| البحرين: مفخرة الاستقواء بإسرائيل وتهمة «التخابر مع قطر» Posted: 04 Nov 2018 01:55 PM PST وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما حدث في القنصلية بإسطنبول (أي حدث اغتيال وتقطيع الصحافي السعودي جمال خاشقجي والتخلص من جثته) بأنه «مروّع» وهي مقدّمة «طللية» للوصول إلى «الغزل المفيد» بالقول إنه «مهم جدا في الوقت نفسه من أجل استقرار المنطقة والعالم أن تبقى السعودية مستقرة»، والذي فهمه الجميع أنه دعم لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وخصوصاً بعد انكشاف تدخّل نتنياهو (والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي) لدى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دفاعا عن بن سلمان. وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة، ومن دون أن يرفّ له جفن، هلّل للتصريح الإسرائيلي واعتبره موقفا واضحا من الدولة العبرية حول دور السعودية المهم في المنطقة، كما لو أن إسرائيل هي متعهّد توريد الاستقرار والأمن في الربوع العربية، والقاضي الأممي الذي يوزّع ميداليات العدالة على «شقيقاته» العربيات، وليست الدولة التي تحتلّ أرض الفلسطينيين وأراضي دول عربية أخرى. الدولة الهمجية المسؤولة عن حروب طاحنة ضد بلدان عربية، وتاريخ من الاجتياحات الوحشية في لبنان والأردن وغزة والضفّة، والرافضة لتنفيذ عشرات القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة. جاء التصريح خلال أسبوع تطبيع خليجي ـ إسرائيلي حافل كانت ذروته في استقبال سلطان عُمان قابوس بن سعيد لنتنياهو في مسقط وزيارة وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية ميري ريغيف للإمارات لتشهد عزف النشيد الوطني الإسرائيلي في بطولة عالمية للجودو، ثم احتفال السلطات بها سياحيا باستضافتها في مسجد الشيخ زايد في أبو ظبي، وتبع ذلك إلقاء وزير الاتصالات الإسرائيلي أيوب قرا خطابا في مؤتمر في دبي. وحسب القناة العاشرة الإسرائيلية فإن حمى التطبيع ستتصاعد وأن نتنياهو يخطط لزيارة دولة خليجية ثانية ستكون، على الأغلب، البحرين ليكون ذلك ختاماً لفترة طويلة من «التحمية» اللازمة عبر التصريحات واللقاءات والتمريرات الجانبية. وحسب القناة نفسها فإن «كل ما تمارسه السعودية في السرّ تمارسه البحرين في العلن» ويجري هذا في الوقت الذي تؤكد فيه صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن «حوار سرّي» بين البحرين وإسرائيل للإعلان عن إقامة علاقات علنية بين الجانبين تدشنها زيارة مرتقبة يجريها نتنياهو إلى المنامة. وكي تكون الأمور «واضحة» أكثر (إذا استخدمنا تعبير الوزير البحريني) فإن سلطات المنامة أصدرت أحكاما أمس الأحد على علي سلمان وحسن سلطان وعلي الأسود، بالسجن المؤبد بتهمة «التخابر مع دولة قطر»، والمعروف طبعاً أن الثلاثة هم من شخصيات المعارضة البحرينية، ولم تجد السلطات البحرينية، على ما يبدو، أن تهمة المعارضة كافية لإصدار الأحكام فارتأت تهمة أشد خطرا بكثير من التعامل مع إسرائيل مثلا (التي هي العدوّ التقليدي للعرب) فاختارت «التخابر مع قطر»! هناك أمر مفارق للمنطق والعقل في كل ما يجري في الخليج العربيّ المتحاملة على قطر لا يمكن تبويب كل تفاصيله ضمن أطر السياسة فحسب، فهل ستجرّم دول الحصار مواطنيها الذين يظهرون على القناة الإسرائيلية العاشرة أو «يديعوت أحرونوت» لانتقاد نظام الحكم البحريني بتهمة «التخابر» أيضاً أم أن التهمة محفوظة لقطر فحسب، وأن انتقاد السلطات في منابر دول «شقيقة» مثل إسرائيل سيكون مسموحا؟ بعض المشكلة في المنطق السياسي لدول الحصار (إذا سلّمنا بوجود منطق) يتعلّق، على ما يظهر، باستصغار للنفس يسمح بانتهاك أسس الجغرافيا والأخوة والمصالح الخليجية المشتركة لصالح ولاء عابر للجغرافيا والقارات لـ«الكفيل» الأجنبيّ والذي تتمسّح دول الحصار بأعتابه وتختبئ خلف مظلّته النووية وربما تتفاخر بقدراته العسكرية على الفتك بالفلسطينيين، وتذهل بقدراته العلمية والمالية، وربما تُعجب بآلياته الحزبية والحريات السياسية والفردية التي يملكها أفراده، لكن إذا مارس مواطنوها جزءا منها أو طالبوا بها فسينتهي الأمر بهم في السجون بتهمة «التخابر مع قطر»!  |
| حقوق الأكثرية والمفارقات البرازيلية: من اورغاد إلى بولسونارو Posted: 04 Nov 2018 01:15 PM PST مفهوم أساسي شهره جائير بولسونارو بوجه خصومه السياسيين والاجتماعيين طيلة الحملة الانتخابية التي أوصلته إلى رئاسة أكبر بلدان أمريكا اللاتينية والبلد الكاثوليكي الأول من حيث عدد السكان في العالم: الأكثرية. حيث أنّه لا يعقل أن تقوم هناك «أكثرية من الأغنياء» في بلد متفاوت طبقياً بشكل فظيع مثل البرازيل، وجب الاستفهام قبل كل شيء عن مفهومه للأكثرية، الذي حصد له، أكثر من منافسه اليساري في الانتخابات، وأمّن بالتالي وصوله. هذا المفهوم قائم على إشعار الناس الذين لا ينتمون إلى واحدة من الأقليّات التي يشنّع عليها بولسونارو (هم السكان الأصليّون، المثليون، الأفرو ـ برازيليون، الشيوعيون)، بأنّ لا خيار لها سوى الإنصياع لقانون الأكثرية، بأنّهم بالفعل من هذه الأكثرية. هذا في البلد الذي يشكّل فيه السكان الأصليّون نسبة متدنية جداً (نصف في المئة) لا تقارن بنسب مرتفعة في بلدان أمريكية لاتينية أخرى (الأكثرية في بوليفيا، والمجموعة الأكبر من السكان في الأكوادور والبيرو، وخمس سكان المكسيك). أما الأقلية السوداء، أو الأفرو ـ برازيلية، فنسبتها (7.5 في المئة) أقل بكثير من نسبة السود في الولايات المتحدة، مع أنّ الرقيق الأسود الذي استقدمه البرتغاليون والمستوطنون البيض للعمالة الزراعية في البرازيل فاق على امتداد ثلاثة قرون 1600 ـ 1820، بخمس مرات من وفد إليها من السكان الأوروبيين وغيرهم، مثلما فاق بأضعاف ما استقدم من رقيق أسود إلى أمريكا الشمالية. وإذا كانت المجموعة البيضاء تحتسب برازيلياً أقل بقليل من نصف عدد السكان، فهذا مردّه إلى أنّه، بالمقاييس «الشمالية» التقليدية لاحتساب البيض، يعد مفهوم «البيض» البرازيلي أكثر رحابة، ويتسع لأبناء المهاجرين من أوروبا الجنوبية والبلاد الشامية، في مقابل مفهوم انكلو ـ أمريكي شمالي ساد طويلاً، ويحصر البيض، بأبناء المهاجرين من أوروبا الغربية والشمالية والوسطى، وبما كان يستبعد منهم ليس الإيطاليون واليونانيون فحسب، بل الإيرلنديون أيضاً، إلى فترة طويلة. أما الأكثرية الدينية، فصحيح، البلد بأكثريته كاثوليك، وهو أكبر بلد كاثوليكي في العالم من حيث عدد السكان، لكن هؤلاء هبطت نسبتهم في غضون عقود قليلة من 90 في المئة إلى 60 في المئة، في مقابل الارتفاع المتواصل لنسبة الكنائس الإنجيلية المختلفة، بما يجعل البرازيل سابقة بين البلدان، بل في التاريخ، من حيث التبدل العميق والسريع للمشهد الديني الإجمالي فيه بهذا الشكل، وبما يمثّل أزمة حقيقية للكنيسة الكاثوليكية، علماً أنّ التصويت الإنجيلي لعب دوراً طليعياً في إيصال بولسونارو، الذي كان يجهل اسمه معظم البرازيليين حتى أشهر قليلة، إلى سدّة الرئاسة، ومن ناحيتهم، كان لـ«حزب الشغيلة» الذي يقوده الرئيس الأسبق المسجون لويس ايناسيو لولا دا سيلفا ولخليفته المنحاة بـ«انقلاب برلماني» ديلما روسيف، مساع متواصلة للتقرّب منهم، وخطب ودّهم. ما تعيشه البرازيل حالة متقدمة من ظاهرة عالمية، ففي الميغا ـ مدن التي تحتشد في كل واحدة منها عشرات ملايين السكان تخضع مساحات واسعة لأنواع سيطرة خارجة عن مرجعية الدولة، أو متساكنة معها. الأكثرية التي يريد بولسونارو أن تنصاع لها الأقليات موجودة وغير موجودة في آن. غير موجودة من حيث أنّه ليس هناك قرين في البرازيل للأكثرية البيضاء البروتستانتية في الولايات المتحدة مثلاً، والقسمة بين البيض والخلاسيين أساسية، وهي تخترق المجموعة المصنفة بيضاء من داخلها أيضاً، مثلما أنّه على الصعيد الديني، يدين بولسونارو انتخابياً إلى الأقلية الإنجيلية الصاعدة، وليس إلى الأكثرية الكاثوليكية المتصدّعة. هي أيضاً غير موجودة برلمانياً، حيث أنّ الحزب الاجتماعي الليبرالي، حزب الرئيس، يضم 52 نائباً من 513 فقط، ويأتي في المرتبة الثانية بعد «حزب الشغيلة» الذي يسبقه بأربعة نواب، فيما أكثرية النواب مشرذمة بين عدد كبير من الأحزاب الصغيرة. الأكثرية موجودة فقط من حيث استشعار عدد هائل من البرازيليين أنهم يوافقون بولسونارو أو يتواطؤون معه في كراهيته ضدّ الفئات التي يشنّع عليها. موجودة كوعد بتشكيل «عقد اجتماعي جديد» يستبعد هذه الفئات الأقلوية منه، على أن يضم العدد الأكبر من السكان، لكنه وعد لا يملك حتى حيثية التصريح عن نفسه، في بلد كان يتباهى قبل عشر سنوات بأنّه أقرض صندوق النقد الدولي مليارات من الدولارات، في حين تذهب قرابة نصف الموازنة لخدمة الدين الداخلي، من الدولة إلى الأوليغارشية، على ما يوضحه رونو لامبير في مقالته هذا الشهر في «الموند ديبلوماتيك»، مقالة تذكرنا أيضاً بأنّه بلد قضى فيه نصف مليون قتلاً في العشرية الأخيرة، وبنسبة مرتفعة جداً من الاغتيالات، وأنّ القطيعة مع «زمن لولا»، تأمنت من خلال همّة العسكر والقضاة، «الدولة اليمينية» من فوق، وجماعات الجريمة المنظمة والشرطة العسكرية من تحت. وما تعيشه البرازيل على هذا الصعيد حالة متقدمة من ظاهرة عالمية، ففي الميغا ـ مدن التي تحتشد في كل واحدة منها عشرات ملايين السكان، تخضع مساحات واسعة لأنواع سيطرة خارجة عن مرجعية الدولة، أو متساكنة معها. الأغنياء تحميهم بلوكات الباطون المسلح والشركات الأمنية، وليس هذا حال باقي الطبقات التي تتفاعل بأنماط مختلفة، ومن مواقع متباينة، مع هذه الحال. يبقى أنّ كل شعاراتية «إعادة الأمن» هنا، ولو مجّدت ذكرى ألف بينوشيه، لن تقدّم ولن تؤخر كثيراً على هذا الصعيد بالتحديد. من التسرّع بمكان وصف التردّي على المشهد الديموقراطي المضطرب في البرازيل على أنّه يقارب «الفاشية». العنصر الأقرب إلى مقال الفاشية عند بولسونارو هو هذا الهوس باستعادة مفردات معاداة الشيوعية بعد ثلاثة عقود على انتهاء الحرب الباردة. لكن الفاشية، وكما يذكرنا المؤرخ الألماني المحافظ ارنست نولته تحتاج في آن إلى كم كبير من معاداة الماركسية والشيوعية وكم أكبر من معاداة الليبرالية. وهذه المعاداة الكبيرة غير متوفرة بكمية كافية لدى بولسونارو، ليس فقط لأنه على رأس حزب اسمه «اجتماعي ليبرالي»، وينادي بالنيوليبرالية الاقتصادية، بل لأنه بكل بساطة ليبرالي، ليبرالي ببعض الاستعادات الفاشية، لكن ليبرالي. لفهم مدلولات هذا لا بأس بالعودة إلى كتاب الإسرائيلي ليئاف اورغاد «الدفاع الثقافي عن الأمة. نظرية ليبرالية عن حقوق الأكثرية» (اوكسفورد، 2015). ينقد اورغاد الرؤية الليبرالية، التقليدية واليسارية، المهتمة بتكريس حقوق فردية للأفراد، وحقوق ثقافية للأقليات، وحقوق تقرير مصير للشعوب، من دون الاعتراف بضمانات قانونية للأكثرية الأثنية والدينية في أي دولة، على اعتبار أنّ الأكثرية تتكفّل بنفسها، وتحمي نفسها بنفسها، سواء بالمماثلة السهلة عندها بين ثقافة الدولة وثقافتها، أو بتسترها تحت السمة التراثية لانتمائها الديني أو الإثني، أو تذرعها بالقيمة الإنسانية الكونية التي يغلفها هذا الإنتماء. يشدّد اورغاد على أن الخيار محصور بين تسامح الليبراليين مع ممارسات غير ليبرالية، وبين تبنيهم لممارسات غير ليبرالية بقصد حماية الليبرالية، وأنّ لا مخرج من هذه المفارقة إلا بالتشديد على أن لكل شعب طابعا قوميا مستمدا من طبائع وسمات الأكثرية فيه. المدهش أن فيلسوفاً كمايكل والتزر يعتبر طروحات اورغاد بمثابة مخرج من الثنائية القائمة بين من ينادي بالحقوق للأقليات وبين الأكثرويين! المدهش أكثر أنّ معالجة اورغاد تتعلّق بالأكثرية اليهودية في اسرائيل، بل بحماية النموذجية الأشكينازية في اسرائيل، وبالأكثرية البيضاء من جذور مسيحية في أوروبا، وبالأكثرية البيضاء البروتستانتية في أمريكا الشمالية. في حين يريد بولسونارو أن يأتي بنموذج برازيلي لها غير موجود، بل أن إقصائيته تتضمن عناصر استبعادية لقسم كبير من «بيض» البرازيل أنفسهم من دائرة البياض، في بلد يتقدم فيه البيض بالاحتساب الفضفاض فقط على الخلاسيين، فاذا جرى «تخليس» قسم منهم انقلبت الآية هنا، بمثل ما أن التحول الديني الذي تتراجع معه الأكثرية الكاثوليكية، إنما يستند بولسونارو اإلى طرفه «الإنجيلي»، وكل هذا ناهيك عن «الأقلية» الأخرى التي يستهدفها والتي هي أكثر من نصف المجتمع، النساء. كاتب لبناني  |
| القوة الذاتية تردع الآخرين Posted: 04 Nov 2018 01:13 PM PST خمسون عاما من التشرذم العربي أكدت غياب القوة التي تملك الجذب المركزي وتحافظ على عالم عربي يتمتع بقدر من التماسك الداخلي والمنعة التي ترهب العدو. فمنذ غياب الرئيس المصري جمال عبد الناصر خسرت مصر موقعها كقوة عربية تمثل مرجعية سياسية وثقافية لهذه الأمة المترامية الأطراف. هذا التشرذم أدى تدريجيا لإزالة عوائق التدخل الأجنبي على تعدد مصادره. فلا السعودية استطاعت ملء الفراغ القيادي ولا العراق أو سوريا، فضلا عن دول المغرب. فكان من مظاهر هذا التشرذم عدد من الظواهر التي تزيد أمتنا تخلفا وتشرذما وضعفا. أول هذه المظاهر هرولة الأنظمة للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي والدخول في محاور أمنية معه بدون خجل أو خشية من ردود فعل جماهيرية رادعة. وقد تبلور المحور الذي تشكل «إسرائيل» نقطة ارتكازه بعد ثورات الربيع العربي الذي اعتبرته السعودية وبعض دول مجلس التعاون التحدي الأكبر لأنظمتها، ولذلك لم توفر وسيلة لقمعه بأبشع الأساليب وأكثرها توحشا. أنفق المال النفطي على نطاق واسع للتصدي له، وتمت تعبئة جميع الطاقات الأمنية لقمع الجيل العربي الثائر الذي كان يبحث عن هوية سياسية مختلفة. والأخطر من ذلك ظهور تحالف شرير ضم قوى الثورة المضادة بمحورية إسرائيلية وضعت إمكاناتها الأمنية التي استفادتها من التصدي للانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة في خدمة أنظمة القمع والتصدي للشعوب الثائرة. وحظيت «إسرائيل» بمكافآت عديدة: الهرولة للتطبيع معها، غض الطرف عن بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية، السماح لها باحتلال القدس وتهيئة الظروف لنقل السفارة الأمريكية اليها، وتشجيع الكيان الإسرائيلي لمواصلة العدوان ضد محور المقاومة ابتداء بحماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وصولا إلى إيران. ثاني هذه المظاهر تصدع جبهات الأمة، الواحدة تلو الاخرى، تارة بفعل التدخلات الأنجلو ـ أمريكية وأخرى بإثارة ايديولوجيات الكراهية والاحتراب الديني والمذهبي، وثالثة بضرب التحالفات التقليدية وضرب القوى العربية القوية. فسقطت مصر تماما من المعادلة السياسية الاقليمية بعد انقلاب العسكر على الديمقراطية الهشة التي كانت الثمرة الوحيدة لثورة 25 كانون الثاني/يناير، وسقطت سوريا كقوة إقليمية بعد إشعال حرب أهلية فيها ودعم التطرف والإرهاب لتدمير واحدة من أعرق حضارات المنطقة. وضرب العراق أولا بالحرب الأنجلو ـ أمريكية في العام 2003 ثم تقطيع أوصاله بالطائفية والتطرف، وأخيرا بضرب مصداقية نظامه السياسي وإسقاط مشروعه الديمقراطي بممارسات قاتلة منها المحاصصة والفساد وإبراز خطر التقسيم. ما حدث في الأعوام الأربعة الأخيرة من تطورات إقليمية في المشرق العربي أسس لواحدة من أشد الحقب ظلاما. فقد بدأ الملك سلمان عهده بالانقلاب على تقاليد الاستخلاف السعودية، فعين نجله، محمد، وليا للعهد ليقود المملكة من أزمة إلى أخرى. هذا الشاب المتهور بدأ عهده بشن الحرب على اليمن، وهي واحدة من أسوأ الحروب التي شهدتها المنطقة في العقود الأخيرة. فقد دمرت البشر والحضارة والبنية التحتية، وشقت جروحا عميقة في الجسد العربي وأحدثت تصدعا في البناء السياسي حتى داخل مجلس التعاون الخليجي نفسه. فقد نأت ثلاث من دوله: الكويت وعمان وقطر، بنفسها عن ذلك العدوان، بينما شاركت الإمارات والبحرين بشكل فاعل في ذلك العدوان. ولا بد من التأكيد على دور الولايات المتحدة وبريطانيا في انطلاق الحرب واستمرارها. ومع ذلك بدأ العالم ينقلب على الحرب والمشاركين فيها، ويطالب بوقفها فورا. وقد جاء نداء وزيري الخارجية والدفاع الأمريكيين هذا الأسبوع لوقف الحرب قبل نهاية تشرين الثاني/نوفمبر الجاري ليحاصر السعودية والإمارات والبحرين التي ستخرج من الحرب خاسرة سياسيا وأخلاقيا. ما يجري في الأروقة السياسية في الرياض هذه الأيام من محاولات لاحتواء أكبر أزمة واجهت الحكم السعودي منذ حوادث 11 ايلول/سبتمبر الإرهابية لا يعبر عن رغبة حقيقية في التغيير الإيجابي كان من مبررات الحرب التي قادتها السعودية على اليمن التصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة. ولكي يكون هناك قدر من الإنصاف لا بد من إعادة تأكيد الحقائق المذكورة أعلاه، ففيها شيء من التفسير لما يعانيه العالم العربي من انكشاف كامل للحدود أمام الآخرين الذين يطمعون في بسط نفوذهم. أول هذا التمدد انطلق من الكيان الإسرائيلي الذي بدأ التطبيع معه بشكل فاعل بعد الربيع العربي. لقد تمدد نفوذه بشكل مضطرد ومرعب أكدته زيارات مسؤوليه لعدد من العواصم العربية وتطبيع العلاقات مع أجنحته الرياضية والثقافية والاقتصادية بمستويات لم تكن متوقعة قبل خمسين عاما. ومأساة توسع هذا النفوذ أنه امتد داخل فلسطين نفسها، ببناء المستوطنات وتهويد القدس وحصار غزة وتقليص صلاحيات الإدارة الفلسطينية وشن العدوان على غزة بشكل متواصل، فلا يمر شهر واحد بدون قصفها وقتل أطفالها. وفي غياب القوة المركزية أو التحالف العربي الفاعل انكشفت الحدود العربية على مصاريعها. فأصبحت أمريكا حاضرة في كل بلد عربي تقريبا بقواعدها العسكرية وسفاراتها العملاقة ووكلائها المحليين. وهناك النفوذ الإيراني الذي يستغل دائما لتبرير استهداف الجمهورية الإسلامية بدون توقف. إيران لديها نفوذ في العراق، ولكن تنافسها أمريكا وحتى السعودية أيضا. ولديها نفوذ في لبنان بمنافسة من الدولتين المذكورتين كذلك. ولديها نفوذ في سوريا بمنافسة روسية هائلة. أما في اليمن فنفوذها محدود جدا بسبب البعد الجغرافي والتمايز المذهبي. وأخيرا هناك نفوذ تركي من خلال العلاقة مع دولة قطر وجماعة الإخوان المسلمين. والسؤال هنا: كيف وجدت إيران وتركيا مجالا لتوسيع النفوذ؟ فما دام تحالف قوى الثورة المضادة قد اختلق المشاكل السياسية والإرهابية والعسكرية في العديد من البلدان، وفي غياب قيادة عربية فاعلة، فهل من الغريب أن تلجأ الدول المنكوبة بتصدعاتها الداخلية للتقارب مع إيران أو تركيا؟ لو لم تدعم السعودية والإمارات الإرهاب في العراق وسوريا فهل سيحتاج البلدان لدعم إيراني أمني وعسكري يساعدهما على التصدي للإرهاب الذي أتى على الأخضر واليابس؟ لو لم تواصل «إسرائيل» عدوانها على غزة وتحاصر أهلها وتستغل قوتها الضاربة لاستهداف الفلسطينيين المحاصرين فهل سيجد الفلسطينيون حاجة للدعم الإيراني؟ لو وقفت السعودية والإمارات بجانب أهل غزة ووفرت لهم ما يحتاجون من طعام ودواء وأدوات للدفاع عن أنفسهم، هل كان الدعم التركي أو الإيراني ضرورة لهم؟ لو أن القيادة السعودية لم تستهدف دولة قطر ومعاملتها ككيان تابع لها بدون سيادة أو قرار مستقل، ولو لم تفرض عليها حصارا مقيتا وتطلب من الدول الأخرى التي تستلم الدعم المالي السعودي بفعل ذلك أيضا، هل كانت قطر ستلجأ إلى تركيا لتمتين العلاقة وتوقيع اتفاقات دفاعية معها؟ الأمر المؤكد أن إضعاف العالم العربي خصوصا على مستوى الايديولوجيا والقيادة كشفه أمام الآخرين من جهة واضطر بعض دوله للاستعانة بدول صديقة وجارة. فتركيا وإيران لا تطمعان في أموال السعودية بينما كان الرئيس الأمريكي صريحا عندما كرر قوله إنه يريد المزيد من المليارات السعودية. فما الذي أوصل الأوضاع إلى هذا المستوى من الهبوط؟ عندما يتعامل الحكام مع مواطنيهم بالتوحش الذي يستهدف إنسانيتهم، وحين يستهدف عسكر مصر معارضيهم، وحين يعمد نظام البحرين لسجن الآلاف من مواطنيه وينكل بسجنائه السياسيين، وعندما يسخر نظام سياسي إمكانات الدولة بما فيها من طائرات وسفارات لاستهداف مواطن يعارضه ويقتله بسادية هزت ضمير العالم، فهل يلام المواطنون الآخرون حين يلجأون للأجانب لحمايتهم؟ فجريمة قتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية باسطنبول قرعت أجراسا مدوية بأن هذه الأنظمة تتجاوز السادية في تعاملها مع البشر وأن الوقت قد حان لتغييرات سياسية جوهرية في المنطقة، ولكن الآذان الصماء والقلوب الميتة تتجاوز ذلك وتصر على التعامل مع الأنظمة المجرمة وكأن شيئا لم يكن. وما يجري في الأروقة السياسية في الرياض هذه الأيام من محاولات لاحتواء أكبر أزمة واجهت الحكم السعودي منذ حوادث 11 ايلول/سبتمبر الإرهابية، لا يعبر عن رغبة حقيقية في التغيير الإيجابي. فمع التردد في تحديد مصدر القرار الكارثي هناك تحركات تسعى لاحتواء أزمة البيت السعودي بحضور عدد من رموزه من بينهم أحمد بن عبد العزيز، وزير الداخلية السابق الذي عاد من لندن مؤخرا بضمانات دولية، وأخوه مقرن الذي كان وليا للعهد قبل الإطاحة به بقرار من أخيه سلمان. الهدف «إصلاح» البيت السعودي من داخله، ولكن يبدو أن الأمر تجاوز ذلك وأصبحت هناك حاجة لطرح بدائل سياسية مختلفة لتجاوز الأزمة الإقليمية وليس أزمة البيت السعودي فحسب، وإلا سيظل العالم العربي مكشوفا أمام الآخرين وفي مقدمتهم الاحتلال الإسرائيلي التوسعي والجشع الأمريكي الذي لا يعرف حدودا. العالم العربي يحتاج لمحور سياسي عربي واسع يمتلك قوة جذب مركزية قوية تجذب الجميع إليها وتمنع الأطماع التوسعية للآخرين. وما عدا ذلك سوف تبقي أمتنا العربية تدور في حلقة مفرغة تستنزف طاقاتها وتكرس أزماتها وتعمق مشاعر اليأس لدى أبنائها. كاتب بحريني  |
| المرض الهولندي Posted: 04 Nov 2018 01:11 PM PST قبيل انقلاب البشير في السودان، وبمساهمة معتبرة من الدولة والبنوك التجارية والقطاع الخاص السوداني في تمويل العمليات الزراعية وتوفير مدخلاتها، وصل فائض إنتاج الذرة في الموسم الزراعي للأعوام 87 ـ 88 و90 ـ 91، إلى مليون طن للتصدير، كما تمت زراعة 550 ألف فدان من محصول عُبَّاد الشمس، واحتل السودان، في ذاك الوقت، المرتبة الثانية، بعد جنوب افريقيا، في زراعة هذا المحصول. لكن مع مجيء الإنقاذ وتبنيها لسياسات التنمية المؤدلجة، خاصة بالنسبة لتمويل المزارعين والعمليات الزراعية، صار التمويل يذهب لذوي الولاء، حتى وإن كانت خبرتهم ضعيفة، بينما حُرم المزارعون ذوو الخبرة، غير الموالين للسلطة، والنتيجة تقلص المساحات الزراعية في القطاع المطري، وبالتالي تدهور إنتاج القطن والفول، وهي محاصيل للصادر ولتوفير الحبوب الزيتية لمصانع الزيوت، وأصبح السودان يستورد القمح والزيوت، كما قبع مئات المزارعين في السجون بدعوى الإعسار والتعثر في سداد قروض التمويل. ومنذ فترة، بدأت حكومة الإنقاذ تكليف بعض الشركات التابعة لمؤسسات النظام بالتعاقد مع المزارعين لإنتاج محاصيل محددة النوع والكميات ومستويات الجودة وتوقيتات الإنتاج، تشتريها هذه الشركات بأسعار محددة سلفا، وتتولى الشركات التمويل وتوفير خدمات المستلزمات والإرشاد والتسويق والإقراض…إلخ. ويأتي ذلك كجزء من سياسة الدولة الرامية لخصخصة مشاريع القطاع العام الزراعية، تمهيدا لرفع يدها تماما عن الزراعة، وبالطبع عن المزارع أيضا. وللمفارقة، عندما امتنعت الصين عن استيراد فول الصويا من أمريكا، في إطار الحرب التجارية الدائرة اليوم بين البلدين، دفعت الحكومة الأمريكية حوالي 12 بليون دولار لحماية المزارع الأمريكي إثر خسارته تصدير المحصول إلى الصين. تلك الشركات التابعة لمؤسسات النظام، اندفعت في استخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة، بدون تخطيط مدروس يراعي تخلف اقتصاديات البلاد وضعف بنيتها التحتية، ويضع في الاعتبار أن ذلك قد يؤدي إلى تجاوز القطاعين التقليدي والحديث بدون تفاعل وتكامل عضوي بينهما، وبدون الانتباه، أو بدون الاهتمام، بأن التكنولوجيا سيستفيد منها المزارع المستأثر بتمويل وتسهيلات الدولة، بينما جاره، المزارع الآخر يعاني من شح السيولة حتى لتوفير مدخلات الإنتاج ومصروفات التسيير، ناهيك عن تمويل التكنولوجيا والآليات الحديثة. ومعروف أن إدخال التكنولوجيا الحديثة في الزراعة، بصورة عفوية وغير مخططة، في البلدان التي تنوء بحمل الاقتصاد التقليدي، وباقتصاد هامشي، ضخم نسبيا، خارج التيار الرئيسي لمصادر توليد الناتج المحلي، ستكون غير مأمونة العواقب. في السودان، تحت حكم الإنقاذ، توفرت موارد طبيعية مربحة كالنفط والذهب، واعتمدت البلاد عليها كليا، بينما أُهمل استغلال وتطوير الموارد الأخرى، خاصة الزراعة والصناعات التحويلية المرتبطة بها الاقتصاديون والتنمويون السودانيون يحذرون من تفشي ظاهرة «المرض الهولندي»، والذي يُعرّف في علم الاقتصاد بأنه العلاقة الظاهرة بين ازدهار النمو الاقتصادي بسبب وفرة الموارد الطبيعية، معدنية كانت أو زراعية، والتوسع في استغلالها، وبين التدني والانكماش في القطاعات الأخرى وخاصة قطاع الصناعات التحويلية. فارتفاع عائدات الموارد الطبيعية، كالبترول، وأيضا زيادة تدفقات المساعدات الخارجية، ستجعل عملة الدولة المعنية أقوى بالمقارنة مع الدول الأخرى، مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة صادراتها بالنسبة للبلدان الأخرى، بينما وارداتها ستكون أرخص، وسيكون قطاع الصناعات التحويلية في الدولة أقل قدرة على منافسة المنتجات الواردة. ففي السودان، تحت حكم الإنقاذ، توفرت موارد طبيعية مربحة، كالنفط والذهب، واعتمدت البلاد عليها كليا، بينما أُهمل استغلال وتطوير الموارد الأخرى، خاصة الزراعة والصناعات التحويلية المرتبطة بها. وبعد انفصال جنوب البلاد، فقدت البلاد مورد النفط، ومباشرة بدأت تداعيات الأزمة الاقتصادية في البلاد، حتى وصلت اليوم مرحلة الاختناق. ورغم أن مصطلح «المرض الهولندي»، يرتبط غالبا باكتشاف الموارد الطبيعية، ثم فقدانها بالنضوب أو لأي سبب آخر، مثلما حصل للسودان بفقدانه لمورد النفط بعد انفصال الجنوب، فإنه يمكن ربطه بأي تطور ينتج عنه تدفق كبير من العملات الأجنبية، بما في ذلك زيادة حادة في أسعار الموارد الطبيعية والمساعدات الأجنبية، وكذلك زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر. وتعبير المرض الهولندي دخل قاموس المصطلحات الاقتصادية لأول مرة عبر مجلة الإيكونومست البريطانية في العام 1977، معرّفة المرض بأنه حالة الكسل والتراخي الوظيفي التي أصابت الشعب الهولندي في النصف الأول من القرن الماضي، بعد اكتشاف النفط والغاز في بحر الشمال، فركن الشعب إلى الإنفاق الاستهلاكي البذخي، مهملا القطاعات الأخرى، خاصة قطاع التصنيع، حتى وقعت الفأس على الرأس بعد نضوب الآبار. وفي عدد 18 أغسطس/أب من صحيفة الغارديان البريطانية، كتب عالم الاقتصاد الأمريكي الحائز على جائزة نوبل، البروفيسور جوزيف ستيغلتز، مشيرا إلى أن اكتشاف الموارد الطبيعية السخية في هولندا، أدى إلى ارتفاع أسعار صرف عملتها الوطنية، وبالتالي ارتفعت أسعار السلع التي أنتجتها هولندا، مما أفضى إلى عجز هذه السلع عن المنافسة في أسواق التصدير، بل جعل الواردات من الخارج أقل سعراً ومن ثم أفضل اختياراً للمستهلك المحلي. وكانت نتيجة هذا كله، اضمحلال النشاط الإنتاجي، والصناعي بالذات. وفي ظل وضع كهذا، تقل فرص العمل وتشتد آفة البطالة، وترتفع أصوات العمال مطالبة باستحقاقات العجز والإعاقة، وكل هذا يتم وسط ارتفاع أسعار الصرف. ولهذا السبب، ظل ستيغلتز يحذر من اقتصاديات الاعتماد فقط على الموارد الطبيعية لأنه يخلق، في رأيه، أوطانا غنية ومواطنين فقراء، السودان نموذجا!. ورغم ارتباط اسم المرض بهولندا، إلا أنه لم يكن مقتصرا على تلك الدولة التي سرعان ما تعافت منه. فالمرض يشمل اقتصادات العديد من الدول التي ظل جل اعتمادها على ما تملك من موارد طبيعية، مهملة القطاعات الأخرى، خاصة الصناعات التحويلية، ومتجاهلة حتمية نضوب تلك الموارد الطبيعية في يوم من الأيام، أو فقدانها لهذا السبب أو ذاك. لا أعتقد أن السودان مصاب بالمرض الهولندي فحسب، بل وبمضاعفات هذا المرض الذي ظل حتى الآن، هو ومضاعفاته، بدون علاج، علاوة على إصابته بمجموعة من الأمراض الخطيرة الأخرى، ومضاعفاتها الخطيرة أيضا. والعلاج يبدأ بإصلاح السياسة أولا، لينعكس ذلك في برنامج تنموي مرتبط بالواقع، ويعتمد نهج التخطيط. كاتب سوداني  |
| بكيناك يا جمال… ولكن هؤلاء لا بواكِيَ لهم Posted: 04 Nov 2018 01:11 PM PST لما فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين من خِيرة أصحابه يوم أُحُد من بينهم حمزة، مرّ على نسوة يبكين قتلاهم، فقال والحزن يملأ قلبه على عمه وأخيه من الرضاعة (لكنّ حمزة لا بواكيَ له) إشفاقًا عليه ومحبة له، حيث أنه لم يكن له كثيرُ قرابةٍ في المدينة. داهمتني هذه العبارة المُوجِعة في خِضمّ فجِيعتنا بمقتل جمال خاشقجي، فلقد بكيناه وحُقّ له أن يُبْكى وتُذرف له الدموع، لكننا نسينا أو تناسينا أن مقتله ليس أعظم الكوارث والمصائب. أشلاءٌ مُبعثرة هنا وهناك على أرض سوريا، كانت يومًا بشرًا أسوياء قبل أن تغدر بهم طائرات بشار وحلفائه، وأطفالٌ في غزة كانوا زهرة أحلام الأمهات، حصدتهم قذائف الاحتلال، وآلاف ممن لا يُسبّحون بحمد الطغاة المستبدين، لفظوا أنفاسهم الأخيرة خلف القضبان تعذيبا وقهرًا، كل هؤلاء لا بواكيَ لهم. مُتطرّفون نحن في عواطفنا، انتقائيّون في أحزاننا، مسافات تفصلنا عن الاعتدال في وزن كل نائبة، تعدّدت المكاييل والدماء واحدة في عصمتها وقداستها. شهر مر على بداية القضية أو يزيد، ما أكثر ما سطرته حولها الأقلام النازفة، وما أكثر التصريحات النارية بشأنها على لسان مسؤولي الدول والحكومات، هي الحديث الأكثر تداولًا بين الإعلاميين والصحافيين وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا لعمر الله شيء عظيم، لكن أين نصيب المكلومين والمُشردين وصرعى المظالم وضحايا البطش والوحشية من هذا الحراك؟ أقدرٌ نعيشه أنْ تُنسينا أحزانٌ أحزانًا؟ أم لعله هروب من مواجهة أزمات عجزنا عن اتخاذ مواقف موحدة للتعامل معها، إلى أزمة تراصّت لها الصفوف، وتوحد في ظلها أهل المشارب، الإسلامي والعلماني، والسني والشيعي، واليمين واليسار. لا نضنّ على جمال بِتَقطُّع أوصال قلوبنا، لكن ما بالنا لا نُفسح في القلوب مكانًا لغير جمال؟ ضاقت قلوبنا كما ضاقت آفاقنا، ولسان الحال: أصمٌ عن الأمر الذي لا أريده وأسمع خلق الله حين أشاءُ لقد كشفت قضية خاشقجي عوراتنا، نعم قد كشفت خداعنا لأنفسنا، فكثيرا ما برّرنا قُعودنا وتخاذَلنا وعدم الجدية في التعاطي مع الأزمات بسطوة المستبدين، وضعف الوعي وقلة الإمكانات، فجاءت صولاتنا وجولاتنا من أجل جمال خاشقجي فاضحة، فها هو صرير أقلام الكُتّاب يهز أرجاء المعمورة، وها هي الجماهير تُظهر الدراية والقدرة على التحليل والتقييم والترويج، إذن فنحن نستطيع أن نلفت الانتباه، فلِمَ الانتقائية؟ ولماذا لا نتفاعل مع قضايا الأمة وضحاياها الآخرين، على نحوِ تفاعلِنا مع قضية جمال خاشقجي رحمه الله؟ لم أقف على تفسير مُحدد لنشاط بعض الإعلاميين والصحافيين والحقوقيين تجاه قضية مقتل خاشقجي العارضة دون القضايا الأخرى المُستديمة، وأجدُني أتساءل: ألأن الأمر يخص واحدًا ينتمي إلى ذلك الوسط؟ أم لأنها قضية لا يسوغ فيها الخلاف، فجاءت محمودة العواقب لمن يخوض فيها؟ أم هو إجراء دفاعي لئلا يُصيبهم ما أصابه؟ أم لأن الغرب يهتم لمقتل خاشقجي فكانت فرصة جديدة للتوافق معهم؟ أما الصحف والمواقع والفضائيات فقد خاضت في تغطية القضية على مبدأ السباق التجاري، لا يهم الفائدة المرْجُوَّة من الخبر، ما يشغلها هو مجرد النشر عن جمال خاشقجي، لتوازي الصحف والمواقع الأخرى، ولو جاء ذلك على حساب الأزمات الراهنة. والناظر إلى التغطيات الصحافية للعدوان الإسرائيلي على غزة منذ أيام، سيجدها باهتة لا ترقى لمستوى الحدث، فهناك قضية رائجة اسمها “مقتل جمال خاشقجي” هي التي تُحمي عداد القراءات. علينا ألا ننسى الضحايا الذين لا بواكي لهم، والذين مُزّقت جلودهم وتناثرت أطرافهم، وماتوا بصمت، كأنهم لم يكونوا للعرب مثل يقولون فيه “إذا كنتَ في قوم فاحلِبْ في إنائهم” يُضرب في الأمر بالموافقة وترك المخالفة، ويبدو أن أقوامًا يتخذونه نهجًا، فلا همَّ لهم سوى قضية جمال خاشقجي والنشر فيها والحديث عنها والتفاعل معها، على حساب تناول القضايا الأخرى للأمة، لا لشيء إلا لأنهم رأوا أن يحلبوا في إناء غيرهم. لنكن أكثر صراحة مع أنفسنا، أليس لهذا التفاعل غير المسبوق مع مقتل خاشقجي، علاقة بموقفنا الرافض لسياسات السعودية، بعد أن خسر ابن سلمان القريب والبعيد بقراراته الهوجاء؟ وربما لا أجانب الصواب إن قلت إن الاهتمام بمقتل خاشقجي على هذا النحو الذي سطّح القضايا الأخرى للأمة هو أمرٌ يراد بنا ولنا، وربما كانت فرصة جيدة للاحتلال في تمرير بعض القرارات التعسفية، وفرصة لبشار الأسد في ارتكاب المزيد من المجازر بحق الشعب السوري، في ظل ضعف تسليط الضوء على كل القضايا عدا قضية خاشقجي، فالرأي العام العربي يُدفع به حاليا في اتجاه وحيد. لدينا العديد من القضايا المُتفق عليها، أبرزها القضية الفلسطينية، لو أن لها هذا الزخم الذي شهدناه في التعامل مع مقتل خاشقجي لوجدنا القضية الفلسطينية في مسار آخر أكثر إيجابية وإثمارًا. هلمّ أيها المحلل العبقري، ويا أيها القارئ البصير، ويا أيها الصحافي المخضرم، وواجهوا مقالتي – كالعادة- بما تجود به قرائحكم، وقولوا إن إحسان التي كتبت عن خاشقجي حتى الملل، جاءتها الأوامر لتأخذ بِحُجُزِ القضية في اتجاه آخر، وتسعى لتوهينها وتسطيحها من أجل تبرئة ساحة ولي العهد المُلهم المُحدث، مع ان إحسان هذه كتبت هنا في هذا المنبر قبل اسبوع مقالة “شنجول الجزيرة” التي تتحدث عن عبث ابن سلمان وتدعو العائلة الحاكمة في السعودية الى عزله وأمثاله عن دائرة صُنع القرار، وهي المقالة ذاتها التي سجّلت رقما قياسيا بعدد التعقيبات والتعليقات، التي حملت أبشع الألفاظ السوقية، بما فيها من طعن الأعراض والأنساب لشخص الكاتبة وأهلها، وكل من يدافع عنها كمُسلمة، أو عن فكرتها وحقها في التعبير عن رأيها، من قبل مئات الحسابات السعودية، إضافة الى أكثر من أربعة آلاف تعليق من حسابات تضع صورة الملك سلمان وهو يشرب من فنجان قهوة، أو صورة ابنه وهو يرتدي “البشت الطائر”. شيء من الاعتدال والتوسط يا قوم، شيء من ترتيب الأولويات، شيء من الشمولية، التفاعل مع أشلاء الضحايا أسوة بخاشقجي، فقط هو ما أنشد إيصاله إلى الجماهير من خلال تلك السطور. مقالتي سيفهمها المُنصف كما سُطِّرت تماما، أما المُغرض الباحث عن زلاتي فأبشره بأنه حتمًا سوف يجد مَرامَه في توجيه كلماتي وليِّ أعناقها، ولكن أُبشّره أيضًا بأنني ما كنت يومًا لأعبأ بالقيل والقال. وللمنصفين فقط أُجمل العبارات: يذوب القلب كمدًا على جمال ونبكيه، ولكن علينا ألا ننسى أولئك الضحايا الذين لا بواكي لهم، ممن ليس لهم حسابات على الفيسبوك او تويتر، وربما لم يمُرّ (النت) يوما من مضاربهم، والذين مُزّقت جلودهم وتناثرت أطرافهم، وماتوا بصمت، كأنهم لم يكونوا، ومن دون أن يدري عن حكايات موتهم او أسمائهم أحد، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كاتبة أردنية  |
| لماذا تخيف الانتخابات الرئاسية الجزائريين؟ Posted: 04 Nov 2018 01:10 PM PST مباشرة بعد إعلان الأمين العام لجبهة التحرير عن ترشيح الرئيس بوتفليقة للانتخابات الرئاسية الأسبوع الماضي. اتصلت بي أكثر من وسيلة إعلامية فرنسية من باريس، للاستفسار عن الخبر والمساعدة على فهمه. ما قلته للصحافيين الفرنسيين الذين روجوا بقوة لخبر ترشح بوتفليقة هذا، لم يعجبهم، كما أحسست به، من نبرة حديثهم معي. هم المهنيون الذين كانوا يعتقدون أنهم أمام خبر سياسي من الدرجة الأولى، متعلق بالجزائر وانتخاب رئيسها تحديدا التي عادة ما تهتم بها الصحافة الفرنسية بشكل لافت. ما حاولت أن أشرحه لهؤلاء الإعلاميين، أن الإعلان عن ترشيح الرئيس ليست من اختصاص الأمين العام للحزب “الحاكم” ولا أي حزب آخر، وأن هذا الإعلان الذي قام به للمرة الألف هذا الشخص بالذات، هو جزء من ديكور هذه الانتخابات الغريبة التي تعيشها الجزائر، التي يتصارع فيها المتزلفون من كل نوع، لتقديم الولاء، في حين أن المعني الأول بها، ساكت لا يتكلم، قد يترشح كما توحي بذلك الكثير من المؤشرات، وقد لا يترشح بسبب وضعه الصحي أساسا، ما يحيل إلى التفكير في سيناريو ثان سيكون من الصعب الوصول إلى توافق حوله في الآجال القانونية للانتخابات. عدم توافق يفسر الاضطراب الذي يعيشه النظام في المدة الأخيرة. أثناء ذلك يشتد الصراع بين الأحزاب والجمعيات و”الشخصيات” على شكل سباق، من يتقرب أكثر، ومن يتزلف أكثر ومن يمدح أكثر رئيسا لا يكلمهم ولا يستقبلهم أصلا، يشاهدونه مثل غيرهم من المواطنين على شاشة التلفزيون بمناسبة نشاطاته الرسمية على قلتها! في مجتمع ونظام سياسي، لم يمارس ثقافة “الشيتة ” كما تسمى في الجزائر بهذا الشطط إلا حديثا، على الأقل بشكلها القبيح الذي يعاينه المواطن في السنوات الأخيرة. انتخابات رئاسية أصبحت تخيف الجزائريين أكثر فأكثر، لأنها تذكرهم بأزمة نظامهم السياسي التي يحاولون نسيانها، مدة خمس سنوات لم تنجح الانتخابات في تخليصه منها، أو التقليل منها على الأقل، رغم تنظيمها بشكل دوري، منذ استقلال البلاد، بكلفة مالية باهظة ستصل إلى 416 مليون دولار، حسبما هو مخطط للرئاسيات المقبلة (50 مليار دينار) لتكون بذلك أغلى انتخابات في البلد لحد الآن، حسبما جاء في الصحافة الوطنية. انتخابات غريبة تعيشها الجزائر يتصارع فيها المتزلفون من كل نوع لتقديم الولاء، في حين أن المعني الأول بها، ساكت لا يتكلم انتخابات تربطها الذاكرة الشعبية بأزمة التسعينيات وتداعياتها الأمنية والسياسية، بُعيد الإعلان عن وقف أول مسار انتخابي تعددي، بعد المصادقة على دستور 1989. كما تذكرهم بما حصل في 1999 عندما انسحب المرشحون الستة، ليتركوا بوتفليقة كمرشح للسلطة وحده في السباق، وما ارتبط من صراع سياسي بنكهة جهوية واضحة، بمناسبة رئاسيات 2004. ليبقى الأخطر دائما، المرتبط بهذه الانتخابات الرئاسية، الذي يخيف أكثر من غيره، هو إمكانية عدم التوافق بين “أصحاب القرار” على مرشح واحد لتسويقه للجزائريين كمرشح رسمي، لما بعد بوتفليقة، كما جرت العادة حتى الآن والقذف بدل ذلك بالأزمة إلى الشارع، كما حصل أكثر من مرة في التاريخ السياسي للبلد. شارع من سماته العفوية وضعف التنظيم السياسي، بل انعدامه كليا في بعض الحالات، ما يجعله يملك قابلية كبيرة للاستعمال والتوريط السياسي. سيناريو يتخوف منه الكثير، بمناسبة هذه الانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في الربيع المقبل بكل الضبابية التي تسودها. في وقت يعرف فيه النظام السياسي تغييرات مهمة ما زالت لم تصل كلها إلى النضج، لكنها حاضرة كخلفية لا يمكن الاستهانة بها، كعوامل تفسير لحالة الاضطراب التي يعيشها هذا النظام في المدة الأخيرة، التي عبرت عن نفسها بأكثر من وجه، كتلك الاعتقالات التي مست قيادات عسكرية كبيرة بتهم الفساد أو الإعفاء من المناصب، أو ذلك الصراع السياسي بين الأذرع الإعلامية لبعض مراكز القوى، أو أزمة البرلمان الاستباقية وأساليب تسييرها القبيحة المهينة لكل المؤسسات والبلد برمته. قضايا يربطها الملاحظ الوطني والأجنبي، كما تربطها الشائعة السياسية الشعبية التي يزداد حضورها في هذا النظام السياسي المغلق، بلعنة الانتخابات هذه التي فشلت الجزائر في الإفلات منها. انتخابات رئاسية تجري في ظل تحولات سياسية يعيشها النظام السياسي من الداخل، مثل ذلك التغيير في موازين القوى بين مراكز القرار التي كانت لها الكلمة الأخيرة على الدوام في مسألة الانتخابات الرئاسية، كمخابرات الجيش على سبيل المثال، التي تبدو أقل حضورا، مقابل بروز رجال الأعمال كقوة ضغط وضعف الأحزاب التقليدي، ناهيك عن الدور الباهت الذي تقوم به المؤسسات الرسمية كالبرلمان على سبيل المثال. في حضور أقوى للقنوات التلفزيونية الخاصة، الموظفة بشكل سافر في حسم الصراعات بمناسبة الانتخابات، رغم وضعها القانوني غير الرسمي. أدوار يرفض القيام بها حتى التلفزيون العمومي، رغم تبعيته الكلية للنظام. ليكون المال السياسي هو البارز الأقوى الذي يطل برأسه بمناسبة هذه الانتخابات التي تبقى تخيف الجزائريين، لغاية تحولها فعلا إلى وسيلة تغيير سياسي وتداول للسلطة ونقاش برامجي بين المشاريع السياسية. وليست انتخابات إلهاء للمواطنين وتودد للعالم الخارجي لكسب شرعية، تبقى رغم كل ما يقال عن الانتخابات الرئاسية الجزائرية حاضرة في حالة الرئيس كشخص. لا يمكن من دونها تفسير الصلاحيات الكبيرة شبه الملكية التي يتوفر عليها في النص الدستوري وأكثر على أرض الواقع. شرعية بصلاحيات واسعة جدا، من دونها لا يمكن أن نفهم كيف تسنى له اتخاذ الكثير من القرارات المتعلقة بالتغيير على مستوى القيادة العسكرية وتحويل بعضها إلى المحاكمة، وهو في هذا الوضع الصحي، كما ظهر في آخر خرجة له وهو يترحم على أرواح الشهداء، بمناسبة عيد الثورة في أول نوفمبر/تشرين الثاني الحالي. شرعية تحصًل عليها بوتفليقة وهو على رأس السلطة، منذ عشرين سنة، استعملها أساسا لتدعيم حكمه الشخصي، على حساب المؤسسات الرسمية للدولة التي اختفى دورها تقريبا. كما بينت ذلك بشكل جلي أزمة البرلمان الأخيرة. مؤسسات لن تحسم داخلها بكل تأكيد مسألة خلافة بوتفليقة وتعيين خليفة له أو حتى التجديد له لعهدة خامسة وهو في وضع صحي حرج. حسم في الأمر ستنجزه “الأشباح” كما جرت العادة، داخل هذا النظام السياسي الذي تقوم فيه الشلل الصغيرة والأفراد بمهام المؤسسات السياسية الرسمية. حتى وإن تعلق الأمر بانتخاب رئيس الجمهورية. في غياب المواطن الخائف الذي يطلب من السماء سرًا وعلانية أن “يتفاهموا” بسرعة ولا يعرّضوا استقرار البلاد للخطر مرة أخرى، بمناسبة هذه الانتخابات التي تمنح الانطباع الكاذب بالتغيير لتكون نتيجتها الاضطراب أو الركود السياسي في أحسن الأحوال. كاتب جزائري  |
| «إسرائيل» تصعّد حربها الناعمة هل هي مؤشر لتهدئة أم لانفجار؟ Posted: 04 Nov 2018 01:09 PM PST الصراعات على أشدها في دول غرب آسيا، من الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط إلى الشواطئ الجنوبية لبحر قزوين. احتدامُ الصراعات يجد ترجمته في الحرب الناعمة التي تلف دول الإقليم بدرجات متفاوتة من الحدّة. فهل تصعيدها وسيلة ضغط لتوليد حاجة إلى التفاوض؟ أم هي مؤشر لانفجار ينذر بسخونة غير مسبوقة؟ ثمة صراع بين تركيا وسوريا في إدلب غرباً وفي الحسكة شرقاً، أمام عيون مترقّبة ومتربّصة لامريكا وروسيا، لكسب ولاء كرد سوريين، تتوزّع سياسات وممارسات قياداتهم، بين انحياز بعضها إلى تركيا وتحالف بعضها الآخر مع أمريكا، وارتباط غالبية الناس بإرضهم وبالتالي بموطنهم ودولتهم سوريا. ثمة صراع بين أمريكا (ومن ورائها “إسرائيل”) وإيران، امام عيون مترقبة في عالم العرب، كما في روسيا ودول أوروبا وآسيا، لتأمين مصالح شتى الدول والشعوب المتضررة من الحرب التجارية التي تشّنها امريكا ضد الجميع، والعقوبات التي تخصّ بها ايران أكثر من غيرها. ثمة صراع على الحقوق والمصالح والمصائر بين “إسرائيل” (ومن ورائها أمريكا) وسوريا وقوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية، التي تدعمها ايران علناً وروسيا ضمناً أمام عيون مترقبة في العالم أجمع. كل من هذه الصراعات مرشح لمزيد من التصعيد الهادف إلى تحقيق تهدئة وبالتالي تسوية سياسية، أو إلى انفجار، وبالتالي إلى انحدار من حال حربٍ ناعمة محتدمة إلى أخرى ساخنة محتملة. أشدُّ الحروب الناعمة احتداماً وخطورة تلك التي تشنّها “إسرائيل”على الامة عموماً، خصوصاً على سوريا وإيران، وعلى قوى المقاومة العربية التي تجد نفسها في خندق واحد معهما. هذه الحرب جرى تصعيدها باعتداء “إسرائيل” على سوريا وتسبّبها بإسقاط طائرة استطلاع روسية منتصفَ شهر سبتمبر/أيلول الماضي، الأمر الذي أدى إلى قيام روسيا بترفيع قدرات الجيش السوري بتزويده منظومة دفاعٍ جوي من طراز S-300. إذ حدّت المنظومة الدفاعية المتطورة وآليات التحرّي والاستطلاع والتصويب الملحقة بها من هامش المناورة أمام سلاح الجو الإسرائيلي، واقترن ذلك بموقف سياسي أشد تصلباً، فقد اندلعت في الكيان الصهيوني مناقشة مستفيضة حول ما يمكن أو يقتضي عمله لاستعادة فعالية الردع الإسرائيلي. لعل أبلغ تعبيرٍ عن المناقشة الجدّية الدائرة تجلّى في مقالتين: الاولى لايال زيسر، نائب رئيس جامعة تل ابيب، في “يسرائيل هيوم” (2018/10/28) والثانية لاوفيك ريمر، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي، “مباط عال” (2018/10/23). يرى زيسر، خلافاً لادعاءات الناطقين العسكريين، فإن لا عمليات لسلاح الجو الإسرائيلي في السماء السورية بعد قيام الروس بتزويد الجيش السوري منظومة S-300، وأن روسيا لا تعتبر إيران تهديداً وأن وجودها في سوريا لا يشكّل مشكلة لها، وأن إيران ما زالت تالياً موجودة في سوريا وتتجذّر. لمواجهة هذا الواقع يدعو زيسر “إسرائيل” إلى “أن تفكر من جديد في تغيير التوجّه بالعودة إلى سياسات الماضي، واساسُها تدفيع ثمن باهظ ليس فقط للضيف (ايران) بل ايضاً للمضيف، اي بشار الأسد”. دول تترقب لتأمين مصالحها المتضررة من الحرب التجارية التي تشّنها أمريكا ضد الجميع، والعقوبات التي تخصّ بها إيران ريمر يرى أن حزب الله أفلح في ترسيخ معادلة ردعٍ في مواجهة “إسرائيل” بعدما نجح، باعتراف رئيس الاستخبارات العسكرية، بإقامة مشروع إنتاج صواريخ في لبنان وتحويلها إلى نماذج أكثر دقة في التصويب، وبالتالي أكثر فعالية. وإذ يؤكد ريمر على أن اسلوب الرد الاسرائيلي في هذه المرحلة لم يؤدِ إلى حمل المجتمع الدولي ولا ايران ولا لبنان على وقف مشروع حزب الله لإنتاج الصواريخ الدقيقة، فإن “إسرائيل” “ستضطر إلى المجازفة من أجل خلق تهديد موثوق به والتلميح إلى تصميمها على إزالة الخطر الإستراتيجي، من خلال توجيه إنذارات تتضمن تهديداً واضحاً بالقيام بعملية عسكرية في لبنان، أو بضربة وقائية ضد مواقع الإنتاج المعروفة في أراضيه، مع ما يعنيه ذلك من مخاطر تصعيد يؤدي إلى مواجهة عسكرية واسعة”. زيسر وريمر يلتقيان، اذن، على ضرورة قيام “إسرائيل” بتدفيع عدوها، حزب الله، كما “المضيفَين”، لبنان وسوريا، ثمناً باهظاً لاستضافته. فهل حكومة نتنياهو ورئيس اركان جيشها الجديد الجنرال افيف كوخافي في وارد اعتماد هذه “النصيحة” الخطيرة؟ ظاهر الحال يشير إلى العكس. فنتنياهو ما زال حريصاً ومنشغلاً بالحصول على موعد للاجتماع ببوتين، رغم تهرّب الرئيس الروسي منه بشكلٍ ملحوظ، غير أن عدم اللقاء مع بوتين لا يمنع رئيس الحكومة الإسرائيلية من العمل والمناورة في مجالات اخرى. فقد أفاد تقرير تلفزيوني بثته قناة “حاداشوت” الاسرائيلية أن الشبكات السيبرانية الإستراتيجية الايرانية، تعرضت قبل ايام لهجوم بعد ساعات من كشف الدولة العبرية اشراكها الدنمارك في معلومات عن “مؤامرة” ايرانية للقضاء على معارضين ايرانيين على الاراضي الدنماركية ما ادّى إلى قيام كوبنهاغن باستدعاء سفيرها في طهران. التقرير التلفزيوني الإسرائيلي تساءل ايضاً : “هل تذكرون فيروس “سنكسنت” الذي اخترق حواسيب (الكومبيوتر) القطاع النووي الإيراني؟” وكان الجنرال سردار غلام زاده جلالي، رئيس وكالة الدفاع المدني في ايران، صرح بأن بلاده عطلّت نسخة جديدة من “سنكسنت”. وقبل ذلك، أقرّ الجنرال جلالي بأن هاتف الرئيس حسن روحاني تعرّض للتنصت، وانه جرى تزويده هاتفاً لا يمكن التنصت عليه. ترى، هل استجابت القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية لدعوة زيسر وريمر إلى شن ضربة وقائية ضد اعداء “اسرائيل”؟ أم هل تراها قامت بتصعيد حربها الناعمة المحسوبة على نحوٍ قابلٍ للتحويل إلى تهدئة أو إلى انفجار؟ ربما، لكن من الواضح أن الضربة السيبرانية الإسرائيلية جاءت محدودة الفعالية بدليل أن إيران واجهتها دونما أضرار تذكر، وإلاّ لكانت تل أبيب تغنّت بها بضجيجٍ وصخب. كاتب لبناني  |
| اليمن… هدية سعودية جديدة لإيران Posted: 04 Nov 2018 01:08 PM PST الشروط التي وضعها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو للبدء بمسار إنهاء الحرب التي يشنها التحالف العربي بقيادة السعودية على اليمن لم تكن غريبة، إذا ما قورنت بالتسريبات التي تحدثت عن طلب سعودي من إيران بوقف الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيرة التي تشنها جماعة «أنصار الله» بقيادة عبدالملك الحوثي على الداخل السعودي، مقابل وضع حد لهذه الحرب التي استمرت لنحو أربع سنوات. وإذا ما صحت هذه التسريبات، فمن غير المستبعد أن تكون تسريبات أخرى صحيحة أيضا، التي تتحدث عن وفد سعودي يزور العاصمة الإيرانية طهران، بتوجيه من ولي العهد محمد بن سلمان، لبحث الخروج من الحرب اليمنية بضمانات إيرانية تتمحور حول التزام إيران بالضغط على حلفائها اليمنيين بعدم استنزافها لاحقا بعد الانسحاب، من خلال استمرار جماعة الحوثي بعملياتهم خلف الحدود اليمنية ـ السعودية. ما تحدث عنه الوزير الأمريكي بومبيو عن إطلاق مسار تفاوضي بداية الشهر المقبل ديسمبر/ كانون الأول، تحدث عنه زميله وزير الدفاع جيمس ماتيس بشفافية أكثر، عندما طالب بوقف العمليات العسكرية بالطائرات المسيرة، ليس فقط ضد السعودية، بل أيضا ضد دولة الامارات العربية المتحدة. الأمر الذي شكل بحد ذاته اعترافا دوليا بأن جماعة الحوثي استطاعت استهداف العمق الاماراتي بطائرات مسيرة متفجرة، وأن ما سبق وأعلنه الحوثيون عن استهداف كل من العاصمة الاماراتية ابو ظبي وإمارة دبي ومطاريهما لم يكن ضربا من المبالغة، أو للاستهلاك الإعلامي وشحن المعنويات «المنهارة» لدى هذه الجماعة. وتبين أن ما تم نفيه بشدة في المرحلة السابقة كان حقيقة. وبالمنطق العسكري «العربي»، فإن تصاعد العمليات العسكرية داخل اليمن، خصوصا تلك التي تقودها الإمارات لم تكن سوى ردة فعل على استهداف الداخل الإماراتي، إضافة الى الحاجة لدى دول التحالف بضرورة تحقيق إنجاز ميداني قبل أي عملية تفاوضية يفرضون توقيتها ومسارها وأبعادها ونتائجها. تسريبات عن زيارة وفد سعودي لطهران، بتوجيه من محمد بن سلمان، لبحث الخروج من الحرب اليمنية بضمانات إيرانية الجانب الإيراني، الذي يحاول أن يكون متماسكا على اعتاب بدء تطبيق الحزمة الثانية من العقوبات الامريكية، التماسك الذي عبر عنه الرئيس الايراني حسن روحاني بأن العقوبات لن يكون لها أي أثر على ايران التي اعتادت على العقوبات الامريكية. يعتقد (الايراني) أن الحالة التي تواجهها السعودية بعد أزمة قتل جمال خاشقجي وتورط مسؤولين سعوديين كبار من الدائرة اللصيقة بولي العهد محمد بن سلمان في هذه العملية، قد تفرض على القيادة السعودية الدفع بأحد الملفات التي تشغل المنطقة والرأي العام العالمي بشكل كبير الى الواجهة – وليس أكثر من الملف اليمني والحرب عليه تستنزف دول التحالف وتنطبق عليه هذه المواصفات- ما قد يسهم في الحد ولو قليلا من التركيز على جريمة خاشقجي وتداعياتها. وأن مجمل هذا التطورات ستكون مريحة لإيران، إن لم تكن في صالحها وتسهم في تكريس دورها وموقعها الاقليميين، وبالتالي تفرضها شريكا بالفعل في أي حل محتمل للملف اليمني. ما يعني ان «بازارا» من المساومات سيكون مفتوحا مع الامريكي ستوظفها طهران، على الاقل، في إفراغ العقوبات الامريكية المتجددة من أهدافها وفعاليتها. وتعتقد أوساط ايرانية، أن جهود الرئيس الامريكي دونالد ترامب ستنصب في المرحلة المقبلة وبعد الانتهاء من ملف الانتخابات النصفية الامريكية، لانقاذ محمد بن سلمان، على الرغم من كل المواقف التي يلوح بها ضد السعودية في حال التثبت من دورها في جريمة قتل جمال خاشقجي. وأن هذه الجهود لا تقتصر فقط على ترامب، بل تشمل كل الدول الغربية الداعمة لابن سلمان. وما اختيار الملف اليمني، وإنهاء الحرب السعودية على هذا البلد إلا مسعى لتحويل الأنظار عن الأزمة السعودية نحو أكثر الملفات الضاغطة على ولي العهد ووزير الدفاع، وأن وضع هذا الملف على سكة الحل يسهم في التخفيف من الضغوط المضاعفة التي يواجهها الامير السعودي، خصوصا ان تشعب الملفات الداخلية والخارجية التي فتحها ولي العهد قد توفر الارضية المناسبة لخصومهم للدفع باتجاه الانقلاب عليه. من هنا، وحسب الاعتقاد الايراني، يأتي التحرك الغربي لإنهاء الملف اليمني، وقد لا تقف هذه المساعي عند حدود صنعاء، بل قد تتوسع لتشمل إعادة العلاقات مع العاصمة القطرية الدوحة وإنهاء الحصار المفروض عليها. وترى طهران أن الخيار الأكثر احتمالا لتداعيات موت جمال خاشقجي واثره على حرب اليمن، هو ان السعودية ستكون في المرحلة المقبلة في مواجهة ازمات كثيرة، وان الدول الغربية ستكون تحت ضغط الرأي العام، ولن تكون قادرة في المدى القصير على الاستمرار في تقديم الدعم العسكري للسعودية. وهذا لا يعني أن الدول الغربية ستترك ابن سلمان وحيدا في حرب اليمن، انطلاقا من عدم تخليها عن السعودية ومن أجل الحفاظ على مصالحها في هذا البلد. لكنها في المقابل ومن أجل الوصول إلى هذه الأهداف البعيدة، ستكون مجبرة على اتخاذ بعض الإجراءات العقابية المحدودة ضد ولي العهد تنعكس على الملف اليمني وتخفيف الضغوط الدولية عليه. وتعتقد الاوساط الايرانية أن الدفع الامريكي وخلفية المواقف التي اطلقها وزير الخارجية بومبيو ووزير الدفاع ماتيس ليست مصالح الشعب اليمني، بل بالدرجة الاولى تحسين وتجميل صورة إدارة ترامب على ابواب الانتخابات النصفية للكونغرس، وفي الدرجة الثانية التخفيف – بعد قتل خاشقجي – من الضغوط المتعلقة بدعم ترامب لابن سلمان في هذه الحرب. كاتب لبناني  |
| سرقة وطن… Posted: 04 Nov 2018 01:00 PM PST |
| فرصة العراق الذهبية Posted: 04 Nov 2018 01:00 PM PST أفرزت الانتخابات الأخيرة إحباطات هائلة لدى عموم الشعب العراقي إذ كان حجم المقاطعة يزيد عن ثمانين في المئة بالإضافة إلى مظاهرات العيش الكريم التي قادها أهل البصرة التي ترجع ثروات العراق النفطية إلى مناطقهم. لقد فهم العراقيون بأنهم أضحوا ضحية لمؤامرأ اخرجته من اتون دكتاتورية الفرد الواحد إلى دكتاتورية الطوائف والأعراق مما أنتجت لنا قواعد جديدة لم يكن العراقيون يفكرون بها يوما ما. لقد وجد العراق نفسه قد وقع في نظام متخلف يرجع إلى العصور الوسطى إثر انهيار مفهوم الوطنية واستبداله بالمحاصصة الطائفية والقومية والحزبية والنخبوية المنتقاة من قبل المحتل. فإذا كان العراق في وقت النظام البعثي البائد يعتمد على الحزبية والكفاءة فإن عراق اليوم بات يعتمد على الطائفية والحزبية والعرقية. في ظل هذه الأوضاع الاستثنائية وغياب ركائز الدولة المدنية وسيطرة الميليشيات والقوى الأجنبية على القرار العراقي المستقل جاء انتخاب رئيس الوزراء العراقي الجديد. كما ان العراقيين يعرفون تماما بأن رئيس الوزراء الجديد جاء بمعية الاحتلال وتعايش مع جميع حكوماته وكان عنصرا فعالا في رسم سياساته الوطنية والعربية والإسلامية والدولية واستوزر وزرارت سيادية كثيرة. لكن الظروف الدولية اليوم ومنصبه الجديد تؤهله إن أراد رسم مسار وطني عراقي سلمي مستقل، في وقت باتت أمريكا وإيران لا تمانعان من التخلص من عبء الملف العراقي العسير والمتقلب والمثير للجدل منذ خمسة عشر عاما. نعتقد بأن هذه الظروف هي الفرصة الأخيرة المتاحة وأن هذا الشخص هو المناسب الذي خبر وعايش الاحتلالات والتدخلات الأجنبية في العراق. فوق ذلك فهو يمتلك الدراية بالواقع العراقي وله الكفاءة المهنية لقيادة العراق لبر الأمان شرط امتلاكه الشجاعة والتحرر من ضغوطات الأحزاب الفاسدة وحيتانها. قد تكون هذه هي الفرصة الأخيرة لوطننا للخروج من المأزق الذي وضعنا الاحتلال ووكلاؤه فيه. إن هذه التحديات العصيبة التي مرت على العراق إثر الغزو الأمريكي وفشل نخب المحتل الذين حكموه منذ عام 2003 حتى الآن قد هدمت أركان الدولة وحلت القوى الأمنية كالجيش والشرطة. ولعل أخطرها فتكا تمزق الروابط الاجتماعية بين السنة والشيعة وتقسيم شعبنا الواحد إلى مكونات طائفية وقومية شيعة وسنة وأكراد. ثم رسخت بدعة المحاصصة الطائفية والقومية والحزبية والنخبوية على جميع مفاصل الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية. انتشر بعدها الفساد الإداري والمالي وسرقت المليارات من قبل قادة العملية السياسية. تخلف العراق بحيث خربت معالمه التي بنيت منذ الاستقلال عن بريطانيا عام 1921 حتى هذه اللحظة. منذ خمسة عشر عاما فرضت مفاهيم متخلفة لا تنتمي إلى عصرنا الحالي مذهبية وعشائرية وحزبية وأنانية. هذه القرارات المفروضة هدمت البلاد وأهلكت العباد وقضت على أسس بناء الدولة المدنية الحديثة. ينبغي ألا نكون سلبيين على الدوام ونقول على الرغم من الظلم والتهميش والتخلف فإن لرئيس الوزراء العراقي الجديد فرصة ذهبية لتغيير المسار بدون الكثير من التضحيات على المجالين الدولي والعراقي. فالدولة المحتلة أمريكا في ظروف أصبح الملف العراقي ليس من أولوياتها وإيران مستعدة لتقديم تنازلات شبه مجانية للحفاظ على استمرارية نظام حكمها والسعودية وتركيا وسوريا لديها من المشاكل المتعددة ما يغنيها عن الالتفات إلى العراق. أما على النطاق العراقي فلا يزال شعبنا يطالب بالإصلاحات سواء من خلال مظاهرات البصرة أو بغداد ولا تزال فرصة الإصلاح الاقتصادي بمتناول رئيس الوزراء العراقي في ظل ارتفاع أسعار النفط. يجب ألا ننسى أيضا أن شعبنا قبر الطائفية ولا يريد العودة إليها بعد أن استوعب الدرس. إن رئيس الوزراء العراقي الجديد أمامه فرصة ممكنة للإصلاح، فهو رجل سياسي واقتصادي ولم يمتلك أسلافه من علاوي والجعفري والمالكي والعبادي من ثقافة رصينة ومتوازنة كالتي بحوزته. لم يبق له إلا أن يختار وزراء متخصصين ويخرج من ضغوطات الأحزاب والميليشيات والفاسدين. إنها الفرصة التاريخية بالنسبة له وللعراق، فهو يعرف قواعد اللعبة ورأى آثار فشلها التدميري ولم يأت من خارج السرب. ونقول أن فرص النجاح متوفرة الآن له دون غيرة ولمرة واحدة وإن غدا لناظره قريب كاتب عراقي  |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق