية، وقد آن الأوان. *كاتب لبناني  |
| شبحا خاشقجي وأطفال اليمن يلاحقان بن سلمان في حله وترحاله! Posted: 02 Dec 2018 01:02 PM PST |
| محمد بن سلمان في الجزائر Posted: 02 Dec 2018 01:01 PM PST لسنا في حاجة إلى ذكاء كبير لاكتشاف أن الهدف الرئيس لهذه الزيارة، التي يقوم بها ولي العهد السعودي إلى الخارج، منذ مقتل جمال خاشقجي الشنيع، هو إقناع المواطن السعودي وأبناء عائلة آل سعود تحديدا، أن الرجل ما زال مقبولا دوليا، وبالتالي لا حاجة إلى البحث عن بديل له بعد الاضطراب السياسي الكبير الذي تسبب فيه سعوديا، خليجيا ودوليا. فالزيارة إذن تطمين للداخل السعودي الشعبي والرسمي، بأن ولي العهد لم يُنبذ بعد ولايزال قابل للاستعمال دوليا. بن سلمان الذي يتوقع أن يزور الجزائر ضمن جولته العربية هذه التي اختار لها دولا يعتقد أن العلاقات معها محكومة بمنطق “الرز السعودي”، حسب التعبير الشهير للرئيس المصري، فقد اختار ولي العهد، تونس وموريتانيا ومصر، زيادة بالطبع على حلفائه الخليجيين، على غرار الإمارات العربية والبحرين. الغريب أن هذه الجولة لا تضم المغرب الذي تربطه علاقات قوية بالسعودية، فهل ساءت العلاقات السعودية المغربية إلى هذا الحد؟ أم أنها زيارة مؤجلة فقط، وقد تحصل في أي وقت، وأن المطلوب من المغرب أكثر، من قبول زيارة الأمير والترحيب به. في المقابل ما أثار انتباهي فعلا هو ضم الجزائر إلى هذه القائمة من الدول التي قرر ولي العهد زيارتها في أول احتكاك له مع العالم الخارجي، بعد الهزة التي أثارها اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، رغم أنه يعرف أن المطبخ الجزائري خال من الرز تقريبا! وهو ما يستدعي العودة بنا إلى الحديث عن العلاقات الجزائرية السعودية وما ميزها تاريخيا من صعود ونزول وما عاشتها من هزات وهواجس، لم يتم التعبير عنها علنا دائما، وبقيت غالبا في دهاليز الدبلوماسية والاتصالات السرية بين القيادات السياسية للبلدين. تاريخ العلاقات الجزائرية السعودية يخبرنا أن احتكاكات كثيرة حصلت بين البلدين في عدة ملفات ساخنة. بعد أن رفضت الجزائر فكرة “الزعامة السعودية” كقوة ناعمة حاولت فرض نفسها، بعد انهيار معسكر الصمود والتصدي. الجزائر التي عبرت عن استقلال دبلوماسيتها، قبل انطلاق الصراع مع إيران في بداية الثمانينيات. هي التي حافظت على علاقات متميزة عربيا مع إيران، ورفضت الدخول في محاور ضدها، سواء تعلق الأمر بلبنان وملف حزب الله، أو ما يحصل في اليمن من عدوان سافر على شعبه الفقير، أو ما حصل قبلها من حرب مع العراق التي حاولت أثناءها الجزائر التوسط بين البلدين لغاية وفاة وزير خارجيتها بصاروخ عراقي، كما شهد بذلك أخيرا خالد نزار وزير الدفاع خلال تلك الفترة. موقف جزائري سياسي ودبلوماسي من إيران يمكن فهمه بالعودة إلى الخلفية التاريخية والدينية التي تؤطر الدبلوماسية الجزائرية، وهي تقوم بقراءة سياسية للتغيير الحاصل في إيران، بعد القضاء على حكم الشاه، باعتباره حالة صعود شعبي، ولم تتعامل معها كحالة مذهبية شيعية أو عرقية فارسية، معادية لمحيطها العربي بالضرورة، ما جنبها السقوط في معاداة التجربة الإيرانية التي كانت وما زالت ترى فيها دعما للمواقف العربية والعالمثالثية عندما يتعلق الأمر بسوق النفط الدولية، أو قضايا دولية وعربية أخرى، وهو ما يؤدي بنا إلى الحديث عن الملف الأول الذي تحتك عنده العلاقات السعودية الجزائرية، وأعني بذلك ملف أسعار النفط، التي حاولت فيه الجزائر ونجحت إلى حد ما في تقريب وجهات النظر بين المنتجين الأساسيين أكثر من مرة، عن طريق لعب دور الوسيط بين إيران والسعودية والكثير من الدول الأخرى، التي تملك معها الجزائر علاقات متميزة كفنزويلا وروسيا. دفاعا عن سوق نفطية تخدم مصالح الشعوب، بدل الشركات والدول الغربية. أسعار النفط التي تتخوف الجزائر من أن تستعملها السعودية ضدها كوسيلة ضغط لابتزازها حول ملفات سياسية، عربية خاصة، وهو ما حاولت السعودية القيام به أكثر من مرة بنسب نجاح متفاوتة، للهشاشة التي تميز حالة الجزائر كمنتج صغير، يعتمد كليا على مداخيل النفط لتمويل برامجه التنموية التي تعرف الكثير من المطبات. الملف الثاني الحاضر بقوة بين البلدين هو الملف الأمني الداخلي في الجزائر. بعد أن تبين بالشواهد التي لا يرقى إليها الشك أن السعودية لعبت لسنوات بالملف الديني الأمني داخل البلد، عن طريق دعم واضح للجماعات الإسلامية العنيفة في بداية أزمة التسعينيات، عندما تحولت قوافل “المعتمرين” من الشباب الجزائري إلى جبال أفغانستان مرورا بمراكز التدريب في باكستان التي كانت تشرف عليها المخابرات السعودية، فقد تمكنت السعودية من افتكاك حضور ديني وسياسي داخل الجزائر عن طريق بعض القوى والجماعات الدينية التي تمولها بشتى الطرق، وتدعمها بالكتاب الديني والفتوى التي تخصص في إصدارها أبناء مؤسساتها الدينية الرسمية عبر وسائط عدة، “علماء” لم يكونوا يتحرجون في تكفير جزء مهم من المجتمع الجزائري، بدءا من قيادة الجيش ونعتهم بالكفار و”أبناء فرنسا” الذين يستحقون الموت، أثناء فترة الحرب الأهلية التي عاشتها الجزائر بداية تسعينيات القرن الماضي. كان لابد من انتظار وصول آفة الإرهاب إلى داخل السعودية وتبعات أحداث نيويورك في 2011 حتى نشاهد ذلك التحول في الخطاب السعودي الذي عكس ابتعادا رسميا وليس “شعبيا”، عن الجماعات الإسلامية العنيفة في الجزائر، من دون أن يعني ذلك غيابا سعوديا كليا عن اللعب داخل الساحة الدينية الجزائرية. الحصان وحده أاستبدل، فبدل التيارات السلفية العنيفة والجهادية، ركبت السعودية حصانا جديدا تمثل هذه المرة في “المدخلية” والتيارات السلفية الأخرى التي انتجتها الحالة السعودية، من بداية التسعينيات وسوقتها لاحقا للعالم العربي والمنطقة المغاربية تحديدا. تيارات ما زالت حاضرة جزائريا داخل بعض الأوساط الشعبية والنخبة الجامعية الدينية، تنادي بطرح ديني موغل في سلفيته، ميزته الأساسية ولاؤه الكبير للسعودية كنظام سياسي ونمط حياة مجتمعي، لا نعرف بالضبط كيف سيتأثر بحالة الاضطراب والأزمة التي تعيشها السعودية داخليا، بعد وصول محمد بن سلمان إلى موقع ولاية العهد، وظهور شروخ جدية على النموذج الذي روجت له السعودية تاريخيا كقوة ناعمة، عبر رزها المبارك. لهذا يمكن أن نقول إن زيارة بن سلمان للجزائر، المرفوضة شعبيا والمحرجة في توقيتها رسميا، ستتم أساسا، بهدف اتقاء شرور النظام السعودي ضد الجزائر، قبل كل شيء وهو ما تعودت القيام به الدبلوماسية الجزائرية، التي عرفت حتى الآن كيف تُحيد السعودية عن لعب أدوارها التي تعودت القيام بها، منذ أن أحست أن الساحة العربية قد خلت لها، بعدما حصل من اختلال، في موازين القوى العربية. *كاتب جزائري  |
| دوافع الدعم الأمريكي للكيان الإسرائيلي كما يراها تشومسكي Posted: 02 Dec 2018 01:00 PM PST «هل سنبقى في تلك المنطقة؟ هناك سبب واحد للبقاء.. هو إسرائيل». يعجبني في ترامب تبجُّحه بما كان يستتر منه الآخرون، وصراحته الفجّة وحديثه المباشر في قضايانا، فها هو يُعبّر من خلال جملته السابقة عن الحقيقة التي تقول إن إسرائيل هي طفل أمريكا المُدلّل، ويعكس استمرار الدعم اللامتناهي لذلك الكيان المسخ. لسنا في حاجة إلى البرهنة على تلك الحقيقة، بقدر ما نحتاج إلى الوقوف على أسباب هذا الدعم، ومُعظم النخب العربية تُردّد ما يريد الأمريكان ترديده فقط دون غيره من أسباب محورية أُريد لها التهميش. أبرز ما يتم على أساسه تفسير التبنِّي الأمريكي السرمدي للاحتلال، هو قوة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، ورغم الاتفاق على أهمية هذا السبب وثِقَله، إلا أنه ليس هو المحرك الرئيسي لسياسة البيت الأبيض تجاه إسرائيل، فالمصالح الإستراتيجية لأمريكا هي التي تُحدّد القرار الأمريكي كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري، وإن الضغوط الصهيونية ذات أهمية ثانوية تُؤخر القرار قليلا أو تُعدّل شكله، لكنها لا تُحدده أو تُعدل اتجاهه الأساسي، فسر نجاح اللوبي الصهيوني في أنه يدور في إطار المصالح الاستراتيجية لأمريكا، ويطرح دولة الاحتلال باعتبارها أداة لتحقيق هذه المصالح، فمصدر نجاحه ليس ذاتيا ولكن بتوافق مصلحته مع المصالح الأمريكية. لنا أن نعرف أن عددا من الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم في أمريكا دعوا إلى قيام دولة إسرائيل، قبل أن تكون هناك تجمعات يهودية لها ثقل يُذكر مثل أندرو جاكسون، وبخلاف ما يتم ترويجه عن قوة الصوت اليهودي في الانتخابات داخل أمريكا، فقد انخفض عدد ممثلي اليهود في مجلسي الشيوخ والنواب في انتخابات 1994 ما يعكس تراجع قوة جماعة الضغط اليهودية، ومع ذلك زادت درجة الانحياز الأمريكي لإسرائيل، فليس الانحياز لإسرائيل إذن مرهون بتصاعد قوة اللوبي. ولا يقال إن اللوبي يُوجِّه سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل لسيطرة المالي اليهودي، فحجم المال الذي تتحكم فيه الجماعات اليهودية يُشكل نسبة ضئيلة مقارنة برأس المال الكلي، ولنا أن نعرف أن اللوبي الصهيوني لا تقتصر عناصره على يهود، وإنما تتضمن عناصر علمانية وليبرالية وإنجيلية ونحوه. البعض يُفسر ذلك الدعم بأنه ينطلق من المصالح الأمريكية في المنطقة بوجود حليف استراتيجي قوي وسط الدول العربية، لكنه رغم حقيقته النسبية إلا أنه ليس هو الدافع الأساس، فمصالح أمريكا في المنطقة العربية تصطدم بذلك الانحياز الواضح للكيان الصهيوني، على حساب مصالح العرب، ويُعرّض المصالح الأمريكية للخطر، ومع ذلك تستمر في دعمها المفتوح للاحتلال. هذه الأسباب وغيرها توضع حتما في الحسبان، لكن ثمة سببا جوهريا آخر يتغافل عنه كثير من الكُتّاب العرب، ربما تفاديًا لاتهامهم بالتفكير من منطلق ديني. لكنني تحفّزتُ إلى تناول هذا السبب الذي قرأتُ وبحثتُ فيه كثيرا من قبل، بعدما شاهدت لقاءً مُتلفزًا للمفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي، نشره الإعلامي أحمد منصور على حسابه الشخصي في الفيسبوك، وطابق ما لديّ من خلفية معلوماتية. يستعرض تشومسكي أسباب الدعم الأمريكي لإسرائيل، ومن أهمها أن الحزب الجمهوري، وهو الحزب الأقوى في أمريكا، الذي يدعم دولة الاحتلال بقوة، يقوم على قاعدة شعبية مُكونها الأعظم هم الإنجيليون، وهم داعمون متحمسون للسياسات الإسرائيلية وأصحاب مبادئ تدبيرية (البعد الديني النبوءاتي)، فهم يتطلعون إلى معركة هرمجدون، حيث يُقتل الجميع وتصعد الأرواح المُخلصة إلى السماء. وبسؤاله: ماذا يحدث لليهود عند ذلك؟ قال: بحسب ما تقول بعض النظريات فإن 160 ألف يهودي سوف يؤمنون بالمسيح، وأما البقية فستلحقهم اللعنة الأبدية، ويرى أن سبب دعمهم لإسرائيل بسبب تفسيراتهم للكتاب المقدس. يؤكد تشومسكي على أهمية الأسباب الدينية الثقافية في ذلك الدعم وهي المسيحية، حيث نشأت الأصولية المسيحية قبل الأصولية اليهودية، وأشار إلى أنهم (أي الأصوليين المسيحيين) يقرؤون في الكتاب المقدس عن ضرورة عودة اليهود إلى فلسطين. قطعًا لو نقلت هذا الكلام عن كتاب إسلاميين لاتهمتُ بالتطرف والخبال الفكري والوقوع تحت سطوة التفكير الخرافي، لذا آثرت التعبير عن قناعاتي من خلال المفكر الأمريكي اليهودي نعوم تشومسكي، فأول ما قرأت عن هذا الموضوع كان من خلال كتب ومحاضرات الداعية السعودي سفر الحوالي (كتاب «يوم الغضب»، ومحاضرة «القدس بين الوعد الحق والوعد المفترى»). وما ذكره تشومسكي اختصارًا، أود التوسع في ظلاله قليلًا، حيث أن الأصوليين أو الإنجيليين يؤمنون بحرْفية العهد القديم والجديد معًا، ووفق اعتقادهم فإن قيام دولة إسرائيل تمهيد لعودة المسيح المُخلص، الذي يواجه الوثنيين (المسلمين وغيرهم) وذلك خلال معركة كبرى تُسمى «هرمجدون» أي: سهل مجدون في فلسطين، وأن السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين تأخير لوعد الله، وهؤلاء ليسوا جماعة انعزالية تعيش في رهبنة، بل أصحاب نفوذ اجتماعي وإعلامي غاية في القوة والتأثير، ويتبؤون مناصب رفيعة في الحكومة منها منصب الرئاسة. ووفق اعتقاد هؤلاء أنه بعد المجيء الثاني للمسيح سيؤمن به جمع غفير من اليهود، وتهلك البقية، لذا يشتركون مع الصهاينة في هدف واحد رغم عداوتهما، وهو قيام دولة إسرائيل. هذا المعتقد قامت على أساسه العديد من الحركات الدينية أبرزها، الحركة التدبيرية التي ضمت 40 مليون أمريكي، منهم الرئيس الأسبق رونالد ريغان، وجدير بالذكر أن ريغان كان شديد الكره لليبيا لاعتقاده أنها واحدة من أعداء إسرائيل الذين ذكرتهم النبوءات، بحسب الكاتبة الأمريكية جريس هالسل في كتابها «النبوءة والسياسة». واستنادًا إلى تلك النبوءات التوراتية، تمكنت الصهيونية المسيحية (الأصوليين أو الحرْفيين) بكل منظماتها، من تكوين ضمير جماعي في المجتمع الأمريكي بوجوب الدعم الأمريكي لإسرائيل. وهو السبب ذاته الذي من أجله دعمت إنكلترا الصهاينة وعملت على تمكينهم في فلسطين، حيث أن السائد في أمريكا وانكلترا هو المذهب البروتستانتي الذي يعتبر المظلة الفكرية والمنهجية لهؤلاء الأصوليين الإنجيليين. ولا أدري، إن كان الكُتّابُ والمفكرون الغربيون يتحدثون عن هذا السبب، فلماذا يُحْجم مفكرونا وكُتّابُنا العرب عن الخوض في هذه القضية وبيانها للناس، بل إنه يتعين عليهم فضح هذه الطائفة المتطرفة التي تفوق في خطرها تنظيم «داعش» بكثير. إن الولايات المتحدة كما يقول إدوارد سعيد، هي أكثر الأمم انشغالًا بالدين، وهذا التيار الديني المهووس بعودة المسيح عقب قيام الدولة الإسرائيلية، هو تيار خطير لديه استعداد لارتكاب أعظم الحماقات، فعلى الأقلام العربية والاسلامية ألا تغفل عن هذه الحقيقية، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. *كاتبة أردنية  |
| زيارة إلى بيت غادة السمان Posted: 02 Dec 2018 10:21 AM PST وجدت نفسي وسط أنوار ساطعة ومختلفة وأزيز محركات الطائرات المختلط بالسيارات تصم الآذان وحركة الناس الغادين والرائحين، كل مهرول نحو وجهته إنّه «مطار أورلي» لم أعرف كيف وجدت نفسي أتجول بين جوانحه أفتش عن المخرج الذي يؤدي إلى الخارج وأنا الذي زرته ذات مرة من سنة 1985 على ما أظن… لكن الشاخصات كانت واضحة تدلك بدون أن تسأل عن الوجهة التي أنت ترغب فيها، المهم أن تحسن اللغة الفرنسية أو الإنكليزية، وللأسف لا أثر للغتي هنا إلاّ في حالة قليلة جدا… خرجت حاملا حقيبتي الصغيرة فيها بعض الأغراض بما فيها قلم رصاص ودفتر ومبراة، أمّا الممحاة فلا مكان لها عندي –والعادة أنّ قلم الرصاص ترافقه الممحاة هذا في عرف التلاميذ.. توقفت أمامي سيارة الأجرة وسألني السائق عن وجهتي –للعلم أنا من الذين يفهمون اللغة الفرنسية نطقا ولكن لساني لا يطاوعني للرد بطلاقة – رددت عليه بلكنة متعثرة بالفرنسية (الشان إيليزيه) فأشار لي بالركوب ركبت في الخلف وألقيت عليه التحية بالفرنسية(صباح الخير) فردها بالعربية وعليكم السلام ورحمة الله فإندهشت من رده، رغم أنّ ملامح الشاب صاحب سيارة الأجرة لا توحي أنّه عربي .. وأردف سؤالا من أين؟ قلت من الجزائر قال:أهلا ببلد الشهداء قلت له شكرا على إحساسك القومي، وسألني أين أنت ذاهب بالضبط، هل لك أهل أم زيارة طبيب أم للدراسة قلت له: ولا واحد ممّا ذكرت إلتفت إليّ متعجبا ..كيف؟ قلت أنا قادم لباريس من أجل زيارة أحد عمالقة الأدب ؟ تبسم وقال لي:غريب أمرك في هذا الزمان يوجد من يسافر من أجل لقاء أصحاب الفكر المرهف ..صمت قليلا وقلت في نفسي وهل يوجد من أصحاب «الحرف» ممن له هذا الحس الأدبي الرفيع بقوله «أصحاب الحس المرهف»… وغفوت حتى نبّهني بقوله: نحن في» الشان إليزيه» أين تريد قلت له أريد زيارة «غادة السمّان ولكن لا أعرف لاعنوانها ولا منزلها فضحك وقال: أنا أوصلك له … شكرته وما هي إلاّ مسافة معتبرة وإذا به يتوقف أمام عمارة كبيرة وأشار إلي أنه المكان الذي ترغب فيه… وقبل أن أنزل هممت لأن أخرج له ثمن الرحلة فقال: أبدا وأنت ضيفنا إنّها ضريبة سوريا لشهداء الجزائر فقلت له ما وطنك ؟ قال: أنا لبناني المولد وسوري الجنسية وودعني بعدما ما قدّم لي بطاقة عليها إسمه وعنوانه ورقم هاتفه وقال لي: إذا إحتجتني فإنّني في الخدمة… غادر المكان وتوجهت رويدا رويدا نحو باب العمارة وأنا متردد: ماذا أقول ؟هل تستقبلني السيدة غادة؟ هل لها سابق معرفة بي؟ كيف أقدم نفسي لها وأنا فقط من عامة الناس ولا زاد لي في المجال الثقافي إلاّ التعليقات في جريدة «القدس العربي» وقد جالت بمخيلتي أفكار كثيرة منها حتى عزمت على العودة من حيث أتيت… رفعت رأسي إلى صندوق البريد المثبت على مدخل العمارة فوجدت إسم السيدة غادة ورقم سكنها والطابق وكان مكتوبا بالفرنسية والعربية تشجعت قليلا وخطوت خطوات نحو السلم صاعدا نحو الطابق المشار إليه ولعدم تعودي على ركوب المصعد إرتجـلت المسـافة راجـلا.. وقفت أمام الباب وراودتني بعض الشكوك ولكن كذلك عوض أن أدق الجرس دققت الباب بمعصم يدي وما هي إلا لحظات حتى خرجت علي بنت في مقتبل العمر فقلت لها: السلام عليكم فردت علي بالفرنسية «صباح الخير» سألتها بلكنة فرنسية متعثرة:هل هنا مسكن السيدة غادة السمان؟ فقالت لي:ومن أنت؟..هنا بدأ الحرج وغاب التبرير ووقعت فيما كنت خائفا منه.. قلت أنا من المعجبين بها وأنا من الجزائر ..ضحكت البنت وقالت بلغة عربية فيها من اللكنة التي تدل على أنها إمّا مغربية أو جزائرية: أن تسكن في الجزائر؟ قلت من ولاية تيارت، بدا عليها السرور وقالت لي إنتظر لحظة؟ غابت دقيقة أو دقيقتين ثم جاءت مهرولة:ما إسمك ؟ قلت بولنوار قويدر من الجزائر .. عادت كعادتها مسرعة ثم عادت إلي تفضل في قاعة الإستقبال تقدمت حذرا إلى بهو السكن فكان فسيحا تظهر عليه إمارة سكان الملوك من تنظيم وتحف وإضاءة طبيعية أشارت إلي تلك الفتاة أن أدخل في إنتظار السيدة دخلت القاعة وإذا هي بمثابة متحف مكتب وثير عليه أجهزة من فاكس وتلفون وطابعة وأمور أخرى لم أميز منها سوى مجسم لبومة وعلى صدر الجدران لوحات رسم رائعة لم أعرف أصحابها لقلة معرفتي بفن الرسم وفي المقابل رفوف خزانة بها مجلدات وكتب متنوعة أظن كتبها ولمجموعة من عمالقة الأدب ونسيت أن أقول لكم على المكتب ثلاث صور لثلاثة رجال عرفت واحدا فقط وهو» كنفاني» وعلى ما أظن كان الآخران زوجها وإبنها.. وأنا أتجول في متحف السيدة غادة دخلت علي إمرأة تظهر في العقد السابع ولكن هيئتها لا تدل على ذلك فمازالت مشدودة القوام عليها نضرة الشباب تعلو شفتيها إبتسامة بادرتني بالتحية فقمت من مكاني إحتراما لها وقد عرفت أنّها سيدة الأدب تقدمت نحوي وأنا أقول في نفسي هل أنا فعلا مع عملاق الأدب وأيقونته لا أصدق ما أنا فيه.. صافحتني وقالت مرحبا بك عندنا وأمرت تلك البنت أن تأتي بمشروب وخيرتني فيما أشرب فقلت لها: قهوة بدون سكر .. قالت: ما سبب زيارتك لي ؟ قلت تعلقي بك من خلال كتابتك منذ سبعينيات القرن الماضي ضحكت وقالت ألهذا الحد أنت معجب؟ جاءت البنت بالقهوة وقطعة بسكويت أشارت لي بتناولها وشرعت قائلة أود أن أخبرك أنّ هذه البنت أمها من تيارت وأبوها من وهران فقفزت إلى ذهني ترحابها بي وإستقبالها الرائع لي فقد رأت في أهلها وذويها… ثمّ أخبرك أنّ اليوم بعد الظهر سيحاضر أحد أصدقاء «القدس العربي» د.أثير الشيخلي «في قاعة المحاضرات أسفل العمارة والمحاضرة تحت عنوان: «قيمة الأدب الإنسانية في عصر الذرة» وسيحضر كل من أسامة كلية وسلام عادل وأبو تاج ورياض بحكم قربهم من المكان ورؤوف بدران وسوري ونجم الدراجي وغادة الشاويش ومنى مقراني والكروي داوود عن طريق «السكايب» إن سمحت الظروف… وقد ألحت علي أن أعود إلى البيت الساعة الحادية عشرة ونصف من أجل الغذاء عندي… شكرتها على حسن الإستقبال وحسن الضيافة وهممت بالخروج… وإذا بأحد أحفادي يصرخ باكيا ففزعت وإذا أنا في حلم. كاتب من الجزائر  |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق