Translate

التوقيت العالمي

احوال الطقس

تحيه

islammemo

سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ

الْوَصِيَّةُ الثَّامِنَةُ وَالأَرْبَعُونَ « سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ » عَنْ شدَّادِ بنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِي لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ ، وَأَنَا عَلى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِ مَا صَنَعْتُ ، أَبْوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، وَأَبُوءُ بَذَنْبِي ، فَاغْفِرْ لِي ، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ » مَنْ قَالَهَا في النَّهَارِ مُوقِنَاً بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَومِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِي فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ » . 1- أَصْـبَحْنا وَأَصْـبَحَ المُـلْكُ لله وَالحَمدُ لله ، لا إلهَ إلاّ اللّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ المُـلكُ ولهُ الحَمْـد، وهُوَ على كلّ شَيءٍ قدير ، رَبِّ أسْـأَلُـكَ خَـيرَ ما في هـذا اليوم وَخَـيرَ ما بَعْـدَه ، وَأَعـوذُ بِكَ مِنْ شَـرِّ هـذا اليوم وَشَرِّ ما بَعْـدَه، رَبِّ أَعـوذُبِكَ مِنَ الْكَسَـلِ وَسـوءِ الْكِـبَر ، رَبِّ أَعـوذُبِكَ مِنْ عَـذابٍ في النّـارِ وَعَـذابٍ في القَـبْر. 2- اللّهُـمَّ بِكَ أَصْـبَحْنا وَبِكَ أَمْسَـينا ، وَبِكَ نَحْـيا وَبِكَ نَمـوتُ وَإِلَـيْكَ النِّـشور . 3- اللّهـمَّ أَنْتَ رَبِّـي لا إلهَ إلاّ أَنْتَ ، خَلَقْتَنـي وَأَنا عَبْـدُك ، وَأَنا عَلـى عَهْـدِكَ وَوَعْـدِكَ ما اسْتَـطَعْـت ، أَعـوذُبِكَ مِنْ شَـرِّ ما صَنَـعْت ، أَبـوءُ لَـكَ بِنِعْـمَتِـكَ عَلَـيَّ وَأَبـوءُ بِذَنْـبي فَاغْفـِرْ لي فَإِنَّـهُ لا يَغْـفِرُ الذُّنـوبَ إِلاّ أَنْتَ . 4- اللّهُـمَّ إِنِّـي أَصْبَـحْتُ أَُشْـهِدُك ، وَأُشْـهِدُ حَمَلَـةَ عَـرْشِـك ، وَمَلائِكَتِك ، وَجَمـيعَ خَلْـقِك ، أَنَّـكَ أَنْـتَ اللهُ لا إلهَ إلاّ أَنْـتَ وَحْـدَكَ لا شَريكَ لَـك ، وَأَنَّ ُ مُحَمّـداً عَبْـدُكَ وَرَسـولُـك .(أربع مرات ) 5- اللّهُـمَّ ما أَصْبَـَحَ بي مِـنْ نِعْـمَةٍ أَو بِأَحَـدٍ مِـنْ خَلْـقِك ، فَمِـنْكَ وَحْـدَكَ لا شريكَ لَـك ، فَلَـكَ الْحَمْـدُ وَلَـكَ الشُّكْـر . 6- اللّهُـمَّ عافِـني في بَدَنـي ، اللّهُـمَّ عافِـني في سَمْـعي ، اللّهُـمَّ عافِـني في بَصَـري ، لا إلهَ إلاّ أَنْـتَ . (ثلاثاً) اللّهُـمَّ إِنّـي أَعـوذُبِكَ مِنَ الْكُـفر ، وَالفَـقْر ، وَأَعـوذُبِكَ مِنْ عَذابِ القَـبْر ، لا إلهَ إلاّ أَنْـتَ . (ثلاثاً) 7- حَسْبِـيَ اللّهُ لا إلهَ إلاّ هُوَ عَلَـيهِ تَوَكَّـلتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظـيم . ( سبع مَرّات حينَ يصْبِح وَيمسي) 8- أَعـوذُبِكَلِمـاتِ اللّهِ التّـامّـاتِ مِنْ شَـرِّ ما خَلَـق . (ثلاثاً إِذا أمسى) 9- اللّهُـمَّ إِنِّـي أسْـأَلُـكَ العَـفْوَ وَالعـافِـيةَ في الدُّنْـيا وَالآخِـرَة ، اللّهُـمَّ إِنِّـي أسْـأَلُـكَ العَـفْوَ وَالعـافِـيةَ في ديني وَدُنْـيايَ وَأهْـلي وَمالـي ، اللّهُـمَّ اسْتُـرْ عـوْراتي وَآمِـنْ رَوْعاتـي ، اللّهُـمَّ احْفَظْـني مِن بَـينِ يَدَيَّ وَمِن خَلْفـي وَعَن يَمـيني وَعَن شِمـالي ، وَمِن فَوْقـي ، وَأَعـوذُ بِعَظَمَـتِكَ أَن أُغْـتالَ مِن تَحْتـي . 10- اللّهُـمَّ عالِـمَ الغَـيْبِ وَالشّـهادَةِ فاطِـرَ السّماواتِ وَالأرْضِ رَبَّ كـلِّ شَـيءٍ وَمَليـكَه ، أَشْهَـدُ أَنْ لا إِلـهَ إِلاّ أَنْت ، أَعـوذُ بِكَ مِن شَـرِّ نَفْسـي وَمِن شَـرِّ الشَّيْـطانِ وَشِـرْكِه ، وَأَنْ أَقْتَـرِفَ عَلـى نَفْسـي سوءاً أَوْ أَجُـرَّهُ إِلـى مُسْـلِم. 11- بِسـمِ اللهِ الذي لا يَضُـرُّ مَعَ اسمِـهِ شَيءٌ في الأرْضِ وَلا في السّمـاءِ وَهـوَ السّمـيعُ العَلـيم . (ثلاثاً) 12- رَضيـتُ بِاللهِ رَبَّـاً وَبِالإسْلامِ ديـناً وَبِمُحَـمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نَبِيّـاً . (ثلاثاً) 13- سُبْحـانَ اللهِ وَبِحَمْـدِهِ عَدَدَ خَلْـقِه ، وَرِضـا نَفْسِـه ، وَزِنَـةَ عَـرْشِـه ، وَمِـدادَ كَلِمـاتِـه . (ثلاثاً) 14- سُبْحـانَ اللهِ وَبِحَمْـدِهِ . (مائة مرة) 15- يا حَـيُّ يا قَيّـومُ بِـرَحْمَـتِكِ أَسْتَـغـيث ، أَصْلِـحْ لي شَـأْنـي كُلَّـه ، وَلا تَكِلـني إِلى نَفْـسي طَـرْفَةَ عَـين . 16- لا إلهَ إلاّ اللّهُ وحْـدَهُ لا شَـريكَ لهُ، لهُ المُـلْكُ ولهُ الحَمْـد، وهُوَ على كُلّ شَيءٍ قَدير . (مائة مرة) 17- أَصْبَـحْـنا وَأَصْبَـحْ المُـلكُ للهِ رَبِّ العـالَمـين ، اللّهُـمَّ إِنِّـي أسْـأَلُـكَ خَـيْرَ هـذا الـيَوْم ، فَـتْحَهُ ، وَنَصْـرَهُ ، وَنـورَهُ وَبَـرَكَتَـهُ ، وَهُـداهُ ، وَأَعـوذُ بِـكَ مِـنْ شَـرِّ ما فـيهِ وَشَـرِّ ما بَعْـدَه . أخرجه البخاري

موقع قراء القران الكريم

قناه الرحمه

نصرة النبي صلى الله عليه وسلم

الأربعاء، 5 ديسمبر 2018

Alquds Editorial

Alquds Editorial


«السترات الصفراء»: انتصار بطعم الطلاق من السياسة

Posted: 04 Dec 2018 01:15 PM PST

اعترف رئيس وزراء فرنسا إدوار فيليب بأن موجة الاحتجاجات، التي تجتاح الشارع الشعبي الفرنسي منذ أواسط الشهر الماضي، تعبر عن «غضب فرنسا التي تعمل بكدّ ومشقة». وأضاف، في كلمة متلفزة على الهواء مباشرة ظهر الأمس، أن هذا هو «غضب الفرنسيين الذين يجدون ظهورهم إلى الحائط»، وهو «غضب يضرب بجذوره في حال الانعدام العميق للعدالة». كذلك أعلن فيليب أن سلسلة القرارات الضريبية التي كان من المقرر تطبيقها أوائل العام، بما في ذلك ضريبة الكربون على المحروقات والفحص الفني للسيارات ورسوم الكهرباء والغاز، سوف تُعلّق لمدة ستة أشهر تجري خلالها مشاورات مع الهيئات الشعبية والبرلمان والأحزاب والإدارة المحلية والنقابات بهدف التوصل إلى الصيغة المُرضية لتطبيق برنامج الحكومة الإصلاحي في ميدان الطاقة.
ورغم أن هذا الاعتراف تأخر قرابة ثلاثة أسابيع، وكلّف فرنسا أربع ضحايا ومئات الجرحى في صفوف المتظاهرين ورجال الأمن ومئات الاعتقالات والإحالات إلى القضاء وتخريب المنشآت العامة والخاصة والمعالم التاريخية، إلا أن الإجراءات المؤقتة التي أعلن عنها رئيس الوزراء تستجيب لجزء من المطالب الشعبية وتفتح الطريق أمام حوار واسع وحلول قد تكون ناجعة وطويلة الأمد. لكن المأزق الأعمق سوف يظل أشبه بنار تحت الرماد، لأنه لا يقتصر على القطاع الضريبي ومسائل تلوث البيئة وأسعار الطاقة، ولا تنفرد به فرنسا وحدها دون سواها من المجتمعات الرأسمالية المعاصرة.
لقد أكدت حركة «السترات الصفراء» مستوى جديداً من الانفصال المتزايد بين حركات الاحتجاج الاجتماعية للطبقات الوسطى ومحدودة الدخل والفقيرة من جانب أول، والفئات الحاكمة والأحزاب السياسية والمؤسسات البيرقراطية من جانب ثان، إذ لم يتضح أن وراء «السترات الصفراء» أي حزب سياسي أو قائد بارز أو حتى نظرية إيديولوجية. ورغم كل محاولات الوصاية على الحركة وتجيير مطالبها واستغلالها من جانب القوى والأحزاب المناهضة لسياسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فإن الطلاق بينها وبين السياسة بصفة عامة ظل يترسخ يوماً بعد يوم.
وهذه ظاهرة لم تنبثق من العدم، بل هي متأصلة اجتماعياً كما أقر رئيس الوزراء الفرنسي، وهي ثمرة خيارات فلسفة الليبرالية الجديدة التي اعتمدها ماكرون منذ انتخابه، بل يمكن القول إن تطبيقاتها العملية تبلورت مع عزوف الناخب الفرنسي عن مرشحي أحزاب اليمين واليسار التقليدية خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، واتجاهه نحو اختيار مرشح «دخيل» على المؤسسة وخارج عن أعرافها ومدارسها، خاصة بعد أن وُضع الناخب أمام خيار شبه قسري: إما ماكرون، أو مارين لوبين مرشحة اليمين المتطرف.
بذلك فإن تراجع الحكومة الفرنسية المؤقت وتعليق تطبيق الإجراءات الضريبية وإعادة فتح الأبواب الأوسع أمام الحوار، هو انتصار يُنسب إلى «السترات الصفراء» أولاً، فلا أحد يستطيع اليوم الزعم بأن حركة الاحتجاج تنتمي إلى اليسار أو إلى اليمين، معتدلاً كان أم متشدداً، ولا أحد أيضاً يتجاسر على ادعاء أبوّتها. لكنه انتصار بطعم الطلاق من السياسة التقليدية، ومن مؤسساتها الحزبية والبرلمانية والنقابية، ولعل هذا هو الدرس العميق الذي يتوجب أن تتأمله الديمقراطيات الغربية المعاصرة ومؤسساتها، وأن تستخلص نتائجه بمنتهى الحذر والواقعية.

الوظيفة النفطية لمحميّة أمريكا السعودية

Posted: 04 Dec 2018 01:14 PM PST

إن علاقة المملكة السعودية بالولايات المتحدة الأمريكية علاقة حماية مصحوبة بالوصاية بما جعل المملكة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بمثابة دولة محميّة تابعة لواشنطن، حتى ولو لم تكن وصاية أمريكا عليها مكرّسة بصورة رسمية على شاكلة «محميّة عدن» التي خضعت للسيطرة البريطانية حتى عام 1967 أو «السودان الإنكليزي ـ المصري» حتى عام 1956.
ولا يُخفى على أحد أن تلك العلاقة قائمة على النفط، وقد تحكّمت الشركات الأمريكية بنفط المملكة منذ بدء استخراجه على نطاق واسع عشية الحرب العالمية الثانية وحتى تأميم القطاع النفطي في سبعينيات القرن المنصرم. هذا ولم يقض ذلك التأميم بتاتاً على تبعية المملكة لحاميها الأمريكي، بل إن جُلّ ما حصل تبدّلٌ في شروط استغلال الثروة النفطية بحيث زادت نسبة الريع النفطي التي تتقاضاها المملكة على حساب شركات النفط الأمريكية بدون أن تنقص فائدة المملكة العامة للولايات المتحدة ولا وصاية هذه الأخيرة عليها، لاسيما أن الثورة الإسلامية في إيران في آخر السبعينيات جاءت تعزّز ارتهان الرياض بحماية واشنطن.
أما وظيفة المملكة النفطية بالنسبة لواشنطن، فقد تشعّبت. وإذا صحّ أن أرباح الشركات الأمريكية من الاستغلال المباشر لنفط المملكة قد انخفضت بعد استكمال التأميم، يبقى أن انتفاع الدولة الحامية من ريع المملكة النفطي زاد مع زيادة هذا الريع الذي يذهب قسمٌ هام منه إلى الولايات المتحدة وبأشكال شتى، منها مشتريات المملكة من الأسلحة الأمريكية وإسهامها في تمويل نفقات الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط والعقود الضخمة التي تمنحها المملكة للشركات الأمريكية، لاسيما شركات المقاولة، وتوظيفها لرساميلها في الولايات المتحدة بما فيه شراؤها لسندات الخزينة الأمريكية، إلخ.

تجتمع منظمة الدول المصدّرة للنفط «أوبيك»، وهي تواجه انخفاضاً حاداً في الأسعار وحاجة ماسة إلى تقرير تخفيض للتصدير كي تعود الأسعار إلى مستوى مقبول، سوف تواجه المملكة مرة أخرى تناقضاً صارخاً بين مصلحة القوة الوصيّة عليها ومصلحة زميلاتها المصدّرة للنفط، بل ومصلحة اقتصادها هي بالذات

وثمة وظيفة نفطية مباشرة تؤدّيها المملكة في خدمة الهيمنة الأمريكية على كوكبنا، تتعلّق بحيازة الرياض على أكبر قدرة في التأثير على أسعار النفط العالمية نظراً لضخامة الاحتياطي النفطي لديها وكون المملكة أحد أهم مصدّري النفط في العالم وأثرى المصدّرين الكبار من حيث نسبة الدخل النفطي لعدد السكان، وكلّها معطيات تجعلها حائزة على درجة عالية من الليونة في تحمّل انخفاض سعر النفط بنتيجة زيادة تصديره، وبالعكس تحمّل تخفيض التصدير بغية رفع السعر.
هذه الوظيفة عظيمة الأهمية، يغفلها الذين يسترسلون في التعليق على عودة الإنتاج النفطي الأمريكي إلى الارتفاع في السنوات العشر الأخيرة بنتيجة تطوّر تكنولوجيا استخراج النفط الصخري، فيستنتجون أن المملكة لم تعد مهمة بالنسبة لأمريكا وكأن أهميتها قامت يوماً في المقام الأول على استيراد الولايات المتحدة لنفطها. أما الحقيقة فهي أن الولايات المتحدة كانت دائماً أقل ارتهاناً بنفط الخليج من منافساتها الاقتصادية و/أو السياسية: أوروبا الغربية واليابان والصين. وهذا بالتحديد عاملٌ رئيسي في أهمية المملكة الاستراتيجية بالنسبة لواشنطن، إذ أن إشراف أمريكا على تصدير النفط من قِبَل المملكة وزميلاتها الخليجيات، إنما يمنحها وسيلة ضغط أساسية على المنافسات المذكورة، سواء أكان الضغط اقتصادياً أم عسكرياً ـ استراتيجياً (في حالة الصين). هكذا فإن الارتفاع الكبير في أسعار النفط الذي نتج عن الحظر العربي أثناء حرب أكتوبر 1973 العربية ـ الإسرائيلية والذي ظنّه معظم الناس وكأنه تمرّد المملكة على حاميها الأمريكي، ذلك الارتفاع إنما عوّض عن خسارة الشركات النفطية الأمريكية الناجمة عن تأميم النفط وسمح بإعادة زيادة الإنتاج النفطي داخل الولايات المتحدة بالذات بعد أفول مزمن بسبب انخفاض الأسعار، الأمر الذي عزّز قدرة الاقتصاد الأمريكي التنافسية إزاء أوروبا واليابان. هذا وناهيكم من أن ازدياد ثروة الرياض عاد بمنفعة عظيمة على أمريكا من خلال تعزيز دور المحميّة السعودية السياسي في المنطقة العربية، لا بل وفي العالم أجمع.
وقد انكشف أمام أعيننا في السنوات الأخيرة فصلٌ في غاية الأهمية في تاريخ استخدام واشنطن لإشرافها على مستوى التصدير النفطي السعودي، قصدنا الفصل المتعلق بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران. فمن المعلوم أن الرياض لعبت دوراً حاسماً في التخفيض الحاد لأسعار النفط الذي حصل قبل أربعة أعوام، وقد فسّره معظم المعلّقين على أنه حربٌ سعودية على إنتاج النفط الصخري الأمريكي، وكأن المملكة غبيّة إلى حدّ جهل كون التكنولوجيا الصخرية في تقدّم سريع وأن لا جدوى من تأخير تقدّمها إن كان بإحداث انخفاض في الأسعار يُفترض أن غاية التأخير بالذات هي الحؤول دونه. هذا وناهيكم من سذاجة أي تصوّر يعتقد أن المملكة السعودية قادرة على التمرّد على القوة العظمى الوصيّة عليها.
أما الحقيقة فهي أن تسبّب المملكة في تخفيض الأسعار بدءاً من عام 2014 جاء يلبّي رغبة إدارة باراك أوباما في زيادة الضغط على إيران وخنقها اقتصادياً بحيث تقبل بالشروط الأمريكية في الملف النووي الذي كان التفاوض في شأنه جارياً. يُضاف إلى ذلك أن انخفاض سعر النفط جاء يحفّز الاقتصاد الأمريكي برمّته، حتى ولو تأثر به سلباً منتجو النفط الصخري الذين لا يشكّلون سوى قطاع ثانوي في اقتصاد البلاد. وقد أدركت طهران حقيقة الأمر تماماً إذ اتهمت الرياض آنذاك، بلسان رئيسها حسن روحاني، بشنّ «حرب نفطية» عليها.
والحال أن المملكة عادت إلى تخفيض تصديرها النفطي وبالتالي رفع أسعار النفط إثر إبرام واشنطن للاتفاق النووي مع طهران.
ويتضّح تماماً في ضوء ما ذكرنا سبب عودة المملكة إلى رفع تصديرها النفطي إثر نقض دونالد ترامب للاتفاق النووي مع طهران وعودته إلى تصعيد الضغط عليها. ومع إعادة فرضه للحظر على إيران وتصعيده، حرص ترامب على ألّا يؤدّي ذلك إلى التهاب الأسعار بما يؤثر سلباً على الاقتصاد الأمريكي الذي هو حجّة رئاسته الأقوى. فمنح كبار مستوردي النفط الإيراني أشهراً من التسامح كي لا تنجم هبّة في أسعار النفط عن انتقالهم السريع إلى مصادر بديلة، وأوعز إلى المحميّة السعودية في زيادة انتاجها وتصديرها بما أدّى بالعكس إلى انخفاض في الأسعار. وقد تباهى ترامب بأن هذا الانخفاض نعمة المحميّة على حاميها، بل استخدم تلك النعمة ذريعة لتبرير غضّه الطرف عن مسؤولية وليّ العهد السعودي في جريمة اغتيال جمال خاشقجي.
وإذ تجتمع منظمة الدول المصدّرة للنفط «أوبيك» يوم الخميس، وهي تواجه انخفاضاً حاداً في الأسعار وبالتالي حاجة ماسة إلى تقرير تخفيض للتصدير كي تعود الأسعار إلى مستوى مقبول، سوف تواجه المملكة مرة أخرى تناقضاً صارخاً بين مصلحة القوة الوصيّة عليها ومصلحة زميلاتها المصدّرة للنفط، بل ومصلحة اقتصادها هي بالذات.

كاتب وأكاديمي من لبنان

هذا هو اتحاد الصحافيين العرب!

Posted: 04 Dec 2018 01:13 PM PST

قلها لأي صحافي في هذا العالم فلن يصدقك. قل له إن الاجتماع الأخير للأمانة العامة لاتحاد الصحافيين العرب الذي عقد في دمشق قبل أكثر من أسبوع لم يذكر في بيانه الختامي كلمة واحدة عن جريمة القتل الوحشية للكاتب الصحافي السعودي جمال خاشقجي.. سيضحك ويرد بأنك لا شك تسخر ليس إلا… ومع ذلك فهذا هو الذي حدث بالضبط!!
عن طيب خاطر، يمكن التجاوز عن عقد الاجتماع في العاصمة السورية بدعوة من اتحاد الصحافيين السوريين، وعن طيب خاطر مبرمج كذلك يمكن التجاوز عن لقاء وفد الأمانة العامة للاتحاد بالرئيس بشار الأسد الذي أشاد بــ «دور الإعلام الفاعل والمؤثر في مواجهة التنظيمات الإرهابية» وتقديم مؤيد اللامي رئيس اتحاد الصحافيين العرب «التهنئة للرئيس الأسد بما حققه الشعب السوري من انتصار كبير على الإرهاب في مختلف المناطق» وافتخاره بأن «الصحافيين العرب واتحادهم كانوا حاسمين بمواقفهم لتعرية الإرهاب والإرهابيين».
لا فائدة في التوقف كثيرا عند ما سبق، رغم أنه يمكن قول الكثير الكثير بشأنه، و لنتوجه مباشرة للبيان الختامي الصادر عن اجتماع الأمانة العامة ففيه يمكن العثور على المواقف الرسمية المصاغة بكل عناية و التي تلزم الاتحاد أكثر من مجرد مكان عقد الاجتماع و من مجرد أن «العادة جرت أن تلتقي الأمانة العامة المسؤولين الرسميين في البلد المعني بطلب من نقابة نفس البلد» وفق ما ورد في بيان نقابة الصحافيين التونسيين في معرض الرد على الغضب الشديد لوجود نقيبها ناجي البغوري ضمن هذا الوفد في نفس الفترة التي كانت فيه النقابة تقود تحركا مثيرا للإعجاب ضد زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى تونس.
أول ما يثير الصدمة خلو هذا البيان بالكامل من أي إشارة من قريب من بعيد، صريحة أو ضمنية، جلية أو ملتوية، مُـدينة بقوة أو بفتور، إلى مقتل خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول. لم يجد كل هؤلاء السادة الحاضرين من الصحافيين في دمشق ما يستدعي مجرد كلمة وكأن ما حدث جريمة حق عام في حارة شعبية بإحدى المدن البعيدة، بل وكأن الذي مات ليس صحافيا عربيا مرموقا، وكأن كل الاتحادات الصحافية المحلية والدولية لم تتناوله بالمرة ولم تقم بتحركات احتجاجية بشأنه.

بيان الصحافيين التونسيين يدعو إلى «الانسحاب فورا» من اتحاد الصحافيين العرب «بصفته جسما تابعا لأنظمة راكمت عقودا من استهداف حرية الصحافة، وهو ما لم يعد منسجما مع الوضع العام في تونس والمكتسبات التي تحققت منذ ثورة 2011»؟

هذه القضية التي هزت العالم كله لم ير لها الاتحاد أهمية تستدعي إدراجها في بيانه الختامي، ولو في سياق جملة اعتراضية ملتوية، مع أن هذا البيان اعتبر أن «جوهر عمل الاتحاد هو حرية الإعلام وترسيخ مفاهيم التعددية» ومع أن الأمانة العامة اعتمدت تقرير «لجنة الحريات» فيها الذي استعرض «واقع حرية الاعلام والعقبات التي تعتريها وكذلك الانتهاكات التي يجب أن تتوقف ضد الصحافيين ورفض سياسة الاعتقال وتكميم الأفواه».
للمفارقة أن نفس البيان الختامي أدان «الفعل الشنيع» المتمثل في «اعتداء القوات الإسرائيلية على وفدي الاتحادين العربي والدولي للصحافيين على مدخل مدينة القدس عاصمة دولة فلسطين».. وهذا يعني أن هذا «الاعتداء» الذي قد يكون ضربا بأعقاب البنادق أو إهانات لفظية أو غيره هو «فعل شنيع» أما تقطيع صحافي عربي أو «تجزئته»، وفق تعبير الادعاء العام السعودي، فأمر عادي جدا لم يبلغ بعد مستوى جدارة الإشارة إليه في البيان الختامي!! ولا يعرف بعد ما إذا كان اسم خاشقجي ستدرجه اللجنة أم لا، تلك التي تم تشكيلها «لوضع قاعدة بيانات كاملة لتوثيق حلالات الشهداء والجرحى (من الصحافيين) وملاحقة المجرمين وعدم إفلاتهم من العقاب».
ليس هذا فقط، بل إنه من غير الوارد، على ما يبدو، إدراج أسماء الصحافيين السوريين والعرب والأجانب الذين قتلهم النظام السوري في السنوات الماضية ضمن قاعدة البيانات هذه. بدا ذلك واضحا مما ورد في البيان الختامي من أن الأمانة العامة لاتحاد الصحافيين العرب «استمعت لتقرير اتحاد الصحافيين السوريين عن «جرائم الإرهاب بحق المؤسسات الإعلامية والصحافيين السوريين والتي ذهب ضحيتها أكثر من خمسين شهيدا صحافيا وعشرات الجرحى» دون ذكر ما عداهم أبدا. لا شك أن عددا من الزملاء الصحافيين والمصورين والنشطاء الإعلاميين سقطوا بأيدي تنظيمات مسلحة مختلفة وكذلك إرهابية مختلفة في سوريا، وهذا مدان ومستنكر دون شك، ولكن النظر فقط إلى هؤلاء، دون غيرهم، يتضمن تبرئة مجانية للنظام السوري من مسؤولية قتل أو جرح أي صحافي وهذا مجاف تماما للحقيقة، وفق كل الاتحادات الصحافية الدولية، والاتحاد العربي عضو في بعضها، ومنظمات حقوق الانسان الكبرى.
أما «فاكهة» البيان الختامي فهي تلك الفقرة في خاتمته من أن الأمانة العامة «تحيي انتصارات الشعب السوري على الإرهاب وتبارك أجواء السلام والمحبة التي تسود سوريا».
بعد كل ما سبق، كيف لك ألا تتعاطف مع ما جاء من بيان أصدره عدد من الصحافيين التونسيين يدعو إلى «الانسحاب فورا» من اتحاد الصحافيين العرب «بصفته جسما تابعا لأنظمة راكمت عقودا من استهداف حرية الصحافة، وهو ما لم يعد منسجما مع الوضع العام في تونس والمكتسبات التي تحققت منذ ثورة 2011»؟

كاتب وإعلامي تونسي

السعودي يشكر الله على «الجوار الأردني»

Posted: 04 Dec 2018 01:11 PM PST

اختصر الفتى السعودي المسافة برمتها امام الكاميرا وهو يقترح ببساطة نقل المعدات والأجهزة الطبية الموجودة في مستشفيات القريات وتبوك إلى «الأردن الشقيق» مقابل علاج السعوديين بها.
سأل المذيع الفتى المتدفق: لماذا؟.
أجاب باختصار وحماس: «يا أخي واضعين اجهزة عنا وما يعرفون يشغلوها.. هاي تبغي عقول تشغلها..إحنا عنا أجهزة والحمد لله في الأردن عقول طبية تشخص وتساعدنا».
ختم الفتى مداخلته قائلا: «والله يا أخوي ينقلوها احسن إلنا ويستفيد منها الاخوان في الأردن ويساعدونا».
كان ذلك المشهد جزءا من برنامج تلفزيوني تناقله أردنيون وسعوديون بكثافة خلال الأسبوعين الماضيين عن «التراجع الطبي العلمي» في مناطق كثيرة في المملكة العربية السعودية والتقدم الطبي في بلد مجاور وفقير مثل الأردن.
أثارتني المفارقة كأردني بطبيعة الحال وأشعر بالفخر لأن شعبا شقيقا تمثله «أغنى دولة نفطية في العالم» يقر بالخبرات الأردنية والعقل الطبي الأردني ويصطاد تلك المفارقة حيث توجد أجهزة ومعدات بمليارات الدولار لكن لا توجد كفاءة سعودية تستطيع الاستفادة منها او تشغيلها.
لم يصدر ذلك عن الإعلام المناهض للعهد الجديد ولا عن الإعلام الممول الذي يستهدف الإصلاح في المملكة الشقيقة ولا عن تلك الشعوب التي تشعر بالغيرة الشديدة ولديها حقد طبقي لأنها ليست سعودية.
بل صدر عن سعوديين وعلى محطة سعودية يقولون إنهم يتحركون بسياراتهم مسافة 150 كيلومترا مربعا في حالة المرض للحصول على «خدمة طبية حقيقية» ويشكرون الله علنا على «نعمة الجوار الأردني» وهو ما لا تفعله قياداتهم بكل حال.
من تحدث بذلك مواطنون سعوديون وليس من تلك الشرائح التي تؤيد الرئيس السجين محمد مرسي أو تلك التي تعادي وتخاصم مشاريع «نهضة البحر الأحمر» أو تعارض قيادة المرأة السعودية للسيارة.
لا ينتمي هؤلاء للفكر التكفيري ولا لأعداء او خصوم المنطقة في إيران والخليج وتركيا والعالم وبالتأكيد هم ليسوا اعضاء في حزب التقدم والعدالة وأغلبهم من الفقراء المهمشين في مملكة خادم الحرمين الشريفين.

شعب شقيق تمثله «أغنى دولة نفطية في العالم» يقر بالخبرات الأردنية والعقل الطبي الأردني ويصطاد تلك المفارقة حيث توجد أجهزة ومعدات بمليارات الدولار لكن لا توجد كفاءة سعودية تستطيع الاستفادة منها او تشغيلها

هم مواطنون بسطاء قالوها بأكثر اللهجات بساطة.. «توجد معدات طبية لكن لا توجد عقول تشغلها».
المفارقة في الأردن توجد «عقول» لكن لا توجد أجهزة طبية بنفس الكفاءة.
بالنسبة للشقيق السعودي هنا حصريا نفهم الاصلاح والنمو والتغيير بمعنى التخلص من غرور الادارة والعمل على صناعة وتدريب عقول سعودية…هذه هي السعودة الحقيقية للوظائف وليس منافسة المراسلين والموظفين الإداريين ومطاردة العمال المساكين.
هنا حصريا أتفهم «السعودة» وأدعمها اذا كانت ستمنح الفتى المشار اليه حقه في الحصول على تشخيص طبي عميق لحالته في حال تعرضه لا سمح الله او اي سعودي لمرض.
شخصيا لا أصدق أن صاحب قرار سعودي يتحدث على الهواء مباشرة لامرأة إلكترونية «روبوت» ويمنحها الجنسية السعودية وهي مصنعة في الصين او الهند او اي مكان آخر في الوقت الذي لا يجد فيه مواطن في قرية عرعر معالج أشعة خبير في قسم غسيل الكلية او قسم الجراحة العامة بالرغم من الثراء الفاحش للأمراء والدولة خلافا للأردن الدولة الفقيرة التي تستطيع تصدير آلاف الخبراء الطبيين.
وحتى لا نواجه الاتهام المعلب بالاصطياد في المياه السعودية وعلى سيرة «العقول الطبية» الأردنية لابد من اعادة التذكير بالوجه الأردني لنفس المفارقة الطبية بامتياز.
جهة ما قررت قبل ثلاث سنوات وضع «قيود على تأشيرة» المرضى الذين يحضرون للمملكة الأردنية الهاشمية من اربعة بلدان تستفيد من العقول الطبية الأردنية وبدواعي محاربة الإرهاب والتركيز على البعد الأمني.
بقرار إداري صغير من هذا النوع طال المرضى من اليمن وليبيا والجزائر والسودان خسر القطاع الطبي الأردني مليارات الدولارات التي كان يمكن ان تساهم في رفد الخزينة وخفض عجزها بدلا من «اللت والعجن» بقصة الضريبة وشقيقاتها.
طبعا استفادت من المشهد المشافي التركية التي بدأت بإستقطاب الزبائن الذين كانوا يدفعون في الأردن مئات الملايين من الدولارات.
تابعت شخصيا هذا الملف وعشرات المرات وخلال الاعوام الثلاثة لم يتمكن نخبة من كبار الاطباء ولا مؤسساتهم التمثيلية ولا انا ولا الصحافة ولا حتى ثلاث حكومات متعاقبة من تحديد «تلك الجهة» التي اتخذت القرار الخاص بتلك التأشيرات.
المثير جدا والغريب ان جميع المسؤولين وفي كل المستويات الأمنية والسياسية ومن ذلك الوقت يعربون عن استيائهم من هذا القرار ويعتبرونه «خطأ فادحا».
ويطالبون بمراجعته ويشمل ذلك اصحاب القرار التنفيذي الاول في السلطات الثلاث وفي المستويات العابرة لها.
الأغرب بعمق هو ان القرار وحتى كتابة هذا الرأي «لم يتغير» بعد بالرغم من ان المستشفيات في القطاع الخاص «تدب الصوت» وخسرت مئات الملايين وحرمت الخزينة من العشرات.
وبالرغم من كل الكلام الانشائي عن «استعادة السياحة العلاجية».
لافت جدا بالنسبة لي ان يستنكر كل المسؤولين وفي ثلاث حكومات متعاقبة الخطأ المشار إليه دون ان يعرف القوم لماذا اتخذ القرار ومن الذي اتخذه؟..والأكثر حساسية دون اي اشارة من اي نوع تفيد بان صاحب القرار اليوم في الحكومة المصر على أن القرار خاطئ باتجاه تصويب القرار أو إلغاءه او مراجعته مع أنه لا يحتاج لأكثر من «جرة قلم».

إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

المغرب بين زمنين

Posted: 04 Dec 2018 01:03 PM PST

لا يسع المتتبع للشأن المغربي إلا أن يلاحظ أن تواتر أحداث اجتماعية وطريقة التعبير عنها، يشير إلى تحول مستتر في بنية الحقل الاجتماعي والسياسي، يحمل إرهاصات انصرام زمن وأزوف آخر، بقضاياه وبراديغماتياته. فكأنما هي تلك الحالة التي عبر عنها كرامشي عن ضمور القديم، بدون أن يتأتى للجديد الاستهلال، وخلال هذه الوضعية تعشش أوضاع هجينة.
من المؤشرات عميقة الدلالة، في فترة زمنية متلاحقة، ما نقلته وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة، مقطع صراخ مشجعي فريق الرجاء المغربي لكرة القدم، وهم يُعبّرون عن هموم الشباب المغربي، ويأسون لوقوعهم في براثن الانحراف وتعرضهم للبطش، ويأسهم من الطبقة السياسية، وهو المقطع الذي سرى سريان النار في الهشيم، أو النور في الظلام، في المغرب وخارجه. والحدث الثاني، هو خروج جماهير غفيرة بالدار البيضاء لما سماه المنظمون بمسيرة الأرض (تاوادا نْ واكال، بالأمازيغية، وهو اسمها الرسمي)، للتعبير عن مطالب ناتجة عن تضرر منطقة سوس من الرعي غير المنظم، ظاهريا، وفي العمق التنديد بتملك شخصيات نافذة لأراض وثروات كان تُستغل جماعيا من قِبل الجماعات، وتُدبر في إطار ما يسمى بالجماعة. مشكل التطاول على الملكية الجماعية واستغلالها لفائدة الخواص، لا يخص منطقة سوس، ويحيل إلى تفويت أراضي ومناجم والاستفادة من الموارد المائية والغابوية لفئات نافذة أو أصحاب رؤوس أموال أجنبية، بتواطؤ من الإدارة، بدون أن يتأتى لذوي الحقوق الاستفادة من خيرات توجد بأراضيها.
الحدثان يؤكدان عجز الهيئات الوسيطة عن الاضطلاع بدورها، وعن تحول الفضاء العمومي إلى الشارع، وتغيير أسلوب التعبير، مع توظيف وسائل التواصل الاجتماعي، ما يكسر احتكار الإعلام، ومن ثمة توجيه الرأي العام. والحدثان يعبران عن هموم جديدة، وهي المرتبطة بالشباب والعجز عن تأطيره، ومشاكل المغرب العميقة التي انتقل التعبير عنها إلى الحاضرة الكبرى الدار البيضاء. ومن المصادفات أن مؤسسة أكاديمية، وهي المعهد العالي للتجارة نظّم لقاء حول موضوع «ما الذي يريده المغاربة» مع ثلة من الفاعلين الجمعويين والمثقفين في الدار البيضاء. ورغم أن اللقاء كان نخبويا، باللغة الفرنسية، وغلب عليه حضور الطبقات المتوسطة العليا، فإن صدى اللقاء خرج من حاضرة الحي الراقي، الذي انتظم فيه اللقاء، إلى الفضاء العمومي الرحب، لأن اللقاء والنقاش الذي أعقبه تضمن بالتصريح أو التلميح أثر هذه التحولات العميقة التي تعتمل في الجسم السياسي والاجتماعي للمغرب.
ما يطبع الجسم السياسي المغربي هو فشل خطابات كانت سارية وفقدت بريقها، أمام واقع مغاير، وتعثر خيارات أجرتها النخبة التكنوقراطية. لم يعد خطاب الحركة الوطنية مؤثرا لفئات عريضة من المجتمع لم تعرف فترة الاستعمار إلا سماعا، ما ينعكس على التنظيمات السياسية المتفرعة عن الحركة الوطنية، أو تلك التي أريد لها أن تتصدى للحركة الوطنية. ويعرف الخطاب الإسلامي أزمة، أو ما سماه الباحث عبد الله بن هشام العلوي في مقال له في «لوموند دبلوماتيك» بفشل الطوباوية الإسلامية، بعد مشاركتها في الحكم، وإخفاقها في الاستجابة لتطلعات الجماهير، وسقوطها في التسويات وقبولها لما كانت تنتقده لمّا كانت في المعارضة، ما ينعكس على تلك التنظيمات ذات المرجعية الإسلامية ويؤثر سلبا على مصداقيتها وتأثيرها، وأخيرا فشل المقاربات التكنوقراطية التي كانت في الغالب صدى لمؤسسات مالية دولية، وتعليبها في إطار وطني. وعوض أن تقرأ تلك المقاربات الواقع، فرضت تصورات جاهزة على واقع معقد. وهو الأمر الجلي، سواء في ما سُمي بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أريد لها «محاربة الفقر» ولم تفلح، أو في التعليم، حيث تواترت الإصلاحات مع مسلسل متواصل من الإخفاق والانحدار.
والشيء اللافت كذلك هو تغير سُلم الأولويات، تتصدر القضايا الاجتماعية اهتمامات الفاعلين، سواء في حراك الريف، أو مدينة جرادة المنجمية، أو المقاطعة الاقتصادية لشركات معينة، أو أخيرا مسيرة الأرض المناهضة لاستغلال الأراضي الجماعية… كل هذا يفترض قراءة دقيقة لواقع جديد. سوء التشخيص لهذه القضايا وعدم معالجتها بنجاعة، قبل أن تستفحل، هو ما يجعلها تتحول إلى قضايا سياسية، كما حدث في الريف. ومن شأن قضايا ذات طبيعة اجتماعية، إن لم تُحسن قراءتها أن تتحول إلى قضايا سياسية مستعصية. قضية الأراضي الجماعية بسوس قضية اجتماعية صرف، ذات مضاعفات اقتصادية، لكن سعي بعض العناصر الإعلامية المؤتمِرة بالسلطة إلى توصيفها بالعنصرية، أو هلهلة السدى الاجتماعي، أو ما شابه ذلك من الأوصاف المجانية، لا يسهم في معالجة المشكل بقدر ما يسهم في تفاقمه.
وبقدر ما يطرح الخطاب الرسمي السؤال حول نموذج تنموي جديد، بقدر ما تطرح العناصر الحرة قضية التوزيع العادل للثروة، والميكانيزمات المفضية لذلك. لا يمكن فصل هذا عن تلك، فاستفحال الفقر هو ناتج بدرجة كبيرة عن الأوضاع الريعية والاحتكارية لأوليغارشيات أتت من عالم الأعمال، إما من وضع الريع أو الاحتكار أو جنحة المعرفة المسبقة أو كلها، وفُرضت على الحقل السياسي فرضا. فكيف يأتي بالحل من هو في الأصل جزء من المشكل؟ وكيف يزعم الإخلاص للصالح العام، من هو ضالع في مشاريع خاصة ضخمة؟ لم تتورع عدة فعاليات، منذ ارتدادات «الربيع العربي»، من التنديد من الجمع ما بين الثروة والسلطة، والحال أن المصالح الشخصية لهذه الأوليغارشيات قد تؤثر سلبا على واجباتها العامة، أو تفضي إلى ما يسمى بتضارب المصالح، مما لا يستقيم أخلاقيا، ويؤثر سلبا على السير العادي للمرفق العمومي ويشين للمنافسة الحرة الشريفة. في خضم هذه الدينامية غير المسبوقة تتوارى القضايا السياسية المرتبطة بتوزيع السلطات وتوازنها وتفعيل الدستور، إلى ما سوى ذلك.
بيد أن اللافت هو أن الوضعية الجديدة لم تفرز نخبة تستطيع أن تقدم البديل، ولا أن تبعث الأمل. وكيف يبعث الأمل من هو مسؤول عن الوضع الكابي المستشري؟

٭ كاتب مغربي

الطائرة السعودية غير مرحب بها

Posted: 04 Dec 2018 01:02 PM PST

الجانب الخفي والقاتم للعولمة

Posted: 04 Dec 2018 01:01 PM PST

يتبادر إلى الذهن كثير من المعاني الإيجابية حينما نسمع كلمة “العولمة” التي ارتبطت بتسهيل عمليات التواصل البشري والتطور التكنولوجي، الذي أدى للانتقال من زمن الخطابات التي تأخذ أياماً وأسابيع كي تصل إلى هدفها، هذا إن وصلت، إلى زمن الرسالة الآنية، التي تصل قبل أن يرتد إلينا طرفنا.
لا شك بأن العولمة وما ارتبط بها من انفتاح وسعت مدراكنا ومصادرنا للمعلومات بحيث لم تعد الشعوب رهينة للقنوات التلفزيونية المحلية المحدودة ولا الإعلام الموجه، بل صارت تملك خيارات لا تنتهي للحصول على المعلومة المنشودة، بدءاً بالقنوات العالمية التي تصل عابرة كل الحدود، ونهاية بجهاز الهاتف المحمول، الذي ينقل لك وأنت في مكانك كل ما تحتاجه وتبحث عنه من أفكار.
إلا أن هذا ليس الجانب الوحيد للعولمة، بل تظل هناك جوانب أخرى أقل ظهوراً، لعل أخطرها هو السؤال الفلسفي عن معنى عولمة العالم، أو تحول الكوكب لقرية صغيرة مترابطة لا يخفى فيها سر. كثيراً ما يحبذ نقاد العولمة الإشارة إلى انتشار النمط الأمريكي للوجبات السريعة، وهو مثال جيد للمخاطر التي تقودنا نحوها العولمة، التي نمضي إليها وكأننا تحت التخدير، فالجميع يعلم أن هذه الوجبات بقيمة صحية ضئيلة وأضرار غير خافية، لكنها في الوقت ذاته تتزايد وتتضاعف وتنتشر عبر كل الدول والقارات، بشكل لا يستثني إلا قليلاً جداً من المناطق حول العالم. لكن المسألة لا تتعلق فقط بمجرد أكلات ضارة أو وجبات سريعة قد تقود إلى المرض أو السمنة، أو بنمط غذاء خاص أصبح بشكل غريب مقبولاً عالمياً، بل هي تتعدى ذلك لما هو أكبر بكثير. في مثال النمط الغذائي يمكن القول إن تسمية العولمة هي تسمية مضللة بحد ذاتها، حيث لا يكمن الحديث هنا عن اتفاق عالمي أو توافق على نشر غذاء معين، بقدر ما يكون في حقيقته المجردة انتشاراً لثقافة غذائية تابعة لدولة مسيطرة على القرار الدولي (الولايات المتحدة).
حتى هنا لا يستدعي الأمر دق جرس الإنذار، فإذا كتب للنمط الغذائي الأمريكي النجاح والانتشار، رغم ما يتسبب به من أضرار صحية، فهذا أمر لا يضايق كثيراً، حيث يلعب المستهلك الذي يتوجب عليه التحكم في خياراته في هذا الدور الأكبر، لكن العولمة ليست مجرد انتشار إنترنت أو تنميط للثقافة الغذائية، بقدر ما أنها مجموعة من القيم التي يتم غرسها في كافة مناحي الحياة، باعتبارها قيماً عالمية. الحقيقة أن هذه القيم ليست سوى قيم غربية تبنتها بعض الدول الكبرى، ثم رأت وجوب استخدام قوتها الثقافية الناعمة جنباً إلى جنب مع قوتها السياسية والاقتصادية من أجل نشرها على أوسع نطاق ممكن. لكن هل سيبدو العالم بشكل أفضل، إذا تم إلغاء جميع الاختلافات الثقافية، وصارت جميع الشعوب تحمل الهوية ذاتها وطريقة العيش نفسها وأسلوب الحياة ذاته؟
قبل أن نجيب على هذا السؤال في ما يتعلق بالعالم، يمكننا أن نكتفي بتسليط الضوء على المثال الأوروبي، الذي تم التجريب فيه بنجاح أن تنتهي الحدود والفوارق، وأن يتم التوصل لحالة من التطابق السياسي والاقتصادي غير المسبوقة التي لم تصل إليها أي مجموعة من الدول، لاسيما في القارة الأوروبية، عبر التاريخ. اليوم تحاول المدن الأوروبية التاريخية جاهدة الحفاظ على هويتها الشخصية وعلى تراثها الخاص، لكن هذه المحاولات تبقى بجدوى قليلة جداً، فبالنسبة للزائر أو السائح العابر، فإن الاختلافات تظل ضئيلة بين العواصم الأوروبية، فمع بعض المعالم الشهيرة التي تعرف بها هذه المدينة أو تلك، تبقى الصورة الكاملة متطابقة لحد قول البعض إنه لم تعد هناك جدوى من زيارة أكثر من مدينة أوروبية، لأن زيارة مدينة واحدة أو بلد واحد يكفي، وسواء في هذا ما تعلق بمناطق التسوق أو المطاعم أو حتى وسائل الترفيه. يجب أن يظل التشكيك في “العولمة” محلاً للنقاش، وإن كنا قد بدأنا هذه التساؤلات اليوم، فقد سبقنا إليها الأوروبيون الذين شّكك كثير منهم، وما زالوا يشككون، في جدوى “الأورَبة” التي تسعى لإلغاء الهويات الوطنية في سبيل الانتقال لهوية قومية قارية جديدة. لماذا أصر البريطانيون على الخروج من الاتحاد الأوروبي رغم ما يوفره لهم هذا الاتحاد من مزايا سياسية واقتصادية؟ كانت الإجابة المطروحة هي مسألة اللاجئين وهي بلا شك أحد الأسباب التي يطرحها اليمين في كل البلاد الأوروبية. لكن الحديث عن مشكلة اللاجئين في بريطانيا يبدو مختلفاً، فهي ليست مثل إيطاليا مثلاً أو إسبانيا، أي أنها ليست الخيار الأقرب بشكل يجعل منها هدفاً لجموع اللاجئين أو المهاجرين. الواقع أن بريطانيا ظلت نائية بنفسها عن هذا الاتحاد، رغم صوتها القوي داخله، وما تمتاز به من ثقل. ظلت لندن محتفظة بجنيهها، رافضة ما يعرف بمجال “الشنغن” الذي يلغي الحدود بين الدول الأوروبية.
السبب الأكثر واقعية واقناعاً لمجموع الناخبين، لم يكن موضوع المهاجرين بقدر ما كان الخوف من ذوبان الهوية البريطانية، فكان إجراء الخروج من الاتحاد الأوروبي هو مجرد محاولة للحفاظ على الهوية، رغم أنه لا يعرف بعد ما إذا كانت هذه المحاولة قادرة فعلاً على النأي ببريطانيا عن تيارات “الأوربة” بشكل كامل، وإلى أي وقت. الحالة البريطانية مشابهة لحد كبير للحالة السويسرية، وإن كان وضع سويسرا يبدو أكثر تعقيداً بسبب موقعها الجغرافي، الذي لا يقع على حدود الاتحاد الأوروبي، بل في عمقه. كان غلق الحدود غير عملي من الناحية الإجرائية بالنسبة لدولة كسويسرا، لكن بالمقابل فقد كان السويسريون مصرين على الاحتفاظ بعملتهم الوطنية، الفرنك، ليس لفائدة التعامل به مقارنة بالعملة الموحدة، اليورو، ولكن لما يمثله من رمزية لثقافة خاصة. الدول المنضمة حديثاً للاتحاد الأوروبي وجدت نفسها هي أيضاً مقابل تساؤلات مهمة، فقد طلب منها قبول نمط الحياة الأوروبية بما يمثله من قيم انفتاح وقبول للآخر وحرية مطلقة، لكن هذه الدول كانت تعتبر أن لها خصوصية بحكم الموقع الجغرافي وبحكم التاريخ، وكانت لها بعض التحفظات على الطريقة الأوروبية في معالجة مسائل اللجوء مثلاً، إلا أنها تفاجأت بأن صوتها غير مسموع، وأن المطلوب منها هو تكييف أوضاعها، بما يجعلها مشابهة لغيرها من الدول الأوروبية، بغض النظر عما تراه من ظروف خاصة أو ثقافة مختلفة. طرح المثال الأوروبي مهم، فعملية “الأوربة” التي ظل الجميع يتحدث عن نجاحها، وعن كونها مثالاً يجب أن يحتذى، ليست سوى ابنة للعولمة التي تهدف أيضاً، وفي إطار أكبر لإلغاء الخصوصيات الثقافية والتنوع لحساب منطق واحد، ووجهة نظر معينة ليست محايدة بقدر ما أنها تابعة لطرف دون آخر.
صاحب القرار في العولمة لن يكتفي بفرض نموذجه الاقتصادي، بل سيضع لنا المعايير العالمية لجودة المنتجات وللنظم التعليمية، وسيمنحها تعريفاً جديداً للأسرة قد لا يكون مشابهاً لما اعتادت معظم شعوب العالم عليه، كما سيمنحنا تعريفاً جديداً للأنواع التي لم تعد تقتصر على الذكر والأنثى، محمياً بالكثير من القوانين الدولية، لن يكون من السهل رؤية هذا الجانب القاتم والمعتم، لاسيما وأنه يتستر بكثير من العبارات اللطيفة عن الحرية والحقوق والقيم العالمية.

*كاتب سوداني

وثائق صدام السرية في المزاد العلني

Posted: 04 Dec 2018 01:01 PM PST

عرض موقع “EBay” الشهير للتجارة الإلكترونية، وثائق يدعي من يريد بيعها إنها بخط يد الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، مكتوبة على ورق من النوع المستعمل في المخاطبات الرسمية، حمل شعار الجمهورية، ومطبوع أعلى كل ورقة رئاسة الجمهورية، الرئيس.
كل الوثائق كتبت بالحبر الأحمر، وهو أمر معتاد في المخاطبات الرسمية في العراق، باستثناء أمر واحد مكتوب بحبر أسود على ورقة بدون علامة رئاسة الجمهورية، لكنها حملت توقيع الرئيس. لم يتسن لجهة محايدة أن تدقق الوثائق لتعلن مدى دقة عائديتها، هل هي حقا للرئيس العراقي الأسبق أم لا؟ ربما كانت هنالك مجموعة قرائن جعلت بعض الشكوك تحوم حول مدى مصداقية هذه الوثائق، مثل عدم قدم الورق، تشابه نوع الحبر والخط، وكأن كل الوثائق كتبت في وقت واحد، مع أن التواريخ التي تحملها الوثائق تمتد لتغطي قرابة 11 عاما.
الموقع عرض الوثائق للبيع بأسعار تراوحت بين 2000 إلى 3000 دولار للوثيقة الواحدة. وظهور هذه الوثائق المنسوبة للرئيس صدام حسين الآن، رغم إعدامه في 30 ديسمبر/كانون الأول 2006، أي قبل 12 عاما يعني انه لم يزل شخصية سجالية ما تزال بحاجة إلى دراسة وفق منهجيات موضوعية وعلمية. ورغم أنه أصبح جزءا من التاريخ المعاصر للعراق، إلا أن الكثير من تداعيات ما نعيشه من أحداث ما يزال مرتبطا بسياسات فرضها وجود صدام حسين على العراق والمنطقة، خلال حقبة حكمه التي امتدت قرابة الربع قرن.
القراءة المتأنية للوثائق المنسوبة لصدام حسين، وفق تحليلات علم النفس للخطوط، تشير إلى أنه شخصية حادة، مفرطة الثقة بالنفس، ميالة للحسم وبغض النظر عما ستؤول إليه النتائج، إذ يمتاز شكل الحرف المكتوب بالأناقة والدقة، بدون وجود مؤشر على ارتجاف قد يوحي بالتردد أو حتى التأني. أما محتوى الوثائق فهو بشكل عام أوامر يوجهها الرئيس إلى عدد من الأشخاص من الدائرة المقربة له في يوم عمله العادي، مثل رئيس ديوان الرئاسة، أو سكرتيره الشخصي، أو مرافقه الأقدم، أو أوامر ورسائل وتوجيهات مرسلة إلى مدير مخابراته، أخيه غير الشقيق برزان التكريتي، علما أنه الوحيد الذي خاطبه بالاضافة إلى منصبه بتعبير “أخي برزان” في نوع من التبسط بالحديث معه. كما تشمل أوامر موجهة لعدد من الوزراء مثل، وزير الخارجية أو وزير الإعلام أو وزير التجارة، كما نلاحظ أن بعض الوثائق ابتدأت بكلمة عاجل، أو عاجل وعلى الفور.


تواريخ الوثائق التي انتشرت صورها على صفحات المواقع الإلكترونية ممتد من24 يونيو/حزيران 1979، أي قبل تسنم صدام حسين منصب الرئيس رسميا بحوالي شهر – وهو أمر وضع علامات استفهام على مصداقية هذه الوثائق – وصولا إلى عام 1990، إذ أن الكثير من الوثائق ناقشت أزمة احتلال الكويت وتداعياتها، لكن وبشكل عام يمكن أن نصنف المجموعة الأولى من الوثائق على أنها أوامر العطايا والمنح، التي تسلط الضوء على جانب مهم من شخصية صدام حسين، وهو الجانب الذي يظهر التصرف الديكتاتوري المفرط بالتعاطي مع شخصيات عراقية وعربية، في السلطة أو خارجها، يمنحها صدام حسين عطاياه لمجرد وجهة نظره في أمر ما، بدون الحاجة إلى مراجعة النظم والسياقات المتبعة، أو طلب موافقة مؤسسات رسمية مثل البرلمان أو مجلس قيادة الثورة على سبيل المثال. ففي المجموعة الأولى نطالع أمرا موجها إلى وزارتي الخارجية والتجارة حمل تاريخ 17 أبريل/نيسان 1988، نصه “تبلغ وزارتي الخارجية والتجارة بتقديم 144 سيارة نوع “كريسيدا” إلى الرئاسة المصرية كهدية من العراق لأخوته في مصر العربية… وبندقية ذهب للرئيس حسني”. كذلك الأمر الذي جاء غفلا من شعار الجمهورية ومكتب الرئيس، والذي أمر به في تاريخ 20 يناير/كانون الثاني 1981 بما يلي “تقدم للملك خالد بن عبد العزيز بندقية مذهبة، وقلادة ذهب رئاسية، ووسام الرافدين ‏المدني من الدرجة الأولى”. أما فيما يخص الشخصيات التي كانت خارج الخدمة أو السلك الوظيفي فنجد وثيقة حملت توقيع الرئيس بتاريخ 7 ديسمبر 1990 تنص على منح “سيارة مرسيدس للسيد عبد الرحمن عارف مع مكافأة مليوني دينار” في إشارة لتكريم رئيس العراق الاسبق عبد الرحمن عارف، الذي أطاح البعثيون حكمه بانقلاب 17 يوليو/تموز 1968، وقد عاش عبد الرحمن عارف منفيا خارج العرق منذ هذا التاريخ حتى السماح له بالعودة إلى العراق مطلع عام 1990. أما الوثيقة الاخرى المشابهة فهي التي نصت على “تمنح عائلة المرحوم شاذل طاقة سيارة ومليون دينار” في إشارة لتكريم عائلة وزير خارجية العراق الأسبق الشاعر شاذل طاقة.
وثائق حقبة الحرب العراقية الإيرانية كان لها حضور كبير ايضا، وقد طغى على هذه الوثائق سمة العنجهية في تعامل صدام حسين مع الاخرين داخليا وإقليميا، ربما نتيجة إحساسه بزهو ما تحققه المعارك الحربية حتى إن مرت بمراحل عصيبة، إذ نقرأ في وثيقة موجهة إلى وزير الخارجية بتاريخ 12 أبريل 1981 “تبلغ حكومتي قطر والبحرين بضرورة حل الازمة بينهما سلميا، ولا نسمح لقطر بإنزال قوات عسكرية في جزيرة (فشت الديبل) أو احتجاز موظفين وعمال ابرياء، وإبلاغ أمير البحرين عيسى بن سلمان وأمير قطر الشيخ خليفة من أن ذلك يؤثر سلبا على الموقف العسكري في حربنا ضد العدو الفارسي، ويمكن استغلال ذلك من العدو الايراني”. كما بينت وثيقة أخرى محاولة صدام حسين تملق المملكة العربية السعودية، لانها كانت الداعم الابرز له إبان حربه مع ايران. إذ ذكرت إحدى الوثائق أمر الرئيس بتاريخ 12 يونيو 1982 بأن “ترسل برقية تعزية، ويعلن الحداد لمدة سبعة ايام، وتنكس الأعلام فوق المباني الحكومية حدادا لوفاة المغفور له جلالة الملك خالد بن عبد العزيز، كما إننا سنحضر التشييع رسميا بعد ساعة”.‏
أما وثائق أزمة الكويت فإنها كثيرة ويبدو فيها سلوك صدام حسين متذبذبا بين التعنت والتذلل، في محاولة لإيجاد مخرج للازمة الخانقة التي مر بها، فقد خاطب وزير خارجيته بوثيقة طويلة نسبيا قبل الازمة بحوالي شهرين، ففي تاريخ 22 يونيو 1990 يقول في نهاية كلامه الموجه لوزير خارجيته “إن كل حملات الاعلام الامريكية ضد شخص صدام والعراق العظيم،، ومع كل تلك النكسات في العلاقات، ما زلنا نأمل بعلاقات قوية مع امريكا، لكن مع الحفاظ على كرامتنا وسيادتنا ولن نقبل بأقل من ذلك، أما من يعرض اقتصادنا للخطر وشعبنا للفقر، سوف لا يمكن التهاون معهم، وهذا مبدأنا في الحزب والثورة”. وتجدر الاشارة إلى أن هذه الوثيقة من الوثائق القليلة التي احتوت شطبا وتغيير كلمات، دلالة على التردد والقلق.
كما أبلغ الرئيس وزير خارجيته في وثيقة مؤرخة بتاريخ 29 يوليو 1990 أي قبل ثلاثة ايام فقط من احتلال الكويت بما نصه “يوضح للرأي العام أننا أردنا الحضور شخصيا للسعودية تلبية لدعوة جلالة الملك فهد، إلا أن الكويت رفضت حضور اميرها جابر لاجتماع جدة.. لذا قررنا عدم الحضور وإرسال السيد النائب”. وفي وثيقة اخرى حملت التاريخ نفسه ووجهت لوزير الخارجية ايضا، يطلب صدام حسين منه “تبلغ كل سفاراتنا وممثلياتنا في الخارج أن الكويت لم توافق على إرسال وفد إلى جدة إلا بعد ضغط من ‏الرئيس المصري حسني مبارك والأمير عبد الله بطلب من جلالة الملك فهد، ما يؤكد لنا تعنت وصلافة ‏حكومة الكويت وقارونها جابر”.
وما أن تندلع الأزمة ويحتل صدام حسين الكويت حتى يبدأ التصاعد في حدة التوجيهات التي يصدرها الرئيس، ففي وثيقة يطلب فيها صدام من رئيس الديوان بتاريخ 17 أكتوبر/تشرين الأول 1990 “‏تسحب كل الأوسمة والأنواط من حكام الخليج، عدا جلالة السلطان قابوس، حيث لا يشرفنا أن ‏تتزين صدور الحكام وهم عملاء صغار للأجنبي”. يمكننا أن نقرأ في هذه الوثائق، رغم سمتها الرسمية جانبا من شخصية صدام حسين، فهو الحاكم المتفرد برأيه، وهو الآمر الناهي في القضايا صغيرها وكبيرها، غير الواثق بمساعديه ومستشاريه. تجده عندما يكون مزاجه رائقا يغدق المنح والهدايا على من حوله، لكنه عندما يغضب يأمر بسحب ما منحه، يشكل اللجان التحقيقية بجرة قلم، وقد تكون نتيجتها موت انسان ما، لكنه قد يمنح الحرية لمذنب لسبب لا يمكن أن يناقشه فيه أحد. هذه الوثائق وغيرها ربما عشرات الالاف من اوراق الرئيس ما تزال تنتظر من يقوم بدراستها ليخرج بتوصيف علمي يشرح لنا فيه حقبة إشكالية من تاريخنا المعاصر.

*كاتب عراقي

خلافات المغرب والجزائر: هل تحل فقط وراء البحار؟

Posted: 04 Dec 2018 01:00 PM PST

عندما تجتمع الوفود المغربية والصحراوية والجزائرية والموريتانية، كما هو مفترض اليوم الاربعاء، تحت سقف قاعة واحدة في جنيف، تلبية للدعوة التي وجهها لهم مبعوث الامين العام للامم المتحدة هورست كولر في اغسطس/آب الماضي، لحضور «مائدة مستديرة أولية من أجل تبادل وجهات النظر حول آخر تطورات القضية (الصحراوية) والمسار السياسي الذي يجري تحت الرعاية الحصرية للأمم المتحدة، وبحث الأبعاد الإقليمية للنزاع»، فان احتمالات حدوث مفاجأة مدوية يخرج بعدها الحاضرون في نهاية اليومين اللذين سيستغرقهما الجلوس إلى تلك الطاولة بـ»حل سياسي وواقعي ودائم وعلى أساس التوافق» للمعضلة المطروحة عليهم، وفقا لما نص عليه قرار مجلس الأمن الدولي الاخير ستكون ضئيلة جدا، بل ربما منعدمة تماما.
والسبب كما يعلمه الجميع، وفي مقدمتهم صاحب الدعوة نفسه، هو أن وجهات نظر المعنيين حول تلك المسألة الشائكة بالذات تبدو على طرفي نقيض، بشكل لن يكون من السهل معه الوصول لتحصيل الحد الأدنى من التوافقات المطلوبة في وقت وجيز. ففيما تتمسك الرباط بالحل الوحيد الممكن الآن، وهو ان تمنح الصحراء حكما ذاتيا في إطار الوحدة الترابية للمملكة، لا ترى الجزائر بالمقابل بدا من منح الصحراويين حق تقرير مصيرهم، في استفتاء دولي حر ومباشر، لأن المشكل يتعلق بنظرها بتصفية «آخر جيوب المستعمرات الافريقية». لكن ذلك لا يعني أن تقريب وجهات النظر سيكون أشبه بالحرث في البحر، أو أن جمع الدولتين الجارتين المغاربيتين الكبيرتين، المغرب والجزائر، إلى طاولة مستديرة في هذا الظرف بالتحديد، حتى لو كان ذلك في جنيف، وليس في عاصمة مغاربية أو عربية قريبة، لن يكون بالامر المفيد لهما ولباقي جيرانهما بالمثل. فهو سيخفف ولو نسبيا من حالة التوتر الصامت بين بلدين يقفان منذ عقود فوق جبال من الخلافات التي تبدو حادة وعميقة حينا، وتلوح عابرة ومحدودة حينا آخر، ويواصلان مع ذلك رغم ادراكهما لما تلحقه بهما من أضرار فادحة، وما تسببه من شلل تام لأي مسعى للتقارب الحقيقي بينهما، وتعطيل لعجلة الاتحاد المغاربي المنشود في صنع مشهد سريالي لا يخلو من تناقضات مرة. فهما دولتان شقيقتان قريبتان، وعدوتان لدودتان في الوقت نفسه تتبادلان تمثيلا دبلوماسيا عاديا، وتعيشان مع ذلك حالة من البرود والقطيعة الصامتة، جعلتهما تقفان اكثر من مرة على شفا حرب طاحنة.
ولعل حفاظهما على شعرة معاوية وتجنبهما الانجرار وراء تلك الحرب هو الإنجاز الوحيد الذي استطاعا تحقيقه حتى الآن، ويمكن أن يحسب كنجاح باهر لهما. ولكن أليس بالامكان أن نأمل في اكثر وأبعد من ذلك؟ لقد رأينا مثلا وفي عز حالة البرود والجفاء بين العاصمتين، التي اعقبت تصريحات لوزير الخارجية الجزائري، أواخر العام الماضي، التي اتهم فيها المغرب بتبييض أموال الحشيش، مصافحة حارة بين الملك المغربي ورئيس وزراء الجزائر في قمة أوروبا وإفريقيا بساحل العاج، ما أنعش الآمال بذوبان وشيك للجليد وعودة قريبة للعلاقات الطبيعية بينهما، لكن كل شيء توقف فجأة بعدها لينقسم بعض الساسة والنخب الجزائرية إلى معسكرين، احدهما مؤيد لتلك الحركة التي بادر إليها المسؤول الجزائري نحو العاهل المغربي، تحت انظار الرئيس الفرنسي ماكرون، والآخر مستنكر لها على اعتبار انها تعكس نوعا من الضعف والرضوخ غير المقبول للجار المغرب على حد تقييمه، ولم ينظر إلى الجانب المقابل لتلك المصافحة، على انها فرصة بالإمكان أن يبنى عليها، وان تستثمر في تحريك المياه الراكدة بين الجارين قبل أن يتحول الامر إلى قوس قصير أغلق. وحتى عندما أخذ الجزائريون موقفا مبدئيا لصالح دعم ملف ترشح المغرب لتنظيم كأس العالم في كرة القدم، مقابل الملف الامريكي لم يتجاوز الامر الإعراب عن الشكر والإشادة والتقدير من جانب الرباط لذلك الموقف، بدون أن تتطور الامور لما هو أبعد من ذلك ويقع البناء على تلك الاشارة الرمزية لإعادة تصحيح العلاقات بين البلدين وإزالة ولو بعض مما علق بها من شوائب وتشوهات كثيرة.
ولعل تبادل الرسائل الودية بين الجانبين في معظم المناسبات الوطنية التي تخص البلدين هو العلامة الوحيدة التي بقيت تدل على أن الجسد الرسمي مازال ينبض بالرغبة في تسوية الخلافات وطي صفحتها، لكن بدون أن يشعر لا المغاربة ولا الجزائريون بأي أثر فعلي لذلك النبض على حياتهم. فلم تعد برقيات كتلك التي وجهها الرئيس الجزائري الصيف الماضي لنظيره المغربي بمناسبة ذكرى «ثورة الملك والشعب» وعبّر فيها عن «تجديد حرصه أي الرئيس الثابت على مواصلة العمل معه» أي العاهل المغربي على»توطيد أواصر الاخوة والتضامن وحسن الجوار»، أو تلك التي أرسلها الملك محمد السادس للرئيس بوتفليقة بمناسبة ذكرى اندلاع الثورة الجزائرية، وأكد فيها حرصه على «مواصلة العمل معه « من أجل الارتقاء بعلاقات التعاون بين المغرب والجزائر إلى مستوى الاواصر المتينة، التي تربط بين الشعبين الشقيقين» تعني الكثير في زمن مازالت فيه الحدود بين الدولتين مغلقة منذ اكثر من عقدين، وما زال فيه مجرد جلوس قادة البلدين تحت سقف قاعة واحدة للتباحث في كل القضايا العالقة بينهما، حلما وطموحا صعب المنال. ولاشك بأن تشعب الخلافات وتعمقها، ثم الرواسب التي تراكمت على مدى السنوات الاخيرة تجعل الأمل في تحقيق انفراج قريب في العلاقات المغربية الجزائرية ضعيفا، ولكن أليس المشكل بين الجانبين نفسيا قبل أن يكون سياسيا أو أمنيا؟ ألا يعاني المسؤولون المغاربة والجزائريون معا من ضعف فادح في منسوب ثقة احدهما بالاخر، ما يجعل حالة التوجس والخوف المتبادل من بعضهما بعضا تتغلب بالاخير على كل نوايا التقارب والصلح؟
من الواضح جدا أن مقدار الشك والارتياب الذي تقابل به أي خطوة أو بادرة ولو محدودة يقدم عليها أحدهما تجاه الاخر، يعكس والى حد كبير حقيقة ذلك المشكل المزمن، ويدل بوضوح على انهما بحاجة ملحة لنوع من التطمينات والضمانات القوية، قبل التفكير في أي اتفاق أو تسوية مقبلة قد تحصل بينهما.
فهل يعني ذلك انه لن يكون هناك مفر اذن من أن يحصل نوع من الضغط خارجي على الطرفين معا حتى يقبلا شكلا من اشكال التسوية؟ وإن لم يكن مصدر ذلك الضغط فرنسيا أو امريكيا بالاساس، فهل من الواقعي أو حتى من الممكن أن يكون عربيا ومغاربيا؟
لقد عرض وزير خارجية تونس قبل ايام على البلدين مقترحا برعاية اجتماع ثنائي مغلق في بلاده بعيد عن الاضواء. ولكن من باستطاعته أن يتصور انه سيكون بمقدور تونس وحدها، في حال ما اذا قبل الطرفان بمقترحها أن تحقق ما عجز عنه الفرنسيون والامريكان وغيرهم؟ ربما سيكون مجرد اقناع المغاربة والجزائريين بالاجتماع حول طاولة مستديرة اخرى لا وراء البحار، بل على ارض مغاربية هذه المرة انجازا تونسيا عظيما. يبقى هل سيكون ذلك مفتاحا لحل الخلافات العميقة؟ أم فقط لتبادل المصافحات؟ هذا ما لن يقدر على الجواب عنه إلا أصحاب الشأن انفسهم.

* كاتب وصحافي من تونس

آفة المقاومة بين الغرور والأنانية

Posted: 04 Dec 2018 12:38 PM PST

ليس هناك أخطرُ على الإنسان من آفة العُجْب، سواءٌ كان فردًا أو مجتمعًا، أو أُمّة أو دولة، أن يُعْجَبَ الإنسان بنفسه أو يُعْجَبَ بإنجازه وأدائه؛ لأن الذي يعجب بما وصل إليه قلّما يسعى لتحسين شروط أدائه، وغالبًا ما يصاب بداء الغرور، الغرور الذي يُضَخِّم «الأنا» و«الذات»، فلا يستطيع رؤية غيرها. وكما سبق أن قالوا: «آفةُ العُجْبِ الغُرورُ».

تجيير الإنجازات

فالمقاومة اللبنانية قد أثارت دهشة الكثيرين، ونالت إعجاب الشارع العربي والإسلامي، والشارع المظلوم في طول العالَم وعرضه. وصل الإعجاب إلى درجةِ أنّ بعضَ هذه الجماعات التي تسلَّحت منذ تأسيسها بحناجر الهتاف الصاخب، وحركة «خلفًا در»، تحاول تجيير هذا الإنجاز الذي حققته المقاومة اللبنانية لنفسها، فهي لم تنقل في سبيله خطوة واحدة، ولا بذلت حبة عرق من جهد، وما قدمت غير بضاعتها التي تعودت عليها من الهتاف والصراخ..! وأخشى ما يخشاه الحريص أن ينتقل هذا العُجْبُ والفتنة به إلى قواعد المقاومة وإلى قياداتها، فتفقد همتها عن تحسين أدائها والاستزادة الدائمة لقوتها وقدرتها. وهذا العُجب لطالما أفرز الغرور القاتل الذي يؤدي إلى:
– العجب بقوته، فلا يعمل على مضاعفتها، ثم يدبُّ الفساد في الكيان الداخلي.
– استصغار دور الحليف والمتعاطف، فَتُخْلَقُ فجوةٌ في اللُّحمة الوطنية والإنسانية، تأخذ بالاتساع حتى تستيقظ المقاومة صباح يوم لتجد نفسها معزولةً عن بُعْدِها الاجتماعي والإنساني الداعم والحاضن لها، وبيانُ ذلك: المبالغةُ في المديح والثناء المستمر والمتكرر للنفس والذات، بما يتجاوز المقبول. ومن جهة أخرى تعمُّد الذات وإعلامها على المبالغة من التهوين من دور ومن قيمة الخصم وقدرته، وإعطاء الانطباع كما لو كان الخصم قد هُزِمَ وانتهى أمرُهُ.. وكذلك الحديث المنفلت الذي لا يميّز بين معركة أو واقعة في مسلسل الصراع وبين الحرب والصراع ذاته.. فيتصور هزيمة العدو في معركة أو واقعة وكأنه خسر الحرب وخرج من الصراع.. والمفاجأة تكون عندما يستعيد هذا الخصم قدرته وينظم صفوفه ويبدأ حربه من جديد بهمة مضاعفة.. بينما يكون خصمه قد ركن إلى أحلام انتصاراته.. ولم يستعدّ ولم يطوّرْ من قدراته أو يحسّنْ من شروطه.
– ليس هناك مِن كبير فائدة مِن تَكرار حادثة أو واقعة بالصورة والصوت مراتٍ كثيرةً مُبالغًا فيها. بل ينبغي للإعلام من استحداث برامجَ تُكثِر من تقييم الإنجاز وتحليله ونقده، وتكثر الحديث عن المستقبل وعن الأمل والطموحات، وكذلك نقد أطروحات العدو وتعريتها ونقد أسسه ومبادئه الفكرية وقيمه الأخلاقية وممارساته السلبية، فإن ذلك بقدْر ما يقوّي عزيمة الصديق والحليف وتلاحُمَهُما مع المقاومة، بقدر ما يفتّ من عَضُدِ الخصم ويقلّل من حلفائه. وسوف أسوق أمثلة من التاريخ ومن الحاضر:

واقعة بدر

1- في واقعة بدر خاض المسلمون الحرب وهم أقلُّ من ثلث جيش المشركين، ولكن خاضوها بروح مقاومة الظلم والاضطهاد، مقاومة مَن أخرجوهم من ديارهم. فكانت نفوس المسلمين متحفزة تنتظر ساعة الانطلاق. وكانت الواقعة خالصةً وصادقة في سبيل الله، وكان فيها الرأيُ والمشورةُ، حتى جاء أحد الصحابة يسأل رسول الله –ص- عن مكان المعركة: «أهذا منزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللهُ فلا نَحيدُ عنه أم هي الحرب والمشورة والخديعة؟»، فيقول الرسول –ص- بل هو ما ذكرتَ.. فقال الصحابيّ: «إذًا، هذا ليس بموقف ولا رأي، بل ننزل في مكانِ كذا وكذا، فنشرب ولا يشربون، ونقاتل وظهورُنا إلى الجبل». فينزل الرسول –ص- ويأخذ بتلك المشورة.
2- وبعد ذلك بعام حشدت قريشٌ لحرب المسلمين كُلَّ قوتها وشحنت نفسيّة المقاتلين بروح الثأر والانتقام لقتلاهم يومَ بدر.. بينما موقف المسلمين بدأ بموقفين، موقف الرسول –ص- وبعض المسلمين الذين رأوا أن يدافع المسلمون داخل المدينة، بينما رأى آخرون خاصّةً مَن لم يحضرْ موقعة بدر في العام الماضي، أن يخرجوا إلى معسكر المشركين، وينزل الرسول –ص- عن موقفه فينتكسُ ما يزيد عن ثلث الجيش بقيادة عبد الله بن أُبَيِّ بْنِ أبي سلول. وكانت نتيجة الحرب على غير ما يريد المسلمون.
3- المبارزة التي تمّت يوم الأحزاب بين عليّ بن أبي طالب -كرّم الله وجهه- وبين عمرو بنِ عبدِ وَدٍّ، حين برز هذا الأخير بجبروته وظلمه وغروره، وراح يتبختر ويطلب المبارزة بروح الظالم المستبدّ، فيخرج إليه فتى الإسلام عليُّ بنُ أبي طالب، بعد أن أجلسه الرسولُ ثلاثَ مرّات يقول له: اجلس يا عليّ، إنه عمرٌو. وفي المرة الثالثة يقول علي: «وإن يكن عمرَو بنَ عبدِ وَدٍّ. أنا له يا رسولَ اللهِ». فخرج إليه بروح المقاوم لهذا الظلم وذلك الاستبداد والغرور. والذي يقاومُ يحاربُ بكل قوته، بينما المستبد الظالم يقاتل بوحشية المغرور المستهتر!
4- ويومَ حُنَيْن، عندما أُعْجِبَ المسلمون بكثرتهم حتى قالوا: «لن نُهْزَمَ اليومَ مِنْ قلّة». فقد كان عدَدُهُمْ يربو على عشرة آلاف مقاتل في مقابل ألفٍ من هوازِنَ وثقيفٍ، فانكشفت الكثرة وانهزمت. وَثَبَتَ الرَّسولُ –ص- وقلّةٌ من المسلمين وهو يقتحم صفوف المشركين وينادي ويهتف: «أنا النّبيُّ لا كذب، أنا ابنُ عبدِ المُطَّلب». وَيُسَجِّلُ ذلك القرآنُ الكريمُ: « وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا، وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ* ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْها…».
5- عندما افْتُتِنَ الناسُ بعبقريّة خالد بن الوليد العسكريّة، حتى ظنّ الكثيرُ مِن بين المسلمين أنّ النصر يرجع لعبقريّة خالدٍ العسكرية، فكانوا يُحِبّون أن يقاتلوا تحت لوائه.. ولمّا فَطِنَ الفاروقُ عمرُ لذلك عَزَلَ خالدًا عن قيادة الجيش في إبّان معركة اليرموك الحاسمة، وعلَّل ذلك بقوله: «ما عزلتُ خالدًا لضغينة أو خيانة. وإنما افْتُتِنَ الناسُ بخالد، وأخشى أن يَفْتَتِنَ خالدٌ بنفسه، فإنَّ النصرَ من عند الله تعالى. فإذا أُعْجِبَ الناسُ بخالد فهي الخطوة الأولى في اتجاه انتقال عَجَبِ الناس إلى عُجْب النفس فنصاب بالغرور..».
وكان جوابُ خالد «الفاتح»: «أنا لا أحارب من أجل عمر بل أحارب من أجل ربّ عمر!».

مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى

6- بعد الحرب العالمية الأولى شعر الإنكليز والفرنسيون بالنصر، وشعر الألمان بالمهانة والمذلة، والشروط المجحفة في حق بلادهم، فراحوا يبنون قوتهم. وفي أقلَّ من عقدين هَزَمَ الألمانُ فرنسا هزيمة ساحقة ومُذِلّة في أسبوع واحد، واحتلوا الكثير من أوروبّا.
7- في حرب عام 1965 بين الهندِ وباكستانَ. صمدت باكستانُ، وهناك بعضُ العسكريّين مَن رأى تفوُّق الباكستانيّين، على الرغم من تخطّي الهنود حدود باكستان في قليل من المواضع، ولكنّ ركون قادة باكستان إلى قدرتهم، وعدم تطويرها وتحسينها جعلهم يخسرون الحرب مع الهند بعد ستّ سنوات من عام 1971.
8- في حرب عام 1973 بين العرب وإسرائيل، حارب الجيش المصري والسوري بشجاعة وبسالة وكِفايةٍ عالية. إلا أنّ استكانتهم وركودهم على الحالة التي كانوا عليها، ولم يضاعفوا من قوتهم من أجل استثمار صمودهم عام 1973 لتحسين شروط المفاوضات والموقف السياسي الذي تلا الحرب. بينما إسرائيل ضاعفت قوتها، فهي لا تحارب بسلاح واحد في حربين متتاليتين، وإنما تحاول اختراع وتجديد نوعية السلاح.
9- «حزب الله» وإسرائيل، بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 دَأَبَ حزبُ الله على تحسين دفاعاته وتنويع أسلحته ورفْعِ كفاية مُقاتِليه. ومع تطور السلاح الإسرائيلي بشكل مستمر إلا أنّ غرور القيادة الإسرائيلية وتمركزها العالي حول ذاتها جعلها لا تحسن تقدير قوة «حزب الله»، ونظرت إليه بمنظار عام 2000 حتى فوجئت بقوته وخفّة حركة مُقاتِليهِ وكفايتهم وصمودهم وتحسين سلاحهم عام 2006.
كل ذلك يدلّ دلالة واضحة، على أنّ الصراع يفوز به الطرف المتحفز المتوتر الذي يدأب على تحسين سلاحه وتطويره وتجديده، وتقوية روحه المعنوية باستمرار. فيفوز دائمًا الطرفُ المقاومُ للظلم، الذي لا يقع فريسة لمرض العُجْب والغرور.
10- الركون والاستماع إلى القوى المخادعة والمتزلِّفة، التي تحسن الخطاب المنافق. وما أكثرَهُمْ في عالمنا العربي والإسلاميّ! هذه القوى الطفيليّة صديقةُ كلِّ منتصر، وهي من النوع المتسلِّق بتزلُّفه ونفاقه. والخوف هنا في حالة «حزب الله» أن يحفرَ الخطابُ النفاقيّ في نفسية المقاومة فتركنَ إليه فيُصيبَها الخَدَرُ والاسترخاء، ويتسلَّلَ إلى نفسيّتها مرضُ العُجْبِ والغرور، ويختلطَ عليها خطابُ النّاصحِ الناقد بخطابِ الهُتافِيِّ المُعْجَب، الذي يعمد إلى تصويب المواقف دائمًا، مهما كانت خاطئةً. وهكذا تلتبس مواقف الحليف المُعاضِد بالمنافق المعجب! وعلى ذلك يتوجَّب على قيادة «حزب الله» أو كلّ طرف يمكن أن يربح معركةً أن يَنفُضَ عن نفسه من وقت لآخرَ ما قد يعلق بها من الخطاب النفاقيّ. وكذلك ينبغي على الإعلام المقاوم أن لا ينسى لحظةً واحدةً المشهدَ الذي دخل فيه رسولُ اللهِ –ص- فاتحًا مكَّةَ المكرَّمةَ.. دخل ولحيتُهُ تُلامِسُ صدرَهُ تواضُعًا للهِ تعالى..!

كاتب فلسطيني يقيم في كابول

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق