| انسحاب قطر من منظمة «أوبك»: هل تكرّ السبحة؟ Posted: 03 Dec 2018 01:15 PM PST قطعت دولة قطر خطوة حاسمة على طريق تطوير قطاع إنتاج الطاقة، فأعلنت الانسحاب من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) اعتبارا من كانون الثاني/ يناير المقبل. وأوضح سعد الكعبي، وزير الدولة القطري لشؤون الطاقة، أن بلاده اتخذت هذا القرار في إطار التخطيط لإستراتيجية طويلة المدى، وضمن البحث عن السبل الكفيلة بتحسين دورها العالمي. وأشار الكعبي إلى أن هذا القرار يتماشى مع رغبة قطر في تركيز جهودها على تطوير قطاع الغاز، وزيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال من 77 مليون طن إلى 110 ملايين سنوياً. ومن الواضح أن هذا القرار الهام يتصف بحكمة بعيدة المدى، تخدم خطط البلد الاقتصادية والاستثمارية على الصعيدين المحلي والعالمي، كما يأخذ بعين الاعتبار سلسلة عوامل موضوعية تخصّ حاضر سوق النفط ومستقبله في ضوء الأوضاع الراهنة التي تعيشها منظمة «أوبك»، من حيث القدرة على تنظيم معدلات الإنتاج وضبط الأسعار وإدارة الأزمات ومواجهة ضغوطات شركات النفط العملاقة لما فيه مصلحة الدول المنتجة. والعامل الموضوعي الأول يشير إلى أن قطر ليست دولة نفطية في المقام الأول، ومن الطبيعي بالتالي أن تتفرغ أكثر لتعزيز معدلات إنتاجها في القطاع الرئيسي للغاز المسال، وكذلك تطوير الصناعات المتصلة بهذا القطاع، وخاصة في ميدان تحويل الغاز إلى سوائل وتهذيب وتكسير الميثان في منطقة رأس لفان. وهذا لا يعني أن الدوحة تنوي الخروج نهائياً من قطاع النفط، إذ تزمع شركة قطر للبترول رفع إنتاج المكافئ النفطي من 4,5 مليون برميل يومياً إلى 6,5 مليون برميل. العامل الثاني هو أن منظمة «أوبك» أخفقت خلال الأشهر الأخيرة في أداء الوظائف الأولى المناطة بها، أي الحفاظ على مصالح الدول الأعضاء وتنسيق الجهود بينها لتوحيد السياسات الخاصة بإنتاج وتسويق النفط، وضمان استقرار الأسواق. ففي الآونة الأخيرة هبط سعر البرميل بما بعادل 30٪ عن القيمة التي بلغها في طفرة تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وفي المقابل سوف يشهد الاجتماع المقبل للمنظمة قرارات بتخفيض حصص الإنتاج مما سينعكس في مزيد من اضطراب الأسواق وتقلب الأسعار. والعامل الثالث هو أن المملكة العربية السعودية، العضو الأبرز في منظمة «أوبك» بمعدل إنتاج يبلغ 11 مليون برميل يومياً، انخرطت وتواصل الانخراط في ما يسميه البعض «الحرب الأهلية» داخل أسواق النفط، والتي تتصدرها الولايات المتحدة ضدّ روسيا وإيران وفنزويلا لأسباب سياسية صرفة. ومن المتفق عليه أن هذا الصراع يترك عواقب وخيمة على إنتاج النفط وتسويقه، وكذلك على الاقتصاد العالمي وخاصة في الدول النامية والفقيرة. ولقد شدد الوزير الكعبي على أن قرار الانسحاب من أوبك يرجع لأسباب فنية واستراتيجية وليست سياسية، وأنه استطراداً لا يتصل بالحصار المفروض على قطر من قبل السعودية والإمارات بصفة خاصة، والاستثمارات في مشاريع النفط الأجنبية سوف تستمر رغم الانسحاب من «أوبك»، والدوحة ستظل ملتزمة بما تتخذه المنظمة من قرارات حتى نهاية عضويتها مطلع العام 2019. بذلك فإن قطر تصنع سابقة وتضرب مثالاً وقدوة حسنة، وليس احتمالاً بعيداً أن تحذو حذوها دول أخرى أعضاء في المنظمة ترى رأياً مماثلاً، فتكر السبحة.  |
| قانون جرائم تقنية المعلومات… استكمال حصار حرية التعبير عن الرأي في مصر Posted: 03 Dec 2018 01:14 PM PST لا تدع السلطوية الحاكمة في مصر مجالا أو قطاعا مؤثرا في الفضاء العام إلا وتعمل على إخضاعه وإطلاق معاول السيطرة الأمنية عليه. في آب/ أغسطس 2018 (تحديدا في الرابع عشر منه)، أصدر رئيس الجمهورية القانون رقم 175 لسنة 2018 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات والذي يخلط عمدا بين التعقب المشروع لمن يمارسون الاحتيال والنصب موظفين شبكات وأنظمة وتقنيات المعلومات وبين إعطاء السلطوية المسوغات القانونية والنصوص المطاطية التي تحتاج إليها لحجب المواقع الإلكترونية التي تنشر وتتداول المواد الإخبارية والمعلومات والآراء والأفكار حول أوضاع المجتمع وأمور السياسة. مثله مثل قوانين الصحافة والإعلام التي صدرت أيضا في صيف 2018، يحاصر قانون «جرائم تقنية المعلومات» حرية التعبير عن الرأي ويهدد المتمسكين بها بالعقاب الممنهج إن حجبا لمواقعهم أو توقيعا لغرامات مالية وعقوبات بالسجن. في مادته الأولى، يوسع القانون نطاق اختصاصه ليشمل كل «مجال أو مكان افتراضي له عنوان محدد على شبكة معلوماتية، يهدف إلى إتاحة البيانات والمعلومات للعامة أو الخاصة» ثم ينتقل في مادته السابعة (بعد مجموعة من التعريفات الإجرائية) إلى تمكين الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات (وبالجهاز حضور قوي للأجهزة الأمنية والاستخباراتية) وجهات الأمن القومي (وتحددها القوانين المصرية في رئاسة الجمهورية ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية والمخابرات العامة وهيئة الرقابة الإدارية) إن من التقدم بطلبات إلى «الجهات القضائية المختصة» لحجب المواقع التي ترتكب «الجرائم المنصوص عليها» وتشكل «تهديدا للأمن القومي أو أمن البلاد واقتصادها» أو من الحجب الفوري والمسبق للمواقع المغضوب عليها وطرح الأمر لاحقا على الجهات القضائية. بل يمنح القانون في مادته التاسعة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وجهات الأمن القومي صلاحية منع «المتهمين بارتكاب الجرائم المنصوص عليها» من السفر لمدد قد تستمر لسنة كاملة (عبر قرارات تصدرها النيابة العامة) دون تحريك لدعوى جنائية بحقهم. أما «الجرائم» التي ينص عليها القانون، فتحوي الاعتداء على سلامة شبكات وأنظمة وتقنيات المعلومات (من المادة 13 إلى المادة 22) والاحتيال والاعتداء على بطاقات البنوك والخدمات وأدوات الدفع الإلكتروني (المادتان 23 و24) مثلما تشير إلى الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة والمحتوى المعلوماتي غير المشروع (المادتان 25 و26) قبل أن تنتقل إلى جرائم مديري المواقع والمسؤولية الجنائية لمقدمي الخدمات الإلكترونية وجرائم الإضرار بالأمن القومي والسلم الاجتماعي (من المادة 27 إلى المادة 34). هي تلك الطائفة الأخيرة من «الجرائم» التي تشرع الأبواب لحجب المواقع الإخبارية والمواقع التي تتداول من المعلومات والآراء والأفكار ما لم ينسجم مع الرأي الرسمي، هي تلك الطائفة الأخيرة من «الجرائم» التي تمكن السلطوية من تعقب مديري المواقع والعاملين بها وفقا لصياغات مطاطية يستحيل تعريفها على نحو قانوني منضبط مثل الإضرار بالسلم الاجتماعي، هي تلك الطائفة الأخيرة من الجرائم التي يقر القانون بشأنها كعقوبة طيفا من الغرامات المالية والحبس لمدد مختلفة، هي تلك الطائفة الأخيرة من الجرائم» التي تستكمل مع قوانين الصحافة والإعلام حصار حرية التعبير عن الرأي في الفضاء العام المصري. يحاصر قانون «جرائم تقنية المعلومات» حرية التعبير عن الرأي ويهدد المتمسكين بها بالعقاب الممنهج إن حجبا لمواقعهم أو توقيعا لغرامات مالية وعقوبات بالسجن بل أن القانون رقم 175 لسنة 2018 يشرعن لرقابة السلطوية الدائمة على كافة المواقع الإلكترونية والعاملين بها والمتعاملين عليها من خلال إلزام مديري المواقع بحفظ كل البيانات الخاصة بها لمدة 180 يوما متصلة وبتسليم كل البيانات للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ولجهات الأمن القومي (المادة السادسة)، وتهديد الممتنعين عن ذلك الإلزام «بالحبس والغرامة أو إحداهما» (وفي جميع الأحوال بمصادرة الأجهزة والمعدات وإغلاق محال العمل) شأنهم هنا شأن الممتنعين عن تنفيذ قرارات حجب المواقع، ورفع السقف العقابي إلى السجن المشدد حال ربط الجهات القضائية المختصة بين الامتناع وبين الإضرار بالأمن القومي والسلم الاجتماعي (من المادة 30 إلى المادة 34). ثم يتواصل حصار حرية التعبير عن الرأي واصطناع بيئة للخوف لإجبار المواطن على قبول التخلي عن الرأي الحر وللتهديد الممنهج للعاملين في المواقع الإلكترونية بنزوع القانون إلى تجريم النوايا! ينص القانون في مادته الأربعين على معاقبة «كل من شرع في ارتكاب الجنح المنصوص عليها في هذا القانون بما لا يجاوز نصف الحد الأقصى للعقوبة المقررة للجريمة»، ويستن بذلك دون تحديد قانوني منضبط لمضامين «الشروع في ارتكاب جرائم تقنية المعلومات» عقابا على النوايا يتشابه مع ما أضحت قوانين مصرية أخرى تحويه. والنموذج الأشهر في هذا الصدد هو المادة رقم 78 المعدلة من قانون العقوبات (عدلت في خريف 2014) والتي تتسم بصياغة لغوية فريدة في مطاطيتها تصل إلى حد تجريم أشياء غير معرفة ومحاسبة النوايا والوعود. ففقرتها الأولى تنص على أن «كل من طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ ولو بالواسطة من دولة أجنبية أو ممن يعملون لمصلحتها أو من شخص طبيعي أو اعتباري أو من منظمة محلية أو أجنبية أو أية جهة أخرى لا تتبع دولة أجنبية ولا تعمل لصالحها، أموالا سائلة أو منقولة أو عتادا أو آلات أو أسلحة أو ذخائر أو ما في حكمها أو أشياء أخرى أو وعد بشيء من ذلك بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها أو القيام بأعمال عدائية ضد مصر أو الإخلال بالأمن والسلم العام يعاقب بالسجن المؤبد وبغرامة لا تقل عن خمسمائة ألف جنيه ولا تزيد على ما أعطي أو وعد به»! هي كارثة كبرى على حكم القانون وضمانات حقوق وحريات المواطن حين يسقط كل تحديد موضوعي للأشياء المجرم فعلها بالزج بعبارة «أو أشياء أخرى»، وحين يكتمل التخلي عن ضرورات التعريف القانوني المنضبط للجرائم بإدراج صياغات مطاطية إضافية مثل «أو وعد بشيء من ذلك»، وحين يصير إنزال العقاب بالمواطنين ممكنا قانونا بالرجوع إلى ما تراه السلطوية الحاكمة «نواياهم الحقيقية»، وحين تتحول مصر الراهنة إلى دولة الأخ الأكبر التي تحاسب مواطنيها ليس فقط على الآراء والأفكار بل أيضا على النوايا والوعود وما بداخل النفوس. كاتب من مصر  |
| جائزة «كتاب فلسطين» وتفنيد الرواية الصهيونية Posted: 03 Dec 2018 01:13 PM PST كيف يمكن مواجهة وتحدي السردية ـ الرواية الصهيونية السائدة، عن تاريخ وحاضر فلسطين، عن شعب يمارس عشرات الانواع من المقاومة، اليومية، لمحتل يبني وجوده على رواية خيالية وهمية للتاريخ الفلسطيني، تستمر في تعريف التفكير السائد في أجزاء كثيرة من العالم، خاصة في الغرب؟ ما هي سبل تفنيد الرواية الصهيونية المهيمنة دعائيا واعلاميا، لئلا يعيد التاريخ الوهمي انتاج نفسه؟ عن هذه التساؤلات المهمة، تحدث رمزي بارود، المستشار الاعلامي ومؤلف كتاب «الارض الأخيرة: قصة فلسطينية»، في كلمته، كمتحدث رئيسي، في احتفالية جائزة «كتاب فلسطين» الدولية، لعام 2018، التي تمنحها «ميدل إيست مونيتور»، في المملكة المتحدة، منذ عام 2011، لأفضل كتاب جديد صادر بالإنكليزية عن فلسطين. استلمت لجنة التحكيم التي تضم خمسة خبراء 44 كتابا عن فلسطين صدرت هذه العام وتراوح في موضوعاتها بين الاكاديمي والروائي والفني والمذكرات والسيرة الذاتية بالاضافة الى كتاب عن الطبخ الفلسطيني وكتاب للاطفال. تمنح الجوائز عادة الى تصنيف يضم الكتاب الاكاديمي والسيرة / المذكرات والادبي / الفني مع ترك الباب مفتوحا امام الكتاب الجيد ليفرض نفسه، أيا كان موضوعه إذا حدث وكان خارج التصنيف المحدد. لاحظت لجنة التحكيم ان ما يميز الكتب المستلمة، هذا العام، عن غيرها من الاعوام السابقة، وجود نسبة من الكتب المترجمة من العربية الى الانجليزية، وهي مسألة ذات دلالة مهمة خاصة وان حركة الترجمة الى اللغة الانكليزية (من اي لغة كانت، فكيف بالعربية، قليلة حتى بالمقارنة مع بقية اللغات كالالمانية والاسبانية. شجع هذا الزخم النسبي لجنة التحكيم على التفكير باضافة جائزة اخرى تكرس للكتب المترجمة. يستحق استلام 44 كتابا عن موضوع واحد، التوقف عنده، خاصة إذا كان الموضوع عن قضية، تصرف ملايين الدولارات لمحاربتها، بشكل يومي، سواء من قبل اجهزة الاعلام والمنظمات الصهيونية، مباشرة، أو منظمات الرصد والمراقبة الناشطة في الجامعات ومراكز البحوث، واتهام كل من يتناول القضية الفلسطينية بالبحث او التأليف أو الدفاع حتى عن أبسط حقوق الشعب الفلسطيني، بتهمة «معاداة السامية» الجاهزة مثل ملصق رخيص. النقطة الثانية التي تستحق الذكر هي ان مؤلفي هذه الكتب هم ليسوا بالضرورة فلسطينيين، بل غربيين، من المملكة المتحدة وأمريكا وفرنسا وايطاليا، مما يؤكد حقيقة تستميت «دولة المستوطنة» في انكارها، وهي ان القضية الفلسطينية في جوهرها، قضية نضال من اجل العدالة. كيف يمكن مواجهة وتحدي السردية ـ الرواية الصهيونية السائدة، عن تاريخ وحاضر فلسطين، عن شعب يمارس عشرات الانواع من المقاومة، اليومية، لمحتل يبني وجوده على رواية خيالية وهمية للتاريخ الفلسطيني؟ منحت الجائزة الاولى المكرسة للانجاز الاكاديمي مشتركة الى د. مها نصار، عن كتابها «إخوة متباعدون» و كولن أندرسن عن «بلفور في قفص الاتهام». تناولت نصار، الأستاذ مساعد في كلية دراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في جامعة أريزونا، كيفية قيام مثقفي الداخل الفلسطيني بالتواصل مع بقية الفلسطينيين في المنفى بالاضافة الى العرب، ومحاولاتهم لكسر نطاق العزلة المحيطة بهم. كتاب نصار حصيلة بحث سنوات في وثائق ونصوص أرشيفية بالاضافة الى مقابلات مثقفين عاشوا تلك التجربة منذ النكبة وحتى منتصف الستينات. أما كتاب «بلفور في قفص الاتهام» فقد تم اختياره من بين عدة كتب عالجت موضوع وعد بلفور. وهو يصف عقودا من الخيانة والخداع ضد الشعب الفلسطيني وبالتحديد من قبل الحكومة البريطانية، بدءاً من آرثر بلفور و«إعلانه». يتم ذلك من خلال سيرة حياة الصحافي، جي أم جيفريز، الذي كشف عن الخيانة من خلال المقابلات والأبحاث في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي التي نشرها بكتابه المعنون «فلسطين: الواقع»، كاشفا بشكل توثيقي دقيق كيفية اقناع الصهاينة السياسيين البريطانيين والحكومات المتعاقبة لمساعدتهم على تحويل فلسطين ذات الاكثرية العربية إلى دولة يهودية. نال د. رجائي بصيلة جائزة «أفضل كتاب مذكرات» عن كتابه «في أرض ميلادي: طفولة فلسطينية»»، عن الحقبة الزمنية التي سبقت عام النكبة 1948. كما تم تكريم د. سليم تماري، رئيس تحرير «فصلية القدس» وأستاذ علم الاجتماع في جامعة بيرزيت بجائزة «إنجاز العمر» لمساهماته المتميزة في التاريخ الاجتماعي لفلسطين. عن دراساته، يقول تماري: «أركّز دراساتي حول حداثة فلسطين والتحوّلات الاجتماعية، وبشكل خاص بروز الهوية الفلسطينية عند نهاية الفترة العثمانية. وكذلك طبيعة هذه الفترة والعلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة إبّانها. وعلاقة فلسطين مع البلاد الشامية والسلطنة العثمانية». وكان كتابه «المذكرات الجوهرية»، المكون من جزأين، وحرره رفقة عصام نصار، قد فاز بجائزة افضل كتاب مذكرات لعام 2014. وتتميز كتب تماري بتركيزها على سير ومدونات اشخاص مغمورين سياسيا. فجوهرية، مثلا، موسيقار نشر الموسيقى الشعبية بشكلٍ واسع في فلسطين، ودوّنها. كما قام بتدوين مشاهداته في بداية القرن العشرين في فلسطين. ولعل الاهتمام بتفاصيل حياة الناس العاديين «يسمح بالكشف عن جانب من النسيج الاجتماعي والثقافي العربي. الجزء الذي لا نقرأه في التاريخ الرسمي»، كما يقول تماري، هو ذاته الذي يدعو اليه رمزي بارود لأستعادة الرواية الفلسطينية وتفنيد الرواية الصهيونية التي تحركها دعائيا، اذ « يجب أن تركز القصة، الآن، بشكل كامل، على حياة ووجهات نظر الأشخاص العاديين ـ اللاجئون، والفقراء، والطبقة العاملة الفلسطينية». وليست هذه مسؤولية وواجب الفلسطينيين لوحدهم بل مسؤولية» كل من يرغب بتقديم فهم حقيقي لنضالنا التاريخي». ان احتفالية « جائزة كتاب فلسطين»، بالكتب الصادرة باللغة الانجليزية عن فلسطين، وتكريم مؤلفيها، للسنة السابعة، هو خطوة عملية، بعيدة عن الرطانة الرسمية السائدة، لدعم نضال الشعب الفلسطيني، من خلال تشجيع الكتاب والناشرين على انتاج المزيد من الكتب عن فلسطين. كتب تتوخى البحث العلمي الرصين في الرواية السائدة، اعلاميا وسياسيا، لتبرير احتلال بلد وتطهيره من سكانه الاصليين. انها، ايضا، كتب توثق الحضور الفلسطيني وتفاصيل الحياة اليومية من خلال اليوميات والمذكرات والكتابات الأدبية، شعرا وقصة ورواية. انها بداية رحلة يعمل منظموها وكل المساهمين في رعايتها على استمرارها على الرغم من كل الصعوبات. كاتبة من العراق  |
| باجولي وسفراؤنا Posted: 03 Dec 2018 01:11 PM PST عندما تفرغ من قراءة مذكرات السفير الفرنسي السابق، برنار باجولي، «الشمس لم تعد تطلع من الشرق»، وإذا كنت مواطنا عربيا تطاردك لعنات المنطقة التي رأيت فيها النور، يستحيل أن تمنع نفسك من الحزن على حالك. ترقَّى باجولي في المناصب الدبلوماسية، إلى أن عمل سفيراً، بين 1994 و2013، في كل من الأردن والعراق والبوسنة والجزائر وأفغانستان. قبل ذلك عمل دبلوماسيا في سفارات فرنسا في روما والجزائر ودمشق. في 2013 تولى قيادة المخابرات الخارجية الفرنسية إلى 2017. عرف الرجل المعرَّب أسرار كل العواصم العربية التي عمل فيها. عرف التركيبة الثقافية والنفسية لكل مجتمع، واطلع على نقاط القوة والضعف حيثما حلَّ. أتقن اللغة العربية بنحوها وقواعدها الصعبة. عرف الحروف الشمسية والحروف القمرية، وتعرف على الفروق بينها. تعلم اللهجات المختلفة وحكم بأن أجملها السورية والمصرية، وبأن العراقية حادَّة. أتقن اللكنات داخل البلد الواحد، وأدرك الفروق فيها بين المناطق السورية بأريحية وثقة تضاهيان معرفة المواطن السوري. ثم توغل في معاني القرآن الكريم ووقف عند عبارات لا تنطبق عليها قواعد النحو مثل «جاءت الرُسُل» بينما المفروض أن تكون، في لغة اليوم، «جاء الرُسُل». وأسهب في فهم التاريخ الإسلامي منذ الخلفاء الراشدين مرورا بالدولة الأموية فالعباسية ومَن قتل مَن وفي أيّ سياق. «الشمس لم تعد تطلع من الشرق»، علاوة على أنها مذكرات تجمع بين السياسة والدبلوماسية والأمن، تعيدك إلى وقائع ربما تابعتها واستعصى عليك فهمها. كُتبت بالسهل الممتنع لتسلط الضوء ليس فقط عمَّا تروي بل على الراوي أيضا. يُنصح بقراءتها الدبلوماسيون، الناجحون منهم والفاشلون، وكذلك المساكين الذين تحطمت أحلامهم في أن يصبحوا دبلوماسيين على صخرة الفساد السياسي ودسائس تماسيح الإخفاق الإداري في أكثر من بلد عربي. حالة باجولي ذكّرتني بأن في بلادي يُعيَّن المسؤولون والوزراء الفاشلون داخليا سفراء في الخارج. أذكر حركة شنَّها موظفو وزارة الخارجية الجزائرية سنة 1991 (كان سيد أحمد غزالي وزيراً للخارجية) احتجاجا على تعيين السفراء والدبلوماسيين من خارج الوزارة. لم ترقَ الحركة إلى مستوى إضراب لكنها كانت إنذاراً بوجود احتقان يجب احتواؤه. في الجزائر، كما في أغلب دول العرب والعالم الثالث، الدبلوماسية نادٍ مغلق تحتكره أعلى جهات الحكم وأقواها نفوذا، مثل قيادة المخابرات ورئاسة الدولة. بها تكافئ وتعاقب. هذا النادي مرادف للثراء والامتيازات المادية الهائلة، كأن المتحكمين فيه لا يدركون أن موقع البلاد دوليا، وأمنها ومصالحها المتنوعة أمور متوقفة على هذه الدبلوماسية. اشتهر النظام الجزائري باستعماله المناصب الدبلوماسية لمكافأة ومعاقبة رجاله. ولا يزال هذا التقليد راسخا. المحظوظون يكافَأون بالمناصب المجزية مثلا: إلى اليوم لا يفهم الجزائريون لماذا عُيِّن الجنرال اليمين زروال سفيراً للجزائر في بوخارست، رومانيا، سنة 1990، إثر استقالته من قيادة القوات البرية وبعد سنوات طويلة قضاها قائدا ميدانيا في الصحراء (زروال امتلك شجاعة الاستقالة بسرعة بعد أن وجد نفسه في المنصب الخطأ وأدرك عبثية قرار تعيينه). وإلى اليوم لا يفهم الجزائريون ما هي المؤهلات والمهارات الدبلوماسية التي جعلت المدير العام السابق للتلفزيون الجزائري، حمراوي حبيب شوقي، يصبح سفيراً في رومانيا (بينما كان منصب مدير التلفزيون أكبر منه بكثير) في 2009. عكس زروال، ظل حمراوي متمسكا بمنصبه ثلاث سنوات. وقد يحتاج الجزائريون دهراً ليفهموا أسرار تعيين العقيد يزيد زرهوني سفيرا في أمريكا والمكسيك واليابان بعد تنحيته من على رأس جهاز المخابرات في 1982. (ليس غريبا أن صلب العمل الدبلوماسي جوسسة واستخبارات، وأن أغلب الدبلوماسيين عبر العالم على تماس مع استخبارات بلادهم بشكل أو بآخر، لكن ليس إلى درجة تسمح بتعيين زرهوني سفيراً في اليابان وأمريكا!). وهناك حالات أخرى عديدة. اشتهر النظام الجزائري باستعماله المناصب الدبلوماسية لمكافأة ومعاقبة رجاله. ولا يزال هذا التقليد راسخا. المحظوظون يكافَأون بالمناصب المجزية. والمغضوب عليهم، إذا كانوا من الأقوياء، يُعينون في سفراء وقناصلة لإبعادهم عن المسرح السياسي الداخلي لتقليص نفوذهم وتأثيرهم. وربما تحت هذا التفسير يقع تعيين الجنرال العربي بلخير سفيرا في الرباط بعد أكثر من عقدين قضاهما أمينا عاما للرئاسة ومديرا لمكتب الرئيس (تخللها مرور سريع على رأس وزارة الداخلية). لسوء حظ الجزائر أن الكثير من هذه التعيينات شملت وزراء ومسؤولين كبارا فشلوا فشلا ذريعا في المسؤوليات التي تقلدوها داخليا. لكن بدلا من مساءلتهم ومعاقبتهم، عُيّنوا سفراء. لا غرابة في شكوى المواطنين العرب المستمرة من إهمال قنصليات وسفارات بلادهم لهم، وتخليها عنهم حتى في أحلك الظروف. علاوة على غياب رصيد ثقافي وانعدام تجارب الاهتمام بالفرد، هناك إخفاق الدبلوماسيين وتقديمهم خدمة النظام الذي عيّنهم على المواطن في غربته. في مقابل هذه الصورة القاتمة عندنا، يروي باجولي بالتفاصيل شدة اهتمامه واهتمام حكومته بالفرنسيين في الخارج، إلى درجة أنه مرة اضطر إلى البقاء تسعة أشهر لم يغادر خلالها بغداد لحظة واحدة بسبب فرنسي واحد اختُطفته إحدى الميليشيات. وفي عرف السفراء، هي فترة طويلة جداً. بمفهوم سكان الدول المحاصَرة بالفشل، تجربة باجولي تختزل نموذج الدبلوماسي الناجح. لكن بمنطق فرنسا والدول التي تشبهها، هو دبلوماسي أدى مهامه كما هي مطلوبة منه، وكفى. لكن أحد مهرِّجي السياسة في الجزائر وصف باجولي بـ«الباربوز» (المخبر الفالت) لأنه تحدث عن تدهور صحة الرئيس بوتفليقة. لو كان لدى الجزائر ولو حفنة دبلوماسيين من أمثال باجولي في الاجتهاد والعناد، كانت أحوالها حتما ستكون أفضل مما هي اليوم. كاتب صحافي جزائري  |
| 2.4 مليون سنة من الوجود البشري في الجزائر… ماذا فعلنا بذلك التاريخ؟ Posted: 03 Dec 2018 01:04 PM PST منذ الخميس الماضي، يعيش الكثيرون في الجزائر، حالة غليان مشوب بفخر، بعدما نشرت مجلة «ساينس» الأمريكية نتائج أبحاث أثرية، تمت في منطقة عين بوشريط، شرق الجزائر، تُفيد باكتشاف أدوات حجرية، وعظام حيوانات، تعود إلى 2.4 مليون سنة. وكالعادة، الفضل في ما وصلت إليه الأبحاث يعود إلى مُساعدات من مختصين أجانب، فقد تعودنا، منذ سنين، أن لا نتكل كلية على الخبرة الجزائرية، التي لا تجد الرعاية الكافية، كما أن معاهد الآثار في الجامعات، صار الطلبة لا يصلون إليها سوى بالخطأ، أو اضطراراً بسبب عدم بلوغهم المستويات المؤهلة لتخصصات أخرى. كما أن الخبر ورد في مطبوعة أجنبية، ولم تقم وكالة الأنباء المحلية، سوى بإعادة نسخه، مع أن الحدث وقع في الجزائر، وليس خارجها. من حق الجزائري أن يفخر بوجود أجداد قدامى له، أن يزهو بالتقدم في تصنيف عالمي، بعدما مل من رؤية اسم بلده ـ غالباً ـ في ذيل ترتيبات أخرى، وأن مرور البشر على أرضه يجعل منها مهد الإنسانية ـ بحسب الأبحاث الأخيرة ـ ما يدحض النظرية السابقة، التي كانت تميل إلى أن شرق إفريقيا هو مهد الإنسان الأول. لكن هذا الأمر لا يعني انتصاراً بقدر ما يعني هزيمة، أن نمتلك تاريخاً قديماً، فهو أمر تظافرت عوامل طبيعية في تحققه، ولم نستفد منه قط، والسؤال الأهم الذي ينتصب أمامنا: ماذا فعلنا بهذا التاريخ؟ فأرض الجزائر، منذ القدم، كانت سريراً للغزاة وللعابرين، تداول عليها أجانب، بالنار والبارود، وفي لحظات نادرة فقط، كانت ملكاً لأصحابها. ثم ـ نظراً لتأخر هذه الأبحاث في الظهور ـ نستدرك أننا عاجزون، في ظل افتقاد الآلة وعدم فهم آليات البحث، فبعد 2.4 مليون سنة من وجود إنسان في الجزائر، نجد أنفسنا غير قادرين على امتلاك المعرفة، ولا على البحث في الأمر، لولا مساعدة أجانب لنا. منذ عقود طويلة، دخل العالم عهداً جديداً، بات يقف بينه وبين الطبيعة جدار: هو الآلة. انتهى العالم القديم، ومعه أساطيره المؤسسة، امحت الميثولوجيا والحكايات، وصار الإنسان لا يتقدم خطوة من دون الاستعانة بالآلة. ثم جاءت التكنولوجيا، وصارت الإنسانية لا تعيش من دونها. فهم الإنسان أن لا حيلة له في البقاء، سوى بالاتكاء على أحدث التكنولوجيات، التي قلبت نظرته للماضي، رتبت حدود التاريخ، ووسعت من إمكانيات التنبؤ بالمستقبل. لقد حصرت التكنولوجيا الماضي، وأزالت منه شوائب، ووسعت الرغبة في العيش، وفي تفادي ارتدادات الطبيعة. هذه التكنولوجيا غيرت علاقة الإنسان بالطبيعة، وفتحت له باباً لتخيل العيش الممكن في كواكب أخرى، ويمكن أن نؤرخ لهذا التغير، الذي لم ينته، منذ الثورة الصناعية في أوروبا، في القرن التاسع عشر. مع ما رافق العالم الحديث من تغيرات، نشعر بأن الجزائر تقف في الظل، على قارعة طريق، تتفرج، في صمت، من دون أن تتجرأ على الخطو للأمام، ومشاركة دول أخرى، انتصاراتها في الآلة وفي التكنولوجيا. بعدما كان الإنسان يجد نفسه مجرد قطرة في الكون، أو ريشة طائرة، صار يشعر الآن بأنه كل شيء في هذا الكون، ومع ذلك، لا تزال الجزائر تمتنع عن ركوب عربة التحديث، والانتقال إلى العالم الجديد. هذه العربة، التي بمجرد انطلاقها، لا تبدو مستعدة للتوقف، بل تواصل مُفاجأتنا وإثارة شغفنا، كل مرة، بابتكارات وصنائع تمهد لصعود هادئ للإنسان، وتحرره من قوانين الطبيعة والتغلب عليها. إن التغير، الذي أحدثته التكنولوجيا، في دول غربية، رافقه تحول مهم في حيوات تلك المجتمعات، التي امتلكت أيضاً «الآلة» الأنسب في تحقيق المساواة والعدل، في الداخل، بينما في الجزائر، يبدو أن تغييب التكنولوجيا أو غيابها له ما يبرره، بحكم أن المجتمع لا يزال يعيش وفق قوانين ماضوية، انتهت صلاحياتها من عقود. فالمجتمع الجزائري ينتظر أن تتحقق المثالية، أن تتجسد أحلامه، أن يجد، في الواقع، القيم، التي ينعم فيها آخرون، وفي ذلك الانتظار، تكون مجتمعات تكنولوجية أخرى، قد قطعت شوطاً في تحرير الإنسان. نحن نعيش في عالم، مهيأ لكل الأخطار، يقترب، في كل لحظة، من زلزال أو حرب أو انفجار ما، لكنه عالم ينفتح على التوقعات كلها، وعلى حرية الرجاء، وبقدر ما رافقه من تغيرات، في المجتمعات، سايره تغير مهم أيضأً في الفنون، التي صارت تخضع لمنطق التكنولوجيا. ولو أعدنا النظر بتأن في تاريخ الإنسان، فإن الحقبة الحاضرة هي أكثر الحقب تحولا، لم يسبق أن حصل، قبلاً، تغير مثلما يحصل الآن. فأين هي الجزائر من كل ما يحصل من حولها؟ إن ما وصلنا من نتائج أثرية، في الأيام الأخيرة، يعزز فرضية أن الجزائر كانت أول منطقة مأهولة بالبشر في التاريخ، رفعت من حمى الوطنية، والغيرة السلبية على الوطن، بعثت الشوفينية من مراقدها، وحرفت النقاش عن خطه الأصيل، فليس مهماً الآن أن نعرف منذ متى وصل أجدادنا، بقدر ما يهمنا ماذا فعلنا بكل ذلك التاريخ؟ فالجزائر التي تكون قد قطعت أشواطاً في الحضور الإنساني، على أرضها، لم تشارك، كما يجب، في الحضارة البشرية، ولا يبدو أنها مستعدة لفعل ذلك، في المستقبل القريب، إذن، ما هي فائدة أن يكون لنا تاريخ طويل، لم نفعل به شيئاً؟ *كاتب جزائري  |
| سلاح النفط Posted: 03 Dec 2018 01:03 PM PST يُخطئ من يعتقد أن العرب لا يستخدمون “سلاح النفط”، إنهم يستخدمونه فعلاً بمهارة عالية ويدركون أهميته وخطورته في العالم، لكن المشكلة أنه كباقي أسلحة العرب تُطلق إلى الخلف وليس بالاتجاه الصحيح، فهم يستخدمون النفط سلاحاً ضد أنفسهم ومصالحهم ويستخدمونه في السباق لإرضاء الولايات المتحدة والعالم الغربي. خلال الأسبوعين الماضيين نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدة تغريدات انتهت بأسعار النفط الى أن تهوي أكثر من 30% كخسائر إجمالية، فانخفض النفط من مستويات الـ80 دولارا إلى نحو 50 دولاراً، بينما ظل المنتجون العرب صامتون أمام تغريدات ترامب، وكان صمتهم يعني بالنسبة للأسواق أنهم يستجيبون فعلاً لأوامره بزيادة الإنتاج، على الرغم من ارتفاع المعروض، ما يعني أن الأسعار تواصل الانهيار. هبوط أسعار النفط بنسبة 30% يعني أن إيرادات المنتجين من هذه السلعة تتراجع بنحو الثلث، أي أن من يُنتج عشرة ملايين برميل يومياً تراجعت إيراداته بواقع 300 مليون دولار مع كل طلعة شمس، أي أن من ينتج عشرة ملايين برميل يومياً بات يخسر في الشهر الواحد نحو تسعة مليارات دولار. ولمن لا يعرف ماذا تعني التسعة مليارات دولار، فيمكن تبسيطها بالقول إن ميزانية الأردن كدولة بأكملها تبلغ 13 مليار دولار، وموازنة بلد مثل تونس تبلغ 12 مليار دولار سنوياً، أي أن خسارة شهر واحد لمنتج واحد من سلعة واحدة (وهو النفط) يمكن أن تنفق على بلد عربي بأكمله مثل الأردن أو تونس.. هذا فضلاً عن أن هذه المليارات يمكن أن تنقذ الصومال من المجاعة، وتنقذ اليمن من المرض وتنقذ الأردن من أزمته المالية.. ويمكن أيضاً أن تنفق على “جزر القمر”، وهي دولة عربية مسلمة – لأكثر من 10 سنوات مقبلة. يخسر العرب أموالهم وملياراتهم بسبب تغريدة على “تويتر” يكتبها ترامب قبل نومه، بينما لا يجرؤ أي منهم في اليوم التالي أن يعارضه أو ينفي ما جاء على لسانه ليعيد النفط الى مساره ويحافظ على أسعاره، بما يؤدي للحفاظ على إيرادات دولنا وشعوبنا، والسبب في ذلك أن خسارة المليارات بالنسبة لأي دولة عربية أصبح أهون من خسارة الرضا الأمريكي.. لا بل إنه أهون من خسارة رضا سيد البيت الأبيض الذي يعارضه الأمريكيون أنفسهم بينما لا يجرؤ عربي على معارضته. ولا نستبعد بطبيعة الحال أن ترفع بعض الدول العربية المنتجة للنفط أو كلها إنتاجها خلال الفترة المقبلة استجابة لأوامر ورغبات ترامب، من أجل الإبقاء على أسعار النفط منخفضة، بما يمكّن ترامب من تأمين الوقود لشعبه بأسعار منخفضة، أي بأسعار مدعومة بالأموال العربية الضائعة.. في الوقت الذي تلجأ فيه الدول العربية الى تعويض عجزها المالي وتراجع إيراداتها من جيوب فقرائها بفرض مزيد من الضرائب والرسوم عليهم. أصبحت المعادلة واضحة إذن، حيث يقوم المنتجون أنفسهم بتبني سياسات تؤدي إلى خفض الأسعار، بما يعني تراجع الإيرادات، ويعوضون هذا التراجع بفرض الضرائب على شعوبهم وتقليص الخدمات المقدمة لهذه الشعوب، وفي المقابل فإن المواطن الأمريكي ينعم بالوقود الرخيص المدعوم من حكومات عربية.. كل هذا في سبيل إرضاء ترامب وتمكينه من مغازلة الناخب الأمريكي. هكذا يستخدم العرب سلاح النفط.. إنه كغيره من الأسلحة التي يستخدمونها ضد شعوبهم لأنها لا تطلق رصاصها إلا إلى الخلف. ٭ كاتب فلسطيني  |
| «السترات الصفراء» في فرنسا تخطو خطوة جديدة Posted: 03 Dec 2018 01:02 PM PST تشهد فرنسا منذ أيام حراكا اجتماعيا نوعيا من أهم مميزاته خروجه عن الإطار السائد والمحدد، بغياب تأطير حزبي ونقابي يوجه المطالب وينظم المظاهرات، وللوجه الجديد الذي يحمله هذا الحراك دلالات. يكرس حراك «السترات الصفراء» أولا شخصية المواطن المتظاهر، الذي صار ينعتق أكثر فأكثر من أي إطار تنظيمي بغية التجرد من جملة المعايير التقليدية، التي رسمت ملامح التفكير الاجتماعي في مجتمعات الدول المتقدمة وعدد من الدول النامية. فما كانت لترفع مطالب اجتماعية إلى الآن حتى تنال «المباركة النقابية»، وأكثر من ذلك، حتى تدور في الكواليس الحوارات المعتادة بين زعماء النقابات والمسؤولين السياسيين – إن لم يكن الوزراء أنفسهم – للاتفاق مبدئيا ـ ومن دون علم من القاعدة – على حد أقصى من التنازلات، لا يمكن أن ينقلها حراك الشارع بأي حال من الأحوال إلى ما فوق السقف محل اتفاق المسؤولين. هذا الواقع، رواه مثلا رئيس وزراء عهد ساركوزي الأسبق فرانسوا فيون في كتاب «يمكن لفرنسا أن تتحمل الحقيقة» مبّرزا كيف أن علاقات تبدو متوترة في الظاهر بين الزعماء النقابيين والمسؤولين السياسيين، قد تخفي صلات لا تغيب عنها حفاوة تصل إلى درجة استخدام تاء المخاطبة (غير اللائقة في فرنسا عندما تتخذ المسافة الضرورية عند معرفة محدودة للشخص) بين الزعيم النقابي والوزير المعني. لكن في المشهد الذي نحن بصدده، القفزة إلى المجهول هي التي تسود. بينما أخط هذه السطور، أقرأ على شاشة قناة BFM TV الإخبارية الفرنسية: «جادة الشانزليزيه تتمترس». لعمري، لم يسبق أن قرأت عنوانا بارزا مماثلا ذات مرة. لقد دخلت فرنسا الآن سيناريو يمكن وصفه بالنفق المجهول ذي السيناريو المعتاد. مقومات السيناريو المعتاد نعرفها: حجز مستودعات الوقود وتداعيات العملية المباشرة على شبكة الإمدادات، عرقلة حركة المرور بامتياز مع قطع متقن للطرق، أما الخطوة المقبلة المجهولة فبعض معالمها الاقتصادية خاصة، قابلة للتحديد منذ اللحظة: إغلاق المتاجر والمحلات الكبرى وتبعات العملية المباشرة على معدل حجم الأعمال، دفع المستهلكين إلى التسوق عبر شبكات التواصل الاجتماعي، توجه السياح نحو إرجاء سفرهم إلى فرنسا.. فرنسا الحالية ماضية في تأزمها، لكن في الوقت نفسه لا يمكن إنكار أنه لا مخطط أسلوب الرئيس الفرنسي الجديد، ولا أسلوب عمله خارجان عن مستلزمات قيادة فرنسية رشيدة، والسبب ذكره الرئيس الفرنسي نفسه عندما خرق أصول التكتم عن السياسة الداخلية في زيارة له إلى الخارج، شرق أوروبا تحديدا، حين ألحق تصريحاته بإحدى الحقائق عسيرة الاستساغة عندنا، «الشعب الفرنسي، عند ذكر الإصلاحات، يحرن»، يحرن مثل الفرس. وعالم الإصلاحات عالم الكبوات لا محالة. وللكبوات هنا، اسماء تعد وتحصى: الظرفية الدولية، صعوبة التواصل، وفوق هذين استعصاء الذهنية الفرنسية على تقبل التغيير المجتمعي. *باحث وإعلامي فرنسي  |
| قضية خاشقجي تثقل كاهل السعودية Posted: 03 Dec 2018 01:02 PM PST |
| وصول اليمين المتطرف إلى الأندلس Posted: 03 Dec 2018 01:01 PM PST خلال الأربعين سنة الأخيرة، استطاع سياسي واحد من اليمين العنصري الوصول إلى البرلمان الوطني، أو المحافظات في إسبانيا، وهو بلاس بينيار سنة 1979، لكن في انتخابات الأحد التي جرت في محافظة الأندلس، وصل 12 نائبا دفعة واحدة، وهو ما يشكل زلزالا قويا سيلقي ظلاله على الهجرة والعلاقات مع المغرب. وكانت إسبانيا من البلدان الأوروبية القليلة التي لم تشهد وصول اليمين المتطرف العنصري إلى البرلمان، عكس دول أخرى مثل فرنسا وبلجيكا وهولندا والسويد، التي تقدم فيها اليمين القومي المتطرف، واقتحم برلمانات ويشارك في حكومات، وتشدد في التعامل مع الهجرة وساهم في ارتفاع الممارسات العنصرية. ويضم الحزب الشعبي المحافظ في إسبانيا في صفوفه عائلات سياسية مختلفة من اليمين المتطرف، ولا تأثير له، على المحافظين وانتهاء بالليبراليين. ورغم خطابه المتشدد في بعض الأحيان بشأن الهجرة، إلا أن الحزب الشعبي لعب دور السد المانع لانتعاش اليمين العنصري. وكان ظهور اليمين العنصري في إسبانيا مسألة وقت فقط بعدما وصلت الظاهرة إلى جنوب القارة في دول مثل إيطاليا وأساسا اليونان، وهو ما ترجم إلى واقع ملموس الأحد الماضي، بعدما حصل حزب فوكس العنصري على 11% من أصوات الناخبين وهو ما يعادل 12 مقعدا في الأندلس، بينما استطلاعات الرأي التي كانت كريمة معه منحته أربعة مقاعد في أقصى الحالات، لكن الناخب الأندلسي، فاجأ استطلاعات الرأي، فقد حصل فوكس في انتخابات 2015 في محافظة الأندلس على 18 ألف صوت بـ0.45% من الأصوات، وانتقل إلى 400 ألف صوت في انتخابات الأحد بـ11%. وقد انتعش هذا الحزب على حساب ظاهرة الهجرة السرية، خاصة قوارب الموت. وتوجد نسبة من الرأي العام الإسباني مهيئة لاحتضان الخطاب العنصري والتصويت على هيئات سياسية تدافع عما تعتبره تحصين الهوية الوطنية في مواجهة «الغزو المقبل من الجنوب». فقد استغل هذا الحزب ارتفاع الهجرة السرية إلى مستويات كبيرة خلال السنة الجارية، فقد وصل أكثر من 55 ألفا من المهاجرين إلى شواطئ الأندلس وأغلبهم مغاربة، ما خلق قلقا وسط الرأي العام المستعد لتقبل الخطابات المرعبة حول الظاهرة في الوقت الراهن، لاسيما بعدما تحولت الهجرة إلى المشجب الذي تعلق عليه هذه الحركات السياسية مشاكل المجتمع الأوروبي. وصول اليمين المتطرف إلى إسبانيا مشكلة حقيقية وتحمل انعكاسات مقلقة على العلاقات المغربية – الإسبانية. هذا الحزب لن يفوز في الانتخابات، ولكنه قد يوفر النصاب القانوني لحصول الحزب الشعبي على الحكم في الأندلس، وربما على المستوى الوطني إذا حقق نتائج كبيرة في الانتخابات الوطنية التي تبدو أنها ستكون قبل أوانها. وهذا يعني ضرورة تلبية الحكومة، سواء المحافظة أو الوطنية بعض طلبات هذا الحزب، التي تهم الهوية ومعالجة صارمة للهجرة. النتيجة التي حققها حزب فوكس تؤكد استعداد جزء من الرأي العام تقبل كل الخطابات العنصرية، وعندما يقع هذا في المحافظة الأقرب للمغرب جغرافيا، وهي الأندلس التي يفترض أن تكون حدودا/فضاء للحوار، يجب أن يكون مصدر قلق للمغرب وإسبانيا على حد سواء. العلاقات المغربية – الإسبانية مثخنة بجروح الماضي، وبالأحكام المسبقة التي نسجت صورا نمطية بين شعبي ضفتي مضيق جبل طارق. وبدأت هذه العلاقات تشهد طريقها نحو نوع من التوازن خلال العقد الأخير، ويعد اقتحام حزب يميني قومي متطرف ضربا لهذا التوازن وإحياء للأحكام المسبقة المقيتة وما يمكن أن يترتب عنها من استعادة أشباح الماضي. فقد أقدم هذا الحزب على إجراءات مقلقة خلال الأسبوع الماضي، قاد نواب متطرفون من البرلمان الأوروبي لزيارة الحدود الفاصلة بين المغرب ومليلية، والتأكيد على ضرورة تولي قوات عسكرية خاصة مواجهة الهجرة. في الوقت ذاته، طالب حزب فوكس بدفن رفات الجنرال فرانسيسكو فرانكو في مدينة مليلية المحتلة، مبررا طلبه بدفاع فرانكو عن هذه المدينة في وجه المغرب إبان حرب الريف في العشرينيات. أحدثت نتيجة انتخابات الأندلس رجة حقيقية وسط المهاجرين في الأندلس وإسبانيا، ومباشرة امتلأت شبكات التواصل الاجتماعي بضرورة التفكير في حزب يضم المهاجرين للدفاع عن حقوق هذه الجاليات التي تحولت إلى أقليات بسبب تهميشها السياسي في إسبانيا، رغم توفر الكثير من المهاجرين على الجنسية الإسبانية. وعكس الأحزاب السياسية الأوروبية في دول مثل فرنسا وهولندا وبلجيكا وبريطانيا، التي تدمج مواطنين من أصول مهاجرة وتشركهم حتى في الحكومات، لم ترق الأحزاب السياسية الإسبانية إلى هذا النوع من الممارسة والقرار بعد. وبالتالي سنكون أمام مواجهة سياسية أكثر من الحديث عن اندماج السياسي، إذا قرر المواطنون من أصول مهاجرة تأسيس حزب سياسي خاص بهم للدفاع عن حقوقهم في مواجهة العنصرية. لقد وصل حزب فوكس إلى الأندلس، وهو بهذا يخلف ردود فعل مقلقة، والمقلق، بل الخطير سيكون في حالة وصوله إلى برلماني المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية، لن يقتصر الأمر على استعادة الأحكام المسبقة، بل الفكر الاستعماري مثل إيزابيلا الكاثوليكية وكانوفاس ديل كاستيو إلى الجنرال فرانكو. وقتها لن تجد إسبانيا ترحيبا في الضفة الأخرى، بل ردود فعل حقيقية من طرف الرأي العام المغربي. *كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»  |
| فرصة… هناك «قط ميت» على المائدة Posted: 03 Dec 2018 01:00 PM PST يرتبك المشهد المصري بالكثير من التفاصيل التي يصعب حصرها، بداية من الإنجازات التي لا تأتي حقا، والوعود التي تتبخر قبل أن تنطلق في الأجواء غيرها من الوعود، ونهاية عام وبداية آخر بكل ما يحمله من تحديات وسط المزيد من المباني والمؤتمرات، وارتفاع الأسعار والديون التى لا تنتهي. وفي هذا السياق من الطبيعي أن يلجأ البعض إلى صرف الانتباه عن القضايا المحورية من خلال «القط الميت»، الذي ما أن يتم الإلقاء به على المائدة حتى ينصرف انتباه الجميع إليه، والأهم ينصرف الانتباه عن القضايا الأساسية. تمثل استراتيجية «القط الميت» بشكل أو آخر طريقة من طرق الإلهاء، وتؤكد أن تقديم قضية أو خبر بشكل درامي، أو بقدر كاف من الإثارة أو الصدمة من شأنه أن يلفت انتباه الجميع، بعيدا عن القضايا الأكثر إلحاحا. الأمر الذي عبر عنه المؤرخ والسياسي البريطاني بوريس جونسون في مقال منشور عام 2013، اعتبر فيه أنه بعيدا عن مشاعر الغضب والاشمئزاز الذي سوف ينتج عن إلقاء قط ميت على المائدة في غرفة الطعام، فإن التأثير المهم والمؤكد أن «كل فرد سوف يصرخ هناك قط ميت على المائدة، وهو ما يعني أن الجميع سوف يتحدث عن القط الميت، أو الشيء الذي ترغب في جعلهم يتحدثون عنه، ولن يتحدثوا عن القضايا التي تسبب الكثير من الألم. يقدم «القط الميت» نفسه بوصفه حالة يمكن من خلالها إنتاج الحدث الصادم أو الدرامي القادر على جذب انتباه الناس، أو توظيف حدث آخر هامشي وتحويله إلى قط ميت من الحجم الكبير القادر على إيقاف الحديث عن كل شيء آخر ونقطة محورية لابد أن يشارك فيها الجميع، اتفاقا أو اعتراضا، وفي هذا يتحقق الهدف النهائي، وهو فرض أجندة الاهتمام سلبا وإيجابا، أي بالحديث عما يراد الحديث عنه والابتعاد عما يراد تجاوزه. وخلال الأيام السابقة تم الإلقاء بقط ميت مازالت جهود تغذيته وتضخيمه مستمرة، ممثلا في ما يعرف بـ»أزمة الفستان» الذي ظهرت به الممثلة المصرية رانيا يوسف في ختام مهرجان القاهرة السينمائي، والذي أثار الكثير من الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي، والأخبار والصحف والقنوات المختلفة، لدرجة أن رجل الأعمال نجيب ساويرس سخر من التناول الضخم الذي شغل موقع تويتر من خلال تغريدة جاء فيها «صحوني لما فلسطين تبقى دولة، وترامب يتصالح مع الصين وكوريا الشمالية.. والأهلي يأخذ الدوري». وبعيدا عن كل النقاش الذي يمكن أن يطرحه الحدث في سياقه، وما يحمله من معان قيمية وأخلاقية، يبدو التناول شديد التكثيف للحدث متعمدا، وأقرب إلى التعامل معه بوصفه فرصة يجب اغتنامها بشكل تم التوسع فيه، من التناول الديني إلى الإخلاقي إلى الوطني والقانوني، الذي تعامل مع الفستان بوصفه إساءة لصورة مصر، وإضرارا متعمدا بكل الإنجازات التي تتحقق في مواجهة الإرهاب، بطريقة تتجاوز حدود الحدث والنقاش الممكن طرحه، إن كان من المفترض أن يطرح للنقاش مجتمعيا. المهم في استراتيجية «القط الميت» أنها ليست أحادية التأثير، ورغم قدرتها على تشتيت الانتباه كما تريد السلطة أو الجهة المعنية بتضخيم الحدث، أو صناعته، فإنها تساهم أيضا، وبشكل غير مقصود، في كشف التناقضات القائمة في المشهد. ورغم أن الأصوات التي تنتقد المشهد بتفاصيله تبدو قليلة، لكنها تظل مهمة في قراءة تلك التناقضات، وكيف يسهل للبعض تحريك البرلمان والإعلام والجماهير من أجل قضية مصطنعة أو مضخمة، في حين يتم تجاهل العديد من القضايا التي تتعلق بحياة المواطن وأمنه، ورفاه الوطن وتنميته، وحماية الثروات وحسن استثمارها، وحماية العدالة وتنفيذها عندما يتم تحويلها إلى فأر صغير في حفرة يصعب رؤيتها ويتم ردمها تحت العديد من حكايات القطط الميتة والحفلات والمؤتمرات وخطاب الإنجازات والحرب على الإرهاب. يصبح نوع واحد من العري أو الملابس التي تقدم في اللحظة بوصفها قطا ميتا يجب محاسبته على التواجد على المائدة هو مصدر الاهتمام، في حين يغيب الغضب المماثل عن عري آخر اجباري الطابع نراه بصور متعددة، سواء بشكل مادي أو معنوي بسبب الفقر وقلة الحيلة، عندما يبحث البعض عن الطعام وسط القمامة، أو مساحة للنوم على الرصيف، أو سرير في مستشفى ودواء للعلاج يصعب تأمينه، وغيرها من الضروريات للحفاظ على الحياة قبل أن نتحدث عن الحياة الكريمة. يتحول القط الميت إلى فرصة للكسب السهل أحيانا عندما يدخل البعض إلى ساحة المعركة باسم الدفاع عن الأخلاق والدين، كما حدث من قبل مع وزير العدل أحمد الزند، عندما أقيل بعيدا عن كل الأسباب التي كانت تبرر إقالته، وعندما تم إبعاد توفيق عكاشة عن البرلمان والإعلام، قبل أن يعود مرة أخرى. هناك جوانب سهلة للكسب عندما يتم تركيز الاهتمام في قضية ما على بعد أكثر تأثيرا على الجماهير، والدخول على المشهد من أجل الانتصار لتلك الجماهير الغاضبة التي لا يتم الاهتمام باحتياجاتها الضرورية في العادة. ضروريات تبدو في حاجة دائمة إلى إعادة تعريف خاصة بعد أن انقسمت التعليقات حول القرار الحكومي الصادر بمحاسبة أكثر من مئات السلع بناء على سعر الدولار السائد في سوق الصرف، بدلا من الاستيراد بسعر أقل للدولار كما كان يحدث، وبالتالي زيادة أسعار السلع التي اعتبرت من وجهة النظر الرسمية شكليات وسلعا غير ضرورية، واعتبرها البعض ضرورية خاصة، وأنها شملت سلعا مثل أجهزة الحاسب الآلي والثلاجات والأحذية والهواتف المحمولة والعديد من أصناف الأغذية. ورغم أن الخطاب الرسمي المعلن يبدو منطقيا من الناحية النظرية عندما يبرر رفع سعر الدولار الجمركي من أجل حماية الصناعة المحلية، مصحوبا بكل الحديث المكرر عن حماية محدودي الدخل، وخلق فرص العمل وغيرها من النقاط الإيجابية إن تحققت، إلا أن الواقع يبدو مختلفا والحديث عن تلك السلع بوصفها سلعا ترفيهية زاد من الانتقادات التي تساءلت عن معايير الحكومة في تعريف ما هو ضروري حقا، وإن كانت معايير الرشادة في التخفيف مما هو رفاهية يمتد إلى المشاريع التي يتم الإنفاق عليها في العاصمة الجديدة ومؤتمرات الشباب وغيرها، مع التساؤل عن مصير جهاز العلاج بالكفتة في مواجهة مبادرة الكشف عن فيروس «سي». بدوره انتقد عمرو الجوهري عضو البرلمان القرار لأنه يضر بالاستثمار، وفي حديثه الموجه لوزير المالية أشار إلى أن الحكومة «تناست أنها رفعت الضريبة الجمركية على هذه السلع من قبل لأكثر من 40% عام 2016، وكان الغرض أيضا حماية الصناعة الوطنية وزيادة الحصيلة الجمركية»، وهو ما يبدو تساؤلا مهما تعليقا على تصريحات وزير المالية، التي انتقد فيها الاعتراض بصورة عكسية بقوله «حرام أوفر فرص عمل للمصريين» مؤكدا على دور القرار في حماية الصناعات المحلية، وهي أمور يفترض أن تكون قابلة للقياس ومحاسبة نتاج زيادة الضرائب والأسعار السابقة على الصناعة المحلية وفرص العمل. وبالإضافة إلى تلك الأهداف التى تستخدم في التبرير ولا تتحقق في الواقع، فإن المواطن هو الذي يتحمل الثمن في المحصلة النهائية، خاصة مع ارتفاع محتمل للأسعار في تلك السلع يزيد عن 10% وزيادات أخرى تأتي دوما على الهامش للسلع المكملة أو المماثلة، مضافا إليه غياب آليات الضبط وارتفاع الأسعار بدون ضوابط، بما فيها الأسعار الرسمية التي ترتفع ولا تنخفض كما حدث مع أسعار الوقود، رغم انخفاض أسعار البترول عالميا. وفي السياق نفسه انتشرت بقوة قصة مصنع إدفينا للصناعات الغذائية في مدينة دمياط، وكيف تم إحياء العمل فيه بعد توقف لعقود من خلال إنتاج أول علبة تونة عام 2017، وكيف يتعرض المصنع إلى مواجهات من شأنها توقف العمل وبيعه، كما حدث مع مصانع وصناعات أخرى. هنا يبدو المشهد متناقضا، ويحتاج إلى الكثير من القطط الميتة من أجل تشتيت الانتباه عن الفقد الذي ندفع ثمنه في اللحظة والمستقبل، عبر الاعتماد على الاستيراد وبيع المصانع الحكومية وفقد فرص عمل وإنتاج محلي. الحدث الذي انتشر أولا على وسائل التواصل الاجتماعي ظهر في البرلمان من خلال مطالبة النائبة عن دمياط، إيفلين متي، بالتدخل العاجل من قبل رئيس الوزراء لحماية المصنع، مع المطالبة بعرض الحقائق الغائبة حول ما يحدث وأسباب التعتيم الذي يحيط بالحدث. يبدو الجدل عن فستان بشكل مكثف، أو قط ميت ضخم على المائدة مهما بالطبع، من أجل تشتيت الانتباه، ولكن يظل من المهم حماية البشر الأحياء وحماية الحقوق والوطن، وإدراك أن تصريح مثل «ضميري مرتاح» كما قال وزير المالية، والأحاديث المشابهة عن الثقة والضمير لا يعول عليها في عالم الحكم والسياسية، حيث تخضع القرارات لمعايير الرشادة وحسابات نفقة الفرصة البديلة، وحقوق الوطن وحياة المواطن. في الواقع المهم هو طبيعة القرارات وانعكاساتها، تلك التي يمكن المحاسبة عليها بعيدا عن سؤال الضمير وخارج القطط الميتة التي تشبه قنابل الغاز المسيل للدموع، حيث لا يرى أحد ما الذي كان على المائدة قبل الدموع ولكن الدموع تبقى والثمن المدفوع يستمر من قط ميت إلى آخر. *كاتبة مصرية  |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق