| عقوبات ترامب لا تعفي أمريكا من العواقب الوخيمة Posted: 05 Nov 2018 01:15 PM PST بمناسبة الحزمة الثانية من العقوبات التي أعادت الولايات المتحدة فرضها ضد إيران، بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق الأممي حول برنامج طهران النووي، تفاخر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن إجراءات العقاب هذه كان لها «تأثير مدمر على الاقتصاد الإيراني»، وأن العملة الوطنية انخفضت بنسبة 70٪، وارتفع التضخم إلى معدل 37٪، و«بدأ الركود يهدد الاقتصاد الإيراني». وقد تكون هذه وسواها من التأثيرات المباشرة صحيحة بالفعل، بل يُنتظر لها أن تتفاقم أكثر بعد أن دخلت الحزمة الثانية حيز التنفيذ، خاصة وأنها تطال هذه المرة قطاعات النفط والطاقة والمصارف والشحن، وبناء السفن، وتشمل أكثر من 600 شخص ومؤسسة في إيران. كذلك تنطوي الحزمة الجديدة على مزيد من أشكال التقييد والعقاب على مختلف الشركات العالمية التي تتعامل مع الاقتصاد الإيراني. ومن المثير للغرابة أن يعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن من أهداف الحزمة الجديدة دفع إيران إلى الدرجة صفر من تصدير النفط، وفي الآن ذاته يكشف النقاب عن قرارات أمريكية بإعفاء ثماني دول من قيود استيراد النفط الإيراني. فإذا اتضح أن اللائحة تضم الصين والهند وإيطاليا واليونان واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وتركيا، فكيف يمكن إذن تحقيق تلك الدرجة صفر، في ضوء الاقتصادات الصناعية العملاقة التي تملكها الصين واليابان والهند مثلاً؟ وما الذي يتبقى حقاً من قوة ردع في الحزمة الجديدة، إذا كرت السبحة وتعاقبت الإعفاءات؟ في الأساس هل أفلحت الحزمة السابقة، ومجمل استراتيجية العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة ضد إيران منذ سنوات طويلة، في تحقيق الهدف المعلن من وراء تطبيقها، أي إجبار طهران على التخلي عن برنامجها النووي تماماً (من حيث الهدف المعلن)، وتغيير طبيعة النظام السياسي عن طريق مضاعفة مصاعب الحياة اليومية (وهو الهدف الحقيقي)؟ الجواب هو النفي بالطبع، كما تشهد 19 حزمة سابقة من العقوبات، نجحت حقاً في إثقال كاهل المواطن الإيراني بالمزيد من مشاق العيش، ولكنها لم تفت في عضد النظام بقدر ما زادت من تغوله داخلياً وتوسيع نفوذه إقليمياً، عدا عن تقوية شوكة المحافظين وآيات الله المتشددين. في المقابل فإن هذه الاستراتيجية عمقت الخلافات بين واشنطن وشركائها في التفاوض على «خطة العمل الشاملة المشتركة» الخاصة ببرنامج إيران النووي، والتي أبرمت في سنة 2015 مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، كما خلقت مشكلات جدية مع الغالبية العظمى من حلفاء الولايات المتحدة، وخاصة في ميادين التصنيع والتعدين والطاقة. ومن عجب أن ترامب، الذي لا يريد إلغاء عقود الـ110 مليارات مع السعودية كي لا تذهب إلى روسيا والصين، يضيّق الخناق على الاقتصاد الإيراني فيسلمه لقمة سائغة إلى هاتين الدولتين وسواهما. الحزمة الجديدة من العقوبات هي انتهاك للقانون الدولي، مثل سابقاتها، ولكنها قبل ذلك امتداد لسياسات الانعزال والغطرسة التي يعتمدها الرئيس الأمريكي منذ وصوله إلى البيت الأبيض. صحيح أن آثارها تشمل العالم بأسره، ولكن من الصحيح أيضاً أنها لا تعفي الولايات المتحدة ذاتها من العواقب الوخيمة.  |
| مصر: عن يناير 2011 كعلاج خاطئ Posted: 05 Nov 2018 01:14 PM PST خلال الأيام القليلة الماضية كرر الرئيس المصري أكثر من مرة وفي سياقات متنوعة توصيف الانتفاضات الديمقراطية التي اجتاحت بلاد العرب في 2011 كعلاج خاطئ لتشخيص خاطئ. في ندوة تثقيفية للقوات المسلحة وفي لقاءات مع سياسيين أوروبيين وفي حوارات علنية نقلت وقائعها إعلاميا، نسب إليه أو قال هو نصا إن «أحداث 2011» أعادت مصر إلى الوراء لكونها استندت إلى تشخيص خاطئ للأوضاع السابقة عليها وقدمت علاجا خاطئا بالإصرار على «إسقاط النظام» وعرضت الدولة والمجتمع لمخاطر جمة لم تتراجع حدتها بعد. لم يقتصر الحديث على مصر فقط، بل نسب إلى الرئيس السيسي أيضا التأكيد أن 2011 أسفرت عن نتائج مدمرة في بلدان مثل سوريا وليبيا واليمن التي أودي باستقرارها وتحتاج لسنوات طويلة لكي تعيد بناء مؤسسات الدولة الوطنية ولمئات المليارات من الدولارات لإعادة إعمار مجتمعات هدمت. وللإصرار الرئاسي على توصيف 2011 «كأحداث شكلت علاجا خاطئا استند إلى تشخيص خاطئ» دلالات كاشفة لمضامين الرؤية الرسمية الراهنة لقضايا الحكم وللمطالب الشعبية في مصر تستحق التوقف أمامها. من جهة أولى، تستبدل كلمة «أحداث» بكلمات مثل الثورة والانتفاضة والحراك الديمقراطي والربيع العربي حين الإشارة إلى خروج قطاعات واسعة من المواطنين إلى الفضاء العام في يناير 2011 داعين إلى تغيير نظام الرئيس الأسبق مبارك والتأسيس للتداول السلمي للسلطة ولصون حقوق الإنسان والحريات. وخلف الاستبدال اللغوي تتوارى العديد من المعاني التي إما يجرد منها يناير 2011 أو تلصق به قسرا لكي تشوه صورته في المخيلة الجماعية للشعب المصري. هكذا، تلغي كلمة «أحداث» مكون المطالبة الشعبية الواعية بالتحول الديمقراطي التي شارك فيها الملايين بين 25 يناير و11 شباط/ فبراير 2011 لأن «الحدث» لغويا هو فعل عفوي أو تلقائي أو مفاجئ لا حراك منظم يسبقه ولا مطالب واضحة توجهه. هكذا أيضا، وبالنظر إلى سوابق توظيف كلمة «أحداث» في الخطاب الرسمي للحكم في مصر، يفرض على يناير 2011 مضمونا فوضويا وإجراميا وخارجا على القانون وتشرع الأبواب لمقارنته على سبيل المثال بأحداث «18 و19 يناير 1977» (انتفاضة الخبز التي أسماها الرئيس الأسبق السادات انتفاضة الحرامية ومثلت في الجوهر احتجاجا شعبيا على الغلاء وسياسات اقتصادية همشت الأغلبية محدودة الدخل) وأحداث «الأمن المركزي 1986» (عنف بعض مجندي الشرطة من فقراء المصريين الذين تظاهروا ضد أساليب معاملة غير إنسانية عانوا منها وتورطوا في احتجاجات عنيفة). بالقطع، شهد يناير 2011 عنفا هنا وهناك (ضد أقسام الشرطة وأمامها وفي السجون وخارجها وفي مواقع أخرى). غير أنه لم يكن عنفا شعبيا فقط، بل كان العنف الرسمي أسبق بداية وأكثر منهجية وأشد وطأة (ما سمي في 2 شباط/ فبراير 2011 بموقعة الجمل نموذجا). ويستحيل موضوعيا إنكار الطبيعة السلمية الغالبة للأيام الـ 18 يناير 2011 كما وثقتها الحشود الكبيرة في شوارع وميادين المدن المصرية وكما انتهت بالإخلاء الطوعي للفضاء العام ما أن استقال الرئيس الأسبق مبارك. ما يستحيل تجريد يناير 2011 منه وما يتعذر إلصاقه به موضوعيا، تدفعه إلى الواجهة كلمة «أحداث» التي يشي بالإصرار الرئاسي على استخدامها في 2018 برغبة رسمية في تجريم الانتفاضة الديمقراطية والمرادفة بينها وبين الفوضى في مخيلة الناس. نحن أمام تجريد شامل لـ يناير 2011 من كل مضمون إيجابي، وفرض للإدارة غير الديمقراطية لشؤون البلاد باسم الحماية من جحيم خروج الناس إلى الفضاء العام، وإحالة المواطن إلى خانات التبعية والانتظار. من جهة ثانية، يكشف توصيف يناير 2011 وغيره من الانتفاضات الديمقراطية «كعلاج خاطئ» عن قناعة سائدة داخل الدوائر الرسمية في مصر تختزل بمقتضاها المطالب الشعبية بالتغيير إلى أفعال ضارة ومرفوضة يتعين منعها إن بإقناع الناس بعدم جدواها أو بإجبارهم على الابتعاد عنها. في الخطاب الرئاسي، تلحق بتوصيف العلاج الخاطئ عبارات مكملة مثل «الوعي المنقوص والمزيف هو العدو الحقيقي» (ندوة تثقيفية للقوات المسلحة عقدت في 11 تشرين الأول/أكتوبر الماضي)، «التكلفة الإنسانية والمالية والأخلاقية التي دفعتها الدول التي دخلت في أزمات الأعوام الماضية أكبر بكثير من التكلفة التي كانت ستدفعها لو استمرت الأوضاع بدون تغيير» (تصريحات على هامش منتدى شباب العالم المنعقد حاليا في مدينة شرم الشيخ)، «ما حدث في 2011 كان تحركا غير مدروس تم بحسن نية… فتحنا أبواب الجحيم على بلادنا عندما تصورنا أننا قادرون على تغيير واقعنا، وكلامي هذا لا يعني السكوت على الخطأ، لكن الأمور في معظم الأحيان تخرج عن السيطرة» (تصريحات على هامش منتدى شباب العالم). حين ينظر إليها معا، نصبح إزاء قناعة رسمية تخاطب المصريين صراحة كجموع ذات وعي منقوص أو مزيف دفعها مزيج من حسن النية والتحرك غير المدروس إلى إلحاق بالغ الضرر بالبلاد حين رفعت مطالب التغيير في 2011. ثم يؤسس على ذلك التوجه إما إلى مطالبة جموع المصريين «حسنة النية» بالاستقالة من طلب التغيير والاكتفاء بالتعويل على الحكم القائم لمعالجة الأزمات والأخطاء القائمة لأن جحيم فوضى التغيير الشعبي (في الخطاب الرئاسي «خروج الأمور عن السيطرة») أخطر على الدول والمجتمعات من كل شيء آخر أو تحذير الناس من عواقب «التورط مجددا في أحداث كأحداث 2011» لأن «الدولة المصرية» لن تقبل بتكرارها. المراد من توصيف يناير 2011 كعلاج خاطئ هو إعادة المواطنين إلى خانات التبعية لنظام الحكم القائم، ودفعهم إلى التسليم باحتكار الرئيس ومعه حكومته والمؤسسات والدوائر الرسمية لكامل القدرة على إدخال تغيرات إيجابية ومنظمة لمواجهة الأزمات القائمة، ومن ثم إقناعهم طوعا بالامتناع عن طلب التغيير نظرا لعواقبه الوخيمة وتحذير رافضي الاقتناع من مغبة أفعالهم الضارة والمرفوضة. وليس من وراء هذه القناعة الرسمية التي يدلل عليها الخطاب الرئاسي الراهن في مصر سوى النزوع لإدارة شؤون الحكم والسياسة والمجتمع بعيدا عن مشاركة الناس والتوجس من المطالب الشعبية التي لا يراد لها أن ترفع مهما اتسمت بالطبيعة السلمية ومهما نتجت عن أزمات وأخطاء حقيقية. فالأخيرة ينبغي أن تترك للرئيس وحكومته، هم المعنيون بمواجهتها وتوفير الحلول الفعلية بدون الفوضى التي يأتي بها خروج الناس إلى الشوارع وأبواب الجحيم التي تفتحها الثورات والانتفاضات. في الخطاب الرئاسي «خروج الأمور عن السيطرة» أخطر على الدول والمجتمعات من كل شيء آخر أو تحذير الناس من عواقب «التورط مجددا في أحداث كأحداث 2011» لأن «الدولة المصرية» لن تقبل بتكرارها. من جهة ثالثة، يدلل توصيف يناير 2011 كحصيلة «تشخيص خاطئ» على حضور قناعة رسمية أخرى مفادها أن تغيير نظام الرئيس الأسبق مبارك لم يكن ما احتاجته البلاد أو استدعته ظروفها آنذاك. ولأن الحكم الراهن وعلى لسان رئيس الجمهورية ومسؤولين آخرين دأبوا على الإشارة إلى سوء أوضاع البلاد قبل 2011 (عبارة «شبه الدولة» مثالا)، يصعب موضوعيا أن يفسر «التشخيص الخاطئ» هنا كتعبير عن تقييم إيجابي للحقبة المباركية. الأرجح أن المقصود هو أن البلاد كانت تسير في اتجاه سياسي غير صائب (اقتصاديا واجتماعيا يتبنى الحكم الراهن اختيارات السنوات الأخيرة لحكم الرئيس مبارك)، وكانت في حاجة إلى «تغيير منظم» في أعلى قمة حكمها بالإزاحة السلمية والهادئة للرئيس الأسبق. الأرجح كذلك أن المقصود هو أن مثل ذلك التغيير المحدود في القصر الرئاسي كان كفيلا بإخراج مصر من أزمات ما قبل 2011، بدون أن تضطر الدولة ويضطر المجتمع لتحمل «جحيم» يناير 2011 وكلفته الباهظة. تلك، إذا، أيضا قناعة رسمية تستهدف إعادة المواطنين إلى خانات التبعية والانتظار بدون مطالب أو حراك حتى في لحظات التأزم السياسي الطاغي (تذكروا الانغلاق الكامل لنظام مبارك في أعقاب انتخاباته البرلمانية الأخيرة 2010)، وتريد إقناعهم بالابتعاد حتى عن المطالبة ببعض الإصلاحات واضحة المعالم والحدود (تذكروا أن يناير 2011 بدأ بالمطالبة بإقالة وزير الداخلية الأسبق فقط). ليترك المصريون أمر بلادهم حتى حين يتدهور بشدة للمؤسسات والدوائر الرسمية لكي تبحث لهم عن مخارج آمنة وتجنبهم شرور أنفسهم بوعيهم المزيف وشرور المطالب الشعبية غير المدروسة. نحن أمام تجريد شامل يناير 2011 من كل مضمون إيجابي، وفرض للإدارة غير الديمقراطية لشؤون البلاد باسم الحماية من جحيم خروج الناس إلى الفضاء العام، وإحالة المواطن إلى خانات التبعية والانتظار. وهذه رؤية سلطوية لا تعدم التأييد الشعبي في مصر ولا تقتصر بحال من الأحوال على حكمها الراهن، بل تمتد إلى خارج برها باتجاه إقليمنا الذي يواصل الاستبداد استيطانه في مواقع عديدة. ولن ينجح الديمقراطيون، ولا أصحاب النفس الإصلاحي الحقيقي داخل المؤسسات والدوائر الرسمية في مواجهة مرادفة مطالب التغيير الشعبية بالفوضى سوى بالبحث عن إجابات صريحة وموضوعية بشأن سبل إنجاز التحول الديمقراطي مع الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار إن بعد الانتفاضات الديمقراطية أو دون الولوج إلى غياهبها الصعبة وبالفعل غير مضمونة العواقب. كاتب من مصر  |
| صورة السلطان قابوس في حضرة رئيس وزراء «المستوطنة» Posted: 05 Nov 2018 01:13 PM PST كيف نقرأ صورة السلطان قابوس، الواقف منكمشا، في قصره، في العاصمة مسقط، مع نتنياهو، رئيس « مستوطنة إسرائيل»، إزاء خارطة غير واضحة المعالم رغم كونها مضيئة؟ ما هي دلالاتها بالنسبة إلينا، كمتلقين لخبر « سري» فاحت رائحته، وكشعوب تؤمن بالعدالة وحقها القانوني والأخلاقي، بمقاومة الظلم؟ ما الذي تعنيه صورة كهذه ودلالاتها لأبنائنا، لجيل شباب باحث عن قدوة تحتذى، في خضم سرعة تصنيع الهويات، التي تضاهي سرعة إعداد وجبة مكدونالد؟ تتناول الأسئلة، أيضا، كيفية استخدام الصورة من قبل وسائل الإعلام الإخبارية التابعة للسلطة في تشكيل الأخبار والسياسة والرأي العام. كما تنظر، في حال الاحتلال الاستيطاني وحملة التطبيع الرسمية العربية المكثفة، أخيرا، بمسميات مختلفة، عما إذا ستكون دلالات الصور المنشورة جزءا من سيرورة الحملة الصليبية المسماة « خطة القرن أو السلام»، دفعا للخطيئة الأزلية التي يحملها الغرب الأوروبي ويحاول من خلالها تنظيف نفسه من عار « الهولوكوست» الذي ارتكبه ثم جعل من أرض فلسطين وشعبها قربانا لنيل الغفران. ليصبح «الهولوكوست» الغربي أداة تسويغ لتطهير عنصري، ممنهج، ضد السكان الأصليين فيما يريدون تحويله إلى «مستوطنة إسرائيل». المستوطنة العنصرية حيث « الكل متساوون إلا أن البعض أكثر مساواة من غيرهم» كما يذكر الكاتب الإنجليزي جورج اورويل في روايته الشهيرة «مزرعة الحيوانات». بالنسبة إلى صورة السلطان. كلنا يعرف أهمية الصورة وكيف أنها، تتجاوز، أحيانا، الخطب والتحليلات، وتختزل في لقطة واحدة، قد لا تستغرق عشر الثانية، آلاف الكلمات وحقبا زمنية كاملة. فجيفارا، بصوره، لايزال حيا بيننا، والطفلة الفيتنامية الراكضة عارية بجسدها المحروق بنابالم طائرات القصف الأمريكي، لاتزال تركض باكية ألمها في أفغانستان والعراق. وصور التعذيب في « أبو غريب» أعادت إلى الأذهان ممارسات المحتل الفرنسي في الجزائر. وأسقطت صور أطفال وشباب الانتفاضات الفلسطينية، وهم يواجهون الدبابات بحجارتهم، وبطائرات الورق، أسطورة التفوق الصهيوني. ولكن، ليست كل الصور المحفورة بالأذهان تنطق بمعاناة الناس أو تخلد فعلا شجاعا ونبيلا. فبعض الصور تسبب عكس ذلك، لذلك تحتاج صورة زيارة رئيس وزراء « مستوطنة إسرائيل»، إلى مسقط، يوم 25 تشرين الثاني/ أكتوبر، وبرفقته رئيس الموساد، قراءة خاصة تتجاوز كونها حدثا عابرا أو مجرد لقطة بروتوكول رسمي. أشير، بشكل خاص، إلى صورة السلطان واقفا مع نتنياهو إزاء خارطة مضيئة إلا أنها، وهنا المفارقة، التقطت من زاوية غيبت معالمها. تبقى دلالة الصورة الأولى والأخيرة بالنسبة إلى عموم الناس في البلدان العربية والإسلامية هي السقوط الأخلاقي الجامع بين الرجلين مهما كانت التبريرات المصاحبة لعقد اللقاءات يظهر في الصورة، الملتقطة يوم 25 تشرين الأول/اكتوبر، إذن، رجلان: أحدهما، أي السلطان، وهو الأقرب إلى عدسة الكاميرا، عجوز، ضئيل، بحاجة إلى من يسنده، يرتدي زيا وطنيا بلون غامق. استدارة وجهه نحو يمينه تزيد من ظلمة وجهه. يتكأ بيده اليسرى على طاولة أمامه، بينما يحمل باليد الأخرى عصا رفيعة، طويلة، نهايتها حمراء. اللافت للنظر أن يده تشبه جزءا من هيكل عظمي. يؤشر بالعصا على موقع في خريطة، تحتل مركز الصورة، إلا أننا لا نتمكن من رؤية تفاصيلها. يقف بجانبه رجل أصغر سنا، ممتلئ الجسد، يرتدي بدلة غربية حديثة فاتحة اللون. يضع يده اليسرى على الطاولة بقوة، ليس استنادا بل استحواذا، بينما يؤشر بيده اليمنى على مكان ما في الخريطة. يبدو نتنياهو بكامل الصحة والسيطرة على حركة جسده بالمقارنة مع الرجل الضئيل بجانبه. ملامح وجه نتنياهو واضحة وهو يبدي اهتماما فائقا بالموقع الذي يشير إليه السلطان بعصاه على الخريطة. الرجلان وحيدان تماما في عزلة مطلقة إلا من الخريطة ووجود رف من الكتب، في زاوية بعيدة من الصورة. نفهم من نظرات الرجلين أن الخريطة مهمة جدا ويبدو وكأنهما يتبادلان الحديث عنها. هل هي لحظة اقتسام الخليج العربي؟ ترى هل منح السلطان « ضيفه» ما لا يملكه ليزيد من التوسع الاستيطاني الصهيوني اليومي على حساب الأراضي الفلسطينية، في لحظة تماهى فيها الخنوع، وهو سمة يتمتع بها الحكام العرب بامتياز، مع هلعهم من أن يصبحوا أيتاما أمام شعوبهم؟ وإلا لم الخلوة؟ أين زوجة نتنياهو ورئيس الموساد، ورئيس هيئة الأمن القومي ومدير عام الخارجية يوفال روتيم، ورئيس ديوان رئيس الوزراء يؤاف هوروفيتس، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء العميد أفي بلوت؟ من الذي التقط هذه الصورة المهينة عمدا حيث تم تقديم السلطان بشكل قلما يراه الآخرون؟ إنها، إذا استعرنا مقولة سوزان سونتاج عن التصوير «جريمة قتل ناعمة ومناسبة لوقت محزن وخائف». أشك أن يكون المصور عمانيا أو لعله عمانيا يعرف جيدا ما يفعله. يعرف أن « الصورة مشهد تمت إعادة انتاجه أو إنشائه»، كما يقول المفكر البريطاني جون بيرغر، مما يعني أن صورة السلطان ونتنياهو لا تزيد عن كونها إعادة تشكيل للقاءات طالما تكررت سابقا، سواء من قبل السلطان أو بقية الحكام العرب، وكل ما في الأمر الآن أن اللقاءات لم تعد سرية. لم تعد تمارس كالموبقات في الخفاء. إنه فعل تطبيع علني (وهو نعت في غاية التهذيب). الصورة، كما هو معروف، رأي. فمن هو كاتب الرأي في الصورة؟ ولمن تم توجيهها؟ إنها موجهة، إلى الجمهور الغربي والعربي ـ الإسلامي معا. فوجود السلطان العجوز ببشرته الداكنة، وزيه الوطني الغامق، وضعفه الجسدي مقابل نتنياهو ببشرته البيضاء وبدلته الغربية وفضوله المركز على الخريطة (ونحن نعرف المغزى العميق للخريطة) هو تشكيل هوليوودي جاهز، يجمع بين رجل القرون الوسطى الموشك على التهاوي إزاء رجل أبيض (هكذا يقدم المستوطن نفسه) يرتدي بدلة الغرب «الحداثية». بالمقابل، تبقى دلالة الصورة الأولى والأخيرة، بالنسبة إلى عموم الناس في البلدان العربية والإسلامية، هي السقوط الأخلاقي الجامع بين الرجلين، مهما كانت التبريرات المصاحبة لعقد اللقاءات. إنه سقوط أخلاقي يقف بمواجهته، تحديا، شباب المقاومة الفلسطينية ومساندوهم في حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (البي دي أس) في أرجاء العالم. كاتبة من العراق  |
| في أسباب الحنين إلى الاستعمار… كاليدونيا الجديدة ليس الاستثناء Posted: 05 Nov 2018 01:11 PM PST لم يصوَّت سكان جزيرة كاليدونيا الجديدة لصالح البقاء تحت الوصاية الفرنسية حبا في فرنسا، بل خوفا من المجهول. قبل نحو ربع قرن حصل سكان الجزيرة الواقعة في جنوب المحيط الهادئ (300 ألف نسمة)، على وعود من فرنسا بإجراء استفتاء الاستقلال، إثر مظاهرات شعبية بدأت احتجاجا على صعوبة المعيشة وتردي أحوال السكان الأصليين مقارنة بالأوروبيين وسرعان ما تحوَّلت سياسية مطالبة بالاستقلال. لكن الاستفتاء ظل يتأجل، فكان التأجيل في صالح فرنسا بفضل عامل الزمن والتغييرات الجيواستراتيجية في العالم. تعمد الفرنسيون هذا التأجيل، أم لا، هو خدمهم وسيفعل طيلة العقود المقبلة. لم ينتظر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إعلان النتائج رسميا ليلقي كلمة تشبه كلمات العيد الوطني الفرنسي. كان خطابه هادئا، وإن ممزوجا بفرحة رصينة ربما يبررها يقينه أن الكاليدونيين لم يصوِّتوا للبقاء تحت وصاية باريس البعيدة عنهم 20 ألف كيلومتر والمختلفة عنهم توقيتا بعشر ساعات، بل طلبا لاستمرار الحماية. فالجزيرة جزء من الأراضي الفرنسية التي تسمى مقاطعات ما وراء البحار، واستطرادا تُعتبر جزءا من فضاء الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، بكل ما يعنيه ذلك من شعور بالأمن والثقة. استفتاء الأحد هو الأول الذي تدعو له السلطات الفرنسية في مستعمراتها منذ استفتاء 1977 الذي أسفر عن استقلال جيبوتي في القرن الأفريقي. تصويت سكان كاليدونيا على بقاء الوصاية الفرنسية ليس سابقة. هناك سوابق أخرى حديثة حتى في قلب أوروبا. أبرزها استفتاء جبل طارق في تشرين الثاني (نوفمبر) 2002، والذي رفض خلاله السكان مجرد تقاسم السيادة بين بريطانيا واسبانيا (ناهيك عن الاستقلال عن التاج البريطاني!). وهناك أيضا استفتاء اسكتلندا في 2015 الذي رفض خلاله السكان الانفصال عن المملكة المتحدة. لو جرى استفتاء كاليدونيا الجديدة قبل ربع قرن لكانت النتيجة حتما مختلفة، ولكانت هذه الجزيرة التي عمَّرها الفرنسيون بالمنفيين من مستعمراتهم، وبينهم الجزائريون، دولة مستقلة اليوم. ولو استُفتيَ سكان جيبوتي، أو غيرهم من سكان المستعمرات الفرنسية والبريطانية، في 2018 لكانت النتيجة رفض صريح للاستقلال. وعندما سيُستفتى سكان سبتة ومليلية، إن استُفتيوا يوما، حول العودة إلى المغرب أو البقاء مع اسبانيا، ستكون النتيجة ساحقة لصالح البقاء في اسبانيا. وعندما سيستقل سكان الصحراء الغربية، إن استقلوا يوما، سيكتشفون بسرعة أن متاعب الاستقلال وثمنه تفوق متاعب وثمن البقاء تحت العلم المغربي. عندما يرى سكان كاليدونيا ما حل بالمغرب والجزائر وكوت ديفوار وباكستان وغيرها، بعد الاستقلال، فلا أحد يحق له لومهم على تفضيلهم البقاء تحت السيادة الفرنسية هذه الاستفتاءات، وقد تكون هي الأخيرة في المشهد الدولي، تدعو للتأمل. نتائجها «السلبية» هي ثمرة الظروف الدولية المحيطة بها. الأزمات العميقة والمتنوعة التي يعيشها العالم، وسيعيشها، هي التفسير الأول لخوف شعوب كانت إلى وقت قريب تحلم بالاستقلال وبالحرية. النظام العالمي اليوم لا يتحمل، ولن يرحم، دولة جديدة صغيرة تخرج من رحم أخرى قوية ومستقرة (إذا كان هذا النظام الجشع ماضٍ في تفتيت دول موجودة منذ عقود، فماذا سيفعل بأخرى حديثة الولادة؟). العالم كما هو اليوم كرَّس الإيمان بأن الخوف على الهوية وشغف الحرية والاستقلال لم تعد عوامل كافية لتبرير الانفصال. وسوَّق أن الانفصال في دولة هشة وحديثة قد يكون أخطر على الهوية والحرية من البقاء تحت سيادة دولة قوية كما هو حال كاليدونيا الجديدة وفرنسا. كما أن الشعوب، في زمن العولمة وتداعياتها، لم يبقَ لديها ما يكفي من الصبر والأمل للاستمتاع باستقلال ضجر ومكلف. انتهت اللعبة. وتغوّلُ التكتلات الإقليمية لم يترك للضعفاء فرصة للتفكير المنفرد. جميلة شعارات الحرية والاستقلال، ومفيدة في المجتمعات التي عانت ويلات الرجل الأبيض القادم من بعيد جداً ليفعل ما يشاء في أرض ليست أرضه وبشعب لا يعرفه ولم يؤذه. لكن الشعارات حطمها الواقع المر، خصوصا في السياق الدولي الحالي الذي قاد إلى تطور في العلاقة بين المستعمَر والمستعمِر، غاب فيها العنف المباشر: كم من شعب استقل ولم يتحرر؟ كم من دولة أخرجت الاستعمار وبقيت تابعة له؟ كم من دولة استرجعت حريتها مبتورة؟ لا يمكن، في المقابل، إهمال فشل الدولة الوطنية المستقلة في تحقيق الحد الأدنى لشعوبها. في افريقيا وآسيا هناك شعوب استقلت في النصف الثاني من القرن الماضي، لكنها بسرعة نسبية كسرت تابو «الاستقلال مقدس» وباتت لا تستحي من التعبير بصوت عال وبأكثر من طريقة عن حنينها للاستعمار. عندما يرى سكان كاليدونيا ما حل بالمغرب والجزائر وكوت ديفوار وباكستان وغيرها، بعد الاستقلال، فلا أحد يحق له لومهم على تفضيلهم البقاء تحت السيادة الفرنسية. هناك بعض الاستثناءات عما ورد أعلاه، أبرزها استفتاء استقلال كتالونيا عن اسبانيا العام الماضي. مضى ذلك الاستفتاء إلى نهايته بالنتائج المأمولة، لأن العلاقة بين مدريد وبرشلونة ليست علاقة مستعمِر ومستعمَر بمفهومها التقليدي، ولأنه كان مشحونا قوميا وعقائديا، وحمل في طياته بذور خطأ تاريخي تشبه خطأ تصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي. يجب القول ختاما أن فرحة فرنسا ناقصة، لأنها ستكون مُطالَبة بالاستماع إلى قرابة 43٪ من سكان كاليدونيا، قالوا نعم للاستقلال. وبمعايير الديمقراطية، هذه كتلة سكانية هائلة. كاتب صحافي جزائري  |
| الفلسطيني ممنوع من دخول الجنة Posted: 05 Nov 2018 01:11 PM PST منعوا الفلسطينيين من كل أنواع الحياة في العالم العربي، ضيَّقوا عليهم، طاردوهم، منعوهم من العمل والتنقل والتملك، وأجبروهم على الوقوف في طوابير خاصة في المطارات ودوائر الهجرة.. لكن الجديد في الأمر أنهم يحاولون حالياً منعهم من دخول الجنة يوم القيامة. مئات الآلاف من الفلسطينيين أصبحوا ممنوعين من أداء شعائر الله بالحج والعمرة، بسبب أن السعودية سحبت اعترافها، أو سحبت احترامها لوثائق سفرهم أو جوازات سفرهم المؤقتة، وهي وثائق دنيوية لا علاقة لها بفرائض الله ولا بشعائر الدين.. بل إن الحجاج يتوجب أن يكونوا عراةً من الثياب بدون أي “مخيط” – بأمر الله – لتثبيت قاعدة أن “الناس سواسية كأسنان المشط”، وأن “لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى”، وأنَّ الجنسية وجواز السفر ووثيقة اللجوء لا علاقة لها بالدين ولا بثواب الله وعقابه. يوجد في الأردن أكثر من 140 ألف فلسطيني يحملون جوازات السفر المؤقتة (بدون رقم وطني)، كما يوجد في لبنان أكثر من 175 ألف لاجئ فلسطيني (بعض التقديرات تشير إلى نصف مليون) يحملون جميعاً وثائق سفر خاصة، ويوجد مئات الآلاف الآخرين من حملة الوثائق السورية والعراقية والمصرية، وهم موزعون حول العالم، فضلاً عن أن فلسطينيي الداخل من حملة الجوازات الإسرائيلية، أو من فلسطينيي القدس المحتلة يسافرون إلى الحج والعمرة بجوازات سفر أردنية مؤقتة وهؤلاء يتجاوز عددهم المليون شخص. عدم الاعتراف بهذه الجوازات المؤقتة أو وثائق السفر، يعني حرمانهم من أداء فريضة الحج والعمرة، وهو ما يتناقض مع المنطق، حيث أن بيت الله لا يمكن ولا يجوز أن يكون حكراً على حملة جوازات بعينها، ويكون ممنوعاً الوصول له من قبل مسلمين، بسبب أنهم لا يحملون جوازات سفر تؤهلهم لذلك، التضييق على الفلسطينيين وملاحقتهم في العالم العربي وصل إلى شعائر الله وفرائض الدين، فقد أصبح – ولأول مرة – ثمة فلسطينيون لا يستطيعون القيام بواجباتهم الدينية بسبب أنهم فلسطينيون! كنا في السابق نطالب بمنح الفلسطينيين حرية الانتقال والإقامة والعمل، وتملك المنزل وقيادة السيارة، واليوم نضيف مطلباً جديداً إلى جملة المطالب الإنسانية التي تُصادرها الأنظمة العربية من الفلسطيني بسبب فلسطينيته، وهو “حرية أداء الفروض الدينية”. في العالم العربي في العالم العربي يُشبعونك محاضرات وشعارات عن دعم الصمود الفلسطيني ثم تجد الفلسطيني ممنوعاً من دخول بلادهم من محيطه إلى خليجه يُشبعونك محاضرات وخطبا وشعارات عن دعم الصمود الفلسطيني، وعن مقارعة الاحتلال الإسرائيلي، وعن بطولاتهم في عامي 1948 و1967 للدفاع عن القدس، وعن شهدائهم الذين أريقت دماؤهم على مشارف المسجد الأقصى.. ثم تجد الفلسطيني ممنوعاً من دخول بلادهم، وممنوعاً من المرور بمطاراتهم.. ولو تمكن من ذلك فهو ممنوع من العمل والتعليم والعلاج، ويُنفق عمره في طوابير دوائر الهجرة للحصول على إقامة أو تأشيرة دخول مؤقتة. وخلال أسابيع قليلة هبط رئيس الوزراء الاسرائيلي على عاصمة خليجية، بينما هبط وزير آخر في حكومته على عاصمة أخرى مجاورة، وهبط فريق رياضي على عاصمة خليجية ثالثة.. بينما تنتظر عاصمة رابعة أن يهبط عليها نتنياهو في أي لحظة – بحسب تسريبات الصحافة العبرية – أما العاصمة الخامسة فقررت أخيراً منع الفلسطيني من الدخول أو الإقامة.. والسؤال هنا: هل أصبح الإسرائيلي مُرحَّباً به في الخليج أكثر من الفلسطيني؟ ربما! كاتب فلسطيني  |
| محكومون بالأمل لكن بلا أقنعة Posted: 05 Nov 2018 01:10 PM PST بات من الواضح أن المبالغة في التركيز على الجوانب الجنائية في جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي ترمي إلى تأجيل فتح بوابة الجانب السياسي منها، حتى يتسنى للأطراف المتعددة المعنية بالملف، ضبط عناصره المختلفة، ورسم آليات عمل مساره المستقبلي، الذي لا تشكل الواقعة الوحشية المدانة فيه سوى رأس جبل الجليد، في معضلة الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط، بطابعها الاستبدادي التخريبي، الذي لا طريق أمام لاعبيه سوى المضي قدما في محاولات البقاء على رأس الهرم السياسي أطول فترة ممكنة، وبأي طريقة ممكنة، بعد أن أطل استحقاق التغيير السياسي برأسه، وأصبح عنوان مرحلة موضوعية جديدة من شأنها أن تجب ما قبلها بالضرورة، وأن تكنس معها عوالق الاستبداد ورواسبه مرة وإلى الأبد. هذا يعني أن تلك الأنظمة باتت تشكل ومنذ زمن بعيد حجر عثرة أمام مسيرة تقدم المجتمعات التي تحكمها، وأنه يتعين عليها أن ترحل مفسحة المجال أمام قوى التغيير، لتلعب دورها في تجسيد المتطلبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمرحلة الجديدة، وهذا أمر طبيعي حدث ويحدث في جهات الدنيا الأربع، كلما برزت استحقاقات جديدة على مستوى البنى الفوقية للمجتمع، مدفوعة ببناها التحتية، كما هو معلوم، وبالتالي يصبح السؤال مشروعا حول سر استعصاء التغيير السياسي في منطقة جغرافية من العالم بعينها، خاصة حينما نتذكر تجارب معاصرة مماثلة حول العالم، بدءا من أمريكا اللاتينية والقارة السمراء وجنوب شرق آسيا وصولا إلى أوروبا الشرقية. كما أنه لم يعد كافيا إرجاع أسباب الاستعصاء إلى العوامل التقليدية الثلاثة المعروفة التي نشأ على أساسها النظام الرسمي العربي (النفط، الدولة العبرية، جغرافية المنطقة) بعد أن أصبحت دول من خارج المنطقة من أكبر منتجي الذهب الأسود وبدائله في العالم، وبعد أن أصبح أمن الدولة العبرية من مسلمات الحاضر، إثر موجة التطبيع التي تجتاح المنطقة، وبعد أن قلصت الثورة التكنولوجية طرق المواصلات والاتصالات، وتقلصت معها أهمية الشرق الأوسط من الناحية الجغرافية، بل إن الأمر يتعدى، أو ربما ينبغي أن يتعدى المعالجة التقليدية لطبيعة هذا الاستعصاء، إذا أخذنا في الاعتبار أن تلك العوامل لطالما كانت مستقرة إلى درجة القداسة، حيث اعتبرها ممثلو النظام الرسمي العربي خطوطا حمرا لا يتجرأ أحد على المساس بها، ما ضمن للقوى الإقليمية والدولية مصالحها التي تفرض أول ما تفرض ديمومة بقاء أنظمة الاستبداد، كحارس أمين لتلك المصالح، في ظل حلف غير مقدس يجمع بين طرفين يتغذى الواحد منهما على الآخر على قاعدة “الحماية مقابل المال”، التي يتشدق بها الرئيس الشعبوي الأمريكي دونالد ترامب، في هذه الأيام، جهارا ليل نهار. لكن كل ذلك لا يغير في استحقاق التغيير السياسي شيئا، بل يزيد من أحقيته في واقع الأمر، ما وضع مراكز الاحتكار في العالم أمام خيارين لا ثالث لهما، وكلمة السر في كليهما هي ضرورة التغيير ذاتها، ولا شي غير التغيير يمكن أن يضمن استمرار هيمنتها على مقدرات منطقة الشرق الأوسط وصناعة قرارات أنظمتها السياسية، بحيث يصبح السؤال لا يتعلق بالتغيير نفسه، وإنما بطبيعته وبأي اتجاه ستسير الأمور، فكان من الطبيعي أن يصار إلى استبعاد احتمالية خيار التغيير السياسي الديمقراطي ومحاربته بالحديد والنار حتى الرمق الأخير، على يد ذلك الحلف غير المقدس، الأمر الذي تطلب سحق انتفاضات الربيع العربي من المحيط إلى الخليج، بينما فتحت بوابة التغيير باتجاه خلق صيغ جديدة للحكم بالصيغة القديمة، لكن بأدوات وأساليب جديدة أكثر تشويها ومنافية للواقع والمنطق السياسيين بصورة متزايدة حد الوقاحة السياسية. أنظمة باتت تشكل ومنذ زمن بعيد حجر عثرة أمام مسيرة تقدم المجتمعات التي تحكمها، ويتعين عليها أن ترحل الخيار الثاني المعتمد حاليا يشي بإعادة هيكلة البنى الفوقية لأنظمة الاستبداد في الشرق الأوسط، من خلال عملية شكلية تعتمد على صيغة توسيع مشاركة قواها السياسية في السلطة، على أساس المحاصصة القائمة على الدين أو المذهب أو العرق، مع بقاء سلطة مركزية واهنة يمكن اعتبارها، في أحسن الأحوال، ممثلة لمصالح مراكز الاحتكار الاقليمية والدولية في الداخل وضامنة لاستمرار نفوذها هناك طالما ثمة حاجة لذلك، بينما تسير شؤون الداخل بعيدا عن كل المسرحيات البهلوانية “الديمقراطية”، التي يراد منها الإيحاء باعتماد الخيار الأول، الأمر الذي يتطلب “لبننة” الأنظمة السياسية بالمنطقة، وتعميم تجربة اتفاق الطائف فيها. هذا ما يحدث في العراق وجار اعتماده في سوريا واليمن والحبل على الجرار، كما يقال، بحيث ستجد المنطقة نفسها بعد حين أمام تشكيلة واسعة وشاملة من الأنظمة الصورية المتماثلة، وما واقعة اغتيال خاشقجي العلنية إلا مقدمة للنسخة الخليجية من صيغة الحكم الفتاكة هذه. في هذا السياق وحده يمكن تفسير حالة التناقض الظاهري بين شعار بسط النظام الديمقراطي حول العالم الذي تتشدق به مراكز الاحتكار حول العالم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وممارساتها السياسية والأمنية على أرض الواقع، المنافية لتلك الشعارات الرنانة، التي تسعى من خلالها الى تكريس نفوذها بشتى الطرق من الجهة الأخرى، الأمر الذي يعني أن”صندوق البندورة” الذي فتحته مراكز الاحتكار تلك في وجه الأنظمة السياسية الاستبدادية في الشرق الأوسط، تحت ضغط استحقاق التغيير ستطال شظاياه الجميع بدون استثناء، فالمسألة هنا لا تقتصر على هذه التجربة أو تلك، لاسيما بعد ادراك التماثل المطلق بين الأنظمة السياسية في المنطقة الملكية والجمهورية منها على حد سواء، وبعد أن تأكد زيف الشعارات التي تطرحها، سواء لجهة تحقيق الاستقرار والرخاء لمجتمعاتها، أو لجهة استعادة الحقوق المستلبة من قبل أعداء اتضح أنهم من مستلزمات “عدة شغل” استنفدت صلاحيتها ولم تعد قابلة للتسويق والتصديق، كما بينت تجربة الثورة المضادة، التي تمكنت في غفلة من الزمن والتاريخ من سحق ثورات الربيع العربي. ربما ثمة ضرورة للإشارة من جديد، أخيرا، إلى حالة الوهم الكاسحة التي تعم بلدان الشرق الأوسط لجهة الإيمان بمسلسل الاستقلال الناجز، الذي يجتاح المنطقة منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، وبأن الكيانات السياسية التي ظهرت حينها قد أن أنجزت بالفعل هذه المهمة التاريخية والحيوية في حياة الشعوب، ما يدلل، إن صح التحليل، على أن رحلة الألف ميل لم تبدأ بعد وأنه من المبكر كثيرا السماح لظلال اليأس بأن تتسلل إلى جنبات ضمائر محكومة بأمل الخلاص. كاتب فلسطيني  |
| كيف أحبطت المخابرات التركية خطة التمويه السعودية في جريمة القنصلية؟ Posted: 05 Nov 2018 01:09 PM PST كل العاملين في الحقل الدبلوماسي يعرفون جيدا أن من العاملين بين صفوفهم من هم ضباط مخابرات بغطاء دبلوماسي. وغالبا ما تكون ساحة عمل هؤلاء هي القسم القنصلي في البعثة الدبلوماسية، لأنها مكان خدمي يؤمّه المواطنون من رعايا دولة البعثة والدولة المُضيفة، للحصول على تأشيرات دخول وتجديد، وإصدار الجوازات، أو للحصول على وثائق لها صلة بالاحوال الشخصية. وبذلك تكون هذه الساحة فرصة جيدة لحصول تماس بين ضابط المخابرات والمراجعين. وهنا يبدأ الحس الاستخباراتي في فرز من هو مفيد لهذا العمل من عدمه، وفق الأهداف المخطط لها مسبقا، حيث تدخل طبيعة العلاقة بين الدولة المَضيفة والمُضيفة في تحديد ذلك. وليس سرا القول بأن العلاقات بين تركيا والسعودية يشوبها التنافس، بسبب وزنهما الإقليمي، ما يدفع الطرفين للسعي لمعرفة أهداف واهتمامات الطرف الآخر. وأول الطرق للوصول إلى هذا المسعى هو العمل الاستخباراتي. ولأن القنصلية السعودية في أسطنبول مركز حيوي وفيها نشاط كبير، يتبين من خلال العدد الكبير من الدبلوماسيين والموظفين المحليين، فإنه ليس من المعقول أن لا تكون تحت أنظار المخابرات التركية، لكن الجريمة البشعة التي أودت بحياة الزميل الصحافي جمال خاشقجي، أظهرت أن ضباط المخابرات السعودية العاملين في القنصلية كانوا بعيدين تماما عن معرفة ذلك، وللتدليل على ذلك يمكن الإشارة إلى الحقائق التالية: *أولا، أن الضحية كان محسوبا على النظام السعودي وقريبا من مصادر القرار فيه لفترة طويلة، ثم انشق عنه واتخذ طريقا آخر فيه حس معارضة. على الطرف الآخر كان مُقرّبا من قمة الهرم السياسي التركي. هذه الحقائق لابد أن تدفع المخابرات التركية لرصد تحركاته واتصالاته، خاصة مع القنصلية السعودية، لذا عندما تردد على القنصلية في المرة الأولى كان تحت أنظارهم، وعندما اتصلوا به لإخباره أن أوراقه جاهزة، ويمكنه القدوم في الوقت المحدد له، كان الاتصال مُراقبا من قبل المخابرات التركية أيضا، كما كانت هنالك مفرزة مراقبة رافقته وخطيبته بدون علمهما منذ مغادرتهما المنزل حتى القنصلية. كل هذه الإجراءات كانت غائبة تماما عن المخابرات السعودية، إلى حد أنه فاتهم أن خطيبته بانتظاره في الخارج، وأن شهادتها بعدم خروجه ستكون هي فضيحتهم. في حين كان من المفروض أن يكون لديهم علم إن كان سيأتي وحيدا، أو برفقة شخص ما، أو في أضعف الحالات الاستفسار من الطاقم الأمني في باب القنصلية إن كان قدم معه أحد أم لا. *ثانيا، كانت للمخابرات السعودية نظرة استخفاف بمقدرة نظيرتها التركية على رصد الجريمة. وحتى لو انكشف الأمر فإن الحكومة التركية غير قادرة على فعل شيء حسب توقعهم، لذلك استدرجوه إلى القنصلية في إسطنبول، في حين تردد على السفارة السعودية في واشنطن ولندن، ولم يصبه سوء، لأنهم واثقون من قدرة المخابرات في هاتين الدولتين، وبالتالي تمنّعوا من تنفيذ الخطة هناك. جمال خاشقجي كان يساوي لدى السعودية ألف معارض فكل كلمة كان يقولها بحقهم لها مصداقية كبيرة عند الآخرين *ثالثا، كانت خطة التمويه المُعدة من قبل المخابرات السعودية لخداع المخابرات التركية، تقوم على ستقدام ضابط مخابرات سعودي قريب الشبه من هيئة الضحية. وبعد تنفيذ الجريمة يرتدي هذا ملابس المغدور به ويخرج من الباب الخلفي للقنصلية برفقة آخر. وأن يقوم هذا الأخير بتغطية رأسه بحيث يخفي الغطاء حتى ملامح الوجه. الهدف من هذا الإجراء هو في حال ورود أي استفسار عن اختفاء الضحية، فإن المسوؤلين في القنصلية سيقولون خرج برفقة شخص ما. وعندما تدقق السلطات التركية في كاميرات الشارع الخلفي ستجد فعلا أنه خرج برفقة أحد الأشخاص. في حين كانت عملية التمويه غير متقنة في أمور كثيرة، ويمكن ملاحظة ذلك من مقارنة صورة دخول الضحية إلى القنصلية، أبسطها ان الحذاء الرياضي الذي كان يرتديه البديل غيره الذي كان يرتديه الضحية. *رابعا، لقد فات المخابرات السعودية أن القنصلية ربما تكون مُخترقة من قبل نظيرتها التركية من خلال الموظفين المحليين، الذين قد يكونون متعاونين مع الأجهزة الأمنية التركية، أو من خلال كاميرات ولاقطات سرية مزروعة في الأجهزة المستعملة في القنصلية، بل إنهم قاموا بنزع القرص الصلب في الكاميرات الخاصة بهم، التي تسجل ما يجري في القنصلية. وهذا يشير إلى أن ضباط المخابرات السعوديين لم يقرأوا حتى رواية واحدة عن حروب المخابرات. فإن لم تكن المخابرات التركية قد استخدمت إحدى هذه الوسائل، فإن خبراء الاتصالات يقولون بإمكانية الشركة المجهزة لخدمة الإنترنت إعطاء كل التفاصيل بالصوت والصورة في مكان الحدث. وهنالك اليوم بعض التطبيقات التي تساعد على معرفة ما يجري حتى في الدار التي تجاورك من خلال شبكة الإنترنت. *خامسا، لقد استخدموا هواتفهم الشخصية في الاتصال بمراجعهم في الرياض أثناء العملية، بجهل تام بأن الأجهزة الأمنية التركية قد تكون في حالة مراقبة دائمة للاتصالات الصادرة والواردة من وإلى القنصلية. وربما هذا الخطأ هو الذي أعطى مؤشرا واضحا للسلطات التركية عن مصدر القرار في تنفيذ الجريمة، وأنها كانت مُعدّة مُسبقا وليست خطأ غير مُسيطر عليه. وهو ما وجدناه يتكرر وبالحاح، الى حد اليقين، في تصريحات المسؤولين الاتراك. *سادسا: الغريب أن ضحالة تفكيرهم قادتهم الى التجوال بالسيارة الدبلوماسية في بساتين مدينة (يللوا) وكذلك في (حديقة بلغراد) القريبة من إسطنبول، لوضع اللمسات الاخيرة على خطة الجريمة قبل يوم واحد. في حين كان من المفروض أن يتم التخفي باستخدام وسائط النقل العامة أو سيارات الأجرة، لأن اللوحة الدبلوماسية تعطي مؤشرا على الجهة. يقينا أن السلطات التركية تعلم علم اليقين بكل حيثيات الجريمة بالوثائق والأدلة الحسية وغير الحسية منذ اليوم الاول. وتبين بأن كل تحركات ضباط المخابرات السعوديين العاملين في القنصلية بغطاء دبلوماسي مرصودة تماما. وأن التسريبات التي تمت للإعلام كان الهدف منها إرسال رسالة للسلطات السعودية بأن القصة معروفة، وعليهم إصدار روايتهم الخاصة بالحادث والاعتراف المبكر بالجريمة للتخلص من الإحراج، لكنهم استمروا في غيهم وصموا آذانهم. إن السياق العام الذي جرت فيه الجريمة يشير وبوضوح تام إلى أن العملية كانت مُدبرة تماما، وكان الهدف منها اقتناص فرصتين بضربة واحدة. الاولى هي التخلص من الصحافي جمال خاشقجي، الذي يساوي لديهم ألف معارض. فكل كلمة كان يقولها بحقهم لها مصداقية كبيرة عند الآخرين، لأنه كان أحد رجالاتهم وعمل في صلب مصادر قرارهم لفترة طويلة. أما الفرصة الثانية فكانت النيل من السلطات التركية بتحميلها وزر اختفائه ومطالبتها بتحمل مسؤولية ذلك، وإظهار أن الساحة التركية تعج بمافيات القتل والجريمة وليست آمنة. وقد شاهدنا الإعلام السعودي والكثير من المسؤولين يضربون على هذا الوتر في الأيام الاولى للحادثة قبل اعترافهم بالجريمة، لكن بعد أن هُزمت المخابرات السعودية وبانت سذاجة خطة التمويه المعدة من قبلهم، تداعت كل تصريحات المسؤولين السعوديين، وانكفأوا إلى موقف الدفاع. كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية  |
| قناة «الجزيرة» لم تحاصر السعودية بل السعودية حاصرت نفسها Posted: 05 Nov 2018 01:09 PM PST قناة «الجزيرة» تحاصر العربية السعودية أكثر من حصار السعودية لقطر، هذه من العناوين البارزة التي جرى تداولها في عدد من التحاليل بشأن التعاطي الإعلامي مع جريمة الاغتيال البشعة التي ذهب ضحيتها الصحافي جمال خاشقجي، في قنصلية السعودية في إسطنبول يوم 2 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. ومن دون التقليل من أهمية قناة «الجزيرة» في التعاطي مع ملف خاشقجي، يبقى الواقع هو محاصرة السعودية لنفسها بسياستها غير العقلانية والمتغطرسة. عمليا، تخصص قناة «الجزيرة» حيزا مهما لقضية اغتيال خاشقجي، وجعلت الموضوع يحظى باهتمام وسط الشعوب العربية، مثلما كان عليه الاهتمام خلال اندلاع الربيع العربي نسبيا أو حرب يوليو/تموز 2006 بين حزب الله وإسرائيل. لكن السر في وضع السعودية المتدهور دوليا، هو استعداد الرأي العام العربي والعالمي بتقبل كل الاتهامات التي توجه إليها بسبب سياستها السلبية. ومن خلال جولة في عدد من منتديات الحوار في شبكات التواصل الاجتماعي بلغات متعددة، ومن خلال تتبع عدد من الجرائد الدولية، تحظى قضية خاشقجي باهتمام كبير، ويحدث هذا رغم مقتل صحافيين في مناطق أخرى من العالم، خاصة في دول أمريكا اللاتينية مثل المكسيك. والاهتمام بملف خاشقجي هو مضاعف في منطقتين من العالم، الأولى، العالم العربي، ثم الولايات المتحدة ولاحقا تأتي أوروبا. وعلاقة بالولايات المتحدة، الاهتمام الأمريكي بقضية خاشقجي مرتبط بعاملين، الأول هو قوة جريدة «الواشنطن بوست» التي استحضرت اغتيال أحد صحافييها (خاشقجي) وجعلت منه قضية رأي عام عالمي، ونجحت في دفع مختلف وسائل الإعلام العالمية إلى تحويل ملف خاشقجي إلى نقطة رئيسية في أجندة هذه الوسائل. والعامل الثاني يحمل طابعا جيوسياسيا، وهو مستقبل الشرق الأوسط والعلاقات بين الرياض وواشنطن، على ضوء هذه الجريمة، ومدى أهلية ولي العهد محمد بن سلمان لتولي العرش، ما جعل مسؤولين حاليين وسابقين وخبراء في مختلف معاهد الدراسات الاستراتيجية يتحدثون ويحللون مختلف جوانب هذا الملف، وأغلبهم من زاوية نقد عنيفة، بسبب غضبهم من سياسة الرياض، ويطالبون برحيل ولي العهد محمد بن سلمان. لكن ما هو السر في غضب العالم العربي العارم في ملف خاشقجي، ومن السعودية، وهو الذي يعيش يوميا مآسي العراق وسوريا واليمن وليبيا، ومآسي الديكتاتورية؟ كما أشرنا في البدء، لا يمكن تفسير هذا الغضب العربي من السعودية فقط بتغطية قناة «الجزيرة». ولنعد إلى الماضي القريب، هذه القناة تناولت حرب اليمن بنوع من الانحياز في بدايتها لصالح معسكر «عاصفة الحزم» الذي كان بزعامة محمد بن سلمان، لكن الرأي العام العربي في مجموعه كان ضد هذه الحرب، ولم يتأثر بالتغطية الإعلامية لـ»الجزيرة»، والأمر هذه المرة يختلف في ملف خاشقجي. في أزمة خاشقجي فشل الإعلام السعودي في التعريف بوجهة نظر الرياض، أمام تسونامي الغضب العربي وعمليا، من خلال جرد لمضمون شبكات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر في التعاطي مع قضية خاشقجي، نرصد انتشارا غير عادي لبعض الرسومات الكاريكاتيرية الساخرة من السعودية، ونذكر أبرزها شريط فيديو لمسابقة في قطع الخشب بالمنشار ويحمل تعليق «مسابقة لأحسن سفير سعودي»، في إشارة إلى تقطيع جثة خاشقجي بالمنشار في القنصلية السعودية في إسطنبول قبل تذويبها في الأسيد، حسب الرواية الرسمية التركية. في الوقت ذاته، انتشرت التعابير بكلمات قوية المضمون ضد السعودية وقيادتها، التي استهدفت أساسا محمد بن سلمان، ومن ضمن المناطق الجغرافية في العالم العربي، التي تميزت بنقد شديد هناك منطقة المغرب العربي، ثم في دول مثل سوريا والعراق. ومن ضمن العوامل الرئيسية التي تقف وراء رأي عام عربي مضاد للسعودية وانفجر في ملف خاشقجي، هناك ما يعتبرونه العجرفة السعودية ضد باقي العرب، حيث يلاحظ نوع من احتقار السلطات السعودية للشعوب العربية، خاصة الفقيرة. ومن جانب آخر، ارتفعت خلال السنوات الأخيرة شكاوى الحجاج العرب من سوء معاملة السلطات السعودية لهم بشكل لافت، ما جعل الكثير من الحجاج ينصحون أبناء وطنهم بعدم الحج. علاوة على هذا تتصدر بين الحين والآخر أخبار سلبية عن سوء معاملة السعوديين لليد العاملة القادمة من العالم العربي والإسلامي للعمل في هذا البلد، وتندد الجمعيات الحقوقية الدولية بهذه الممارسات، كما جرى نشر عدد من أشرطة الفيديو في يوتيوب حول اعتداءات سعودية ضد المهاجرين. ودائما في إطار العناصر أو العوامل التي تؤلب العرب ضد السعودية، الاتهامات التي يوجهها سياسيون ومثقفون عرب ومن الغرب، إلى الرياض بقيادة الثورة المضادة للربيع العربي إلى جانب الإمارات. وتوجد كتابات متعددة في هذا الشأن تنتقد الدور الكبير للرياض في تمويل النزاعات والثورات المضادة في مصر وليبيا وسوريا، والضغط على دول مثل تونس والمغرب لوقف الإصلاحات السياسية والعودة إلى ممارسات الماضي. ولم يقتصر الغضب على العالم العربي، بل تعداه إلى مناطق مختلفة في العالم، وهو ما يؤكد مدى الصورة السلبية للسعودية في العالم، وهذا يتناقض ومئات الملايين من الدولارات التي تصرفها، خاصة في الغرب لتحسين صورتها. والمثير هو توفر السعودية على الموارد المالية لبناء إعلام قوي من قنوات تلفزيونية وجرائد، بل حتى شراء أقلام الصحافيين، لكن في أزمة خاشقجي فشل الإعلام السعودي في التعريف بوجهة نظر الرياض، أمام تسونامي الغضب العربي. ولعل المفارقة الكبرى هو محاولة هذا الإعلام الترويج لفرضية مؤامرة غربية ضد الرياض، وهو ما جرى السخرية منه بحكم خدمة الرياض تاريخيا للأجندة الغربية في الشرق الأوسط، وعليه «الجزيرة» لم تحاصر السعودية، بل السعودية هي التي حاصرت نفسها بسياستها المتغطرسة تجاه العالم العربي والإسلامي.. كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»  |
| إشكالية تطبيق البروتوكول القضائي بين المغرب وفرنسا Posted: 05 Nov 2018 01:00 PM PST في 6 فبراير/شباط من عام 2015 وقع كل من وزير العدل والحريات عن الحكومة المغربية وسفير فرنسا في المغرب عن حكومة الجمهورية الفرنسية البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقية التعاون القضائي في المادة الجنائية بين المغرب وفرنسا، والذي صدر ظهير (المرسوم) الأمر بنشره بتاريخ 19 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2015. و قد جاء توقيع هذا البروتوكول الإضافي لينهي مسار أزمة سياسية وقضائية جدية نشأت بين المغرب وفرنسا واستمرت زهاء سنة، بعد أن قام قاضٍ فرنسي للتحقيق باستدعاء المدير العام لمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف الحموشي آنذاك، للمثول أمامه من أجل التحقيق معه في اتهامات بالتعذيب في حق مواطنين فرنسيين حاملين للجنسية المغربية أيضاً. وقد ردت الحكومة المغربية على ما اعتبرته تصرفاً غير مقبول بإيقاف اتفاقية التعاون القضائي بين المغرب وفرنسا، لتدخل العلاقات بين باريس والرباط في مرحلة جفاء استمرت مدة عام، قبل أن تنصلح هذه العلاقات بتوقيع البروتوكول الإضافي المذكور، وبعدها بأشهر قليلة سيعين عبد اللطيف الحموشي من طرف الملك بعد التداول في المجلس الوزاري المنعقد في 15 مايو/زيار 2015 مديراً عاما للأمن الوطني مع احتفاظه بمنصب المدير العام لمراقبة التراب الوطني. بمقتضى هذا البروتوكول الإضافي يلتزم طرفا التعاون، المغرب وفرنسا، بأن يخطر كل منهما السلطة القضائية لدى الطرف الآخر، عند الشروع في أي مسطرة قضائية، قد تستتبع عقوبات على مواطنيه، وهو ما أثار انتقادات شديدة باعتباره ينتهك مبدأ السرية التي يفترض أن تحترم عند إجراء التحقيق. وينص أيضا على إعطاء الأولوية للسلطة القضائية المغربية المعنية لاتخاذ التدابير الملائمة بما فيها فتح المسطرة، لدى النظر في الشكايات الموضوعة لدى السلطات القضائية الفرنسية، ضد مغاربة. حتى وإن كانت فرنسا تحتفظ لنفسها بالمتابعة القضائية لكل من اتهم بالضلوع في جرائم تخضع للاختصاص الكوني في المسطرة الجنائية الفرنسية، متى ما داست قدماه التراب الفرنسي، ولو من باب العبور. غير أن هذا البروتوكول الإضافي يصطدم من الناحية النظرية بإشكالية جدية في حالة دراسة فرضية إقامة دعوى ضد رئيس النيابة العامة على قاعدة الاختصاص الكوني. فإذا افترضنا جدلاً أن أحد الأطراف المؤهلة للتقاضي في فرنسا لجأ إلى وضع شكاية مباشرة ضد رئيس النيابة العامة المغربي، عند قضاء التحقيق الفرنسي بناء على قاعدة الاختصاص الكوني أو لسبب آخر يعطي الاختصاص للقضاء الفرنسي حسب القانون الجنائي الفرنسي والمسطرة الجنائية الفرنسية، فإن قضاء التحقيق الفرنسي سيواجه معضلة حقيقية لتطبيق المادة 23 مكرر من اتفاقية التعاون القضائي في المادة الجنائية بين المغرب وفرنسا، كما وقع تعديلها وتتميمها. وذلك لاحتمالين إثنين، قد يجتمعان معاً وقد يفترض وجود أحدهما من دون الآخر. الاحتمال الأول: في حالة تمت إثارة المسؤولية الجنائية لرئيس النيابة العامة بناء على موافقة رئيس النيابة العامة أو سكوته عن فعل معين، تترتب عليه مسؤولية جنائية طبقاً للاتفاقيات الدولية التي التزمت بها فرنسا فإن قاضي التحقيق الفرنسي في هذه الحالة سيواجه إشكالية إحالة الشكوى على السلطة القضائية المغربية المختصة، التي ستكون في هذه الحالة رئيس النيابة العامة نفسه بحكم أن اختصاصات وزير العدل كرئيس النيابة العامة نقلت إليه، وهو أيضا ممثل النيابة العامة الذي سبق له أن حفظ الشكوى التي اعتبرت موافقة أو سكوتاً عن فعل معين، تترتب عليه مسؤولية جنائية طبقاً للاتفاقيات الدولية التي التزمت بها فرنسا. وبالتالي فما الجدوى من إحالة الشكوى عليه، إن كان قد سبق أن اتخذ قراره فيها، ونتج عن هذا القرار إمكانية إثارة مسؤوليته الجنائية في فرنسا بناء على قاعدة الاختصاص الكوني أو لسبب آخر يعطي الاختصاص للقضاء الفرنسي حسب القانون الجنائي الفرنسي والمسطرة (االوائح) الجنائية الفرنسية؟ الاحتمال الثاني: في حال تمت إثارة المسؤولية الجنائية لرئيس النيابة العامة بناء على أعمال لم يسبق له كممثل للنيابة العامة أن تخذ فيها قراراً من قبل، ولكن بناء على قاعدة الاختصاص الكوني فقط أو لسبب آخر يعطي الاختصاص للقضاء الفرنسي حسب القانون الجنائي الفرنسي والمسطرة الجنائية الفرنسية فإن قاضي التحقيق الفرنسي في هذه الحالة سيواجه إشكالية إحالة الشكوى على السلطة القضائية المغربية المختصة، التي ستكون في هذه الحالة هو رئيس النيابة العامة نفسه بحكم أن اختصاصات وزير العدل كرئيس النيابة العامة نقلت إليه، وهو أيضا ممثل النيابة العامة الذي عليه أن يدرس بنفسه الشكوى الموجهة ضده في فرنسا، والتي ترمي إلى إثارة مسؤوليته الجنائية هناك طبقاً للاتفاقيات الدولية التي التزمت بها فرنسا وهو ما سيحول دون تطبيق مقتضيات البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقية التعاون القضائي في المادة الجنائية بين المغرب وفرنسا بشكل تام وغير قابل للحل. إن السبب الرئيسي لنشوء المأزق القانوني السالف الذكر هو وضع مفتاح الولوج إلى الغرفة الجنائية بمحكمة النقض بين يدي الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض دون سواه، وذلك بسبب عدم تعديل المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية أو حذفها نهائيا، بعد نقل اختصاصات رئاسة النيابة العامة من وزير العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض مما خلق وضعاً شاذا وغريبا، يستحيل معه محاسبة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض جنائيا أم غرفتها الجنائية. إن عدم تعديل المادة 265 من قانون المسطرة الجنائية أو حذفها نهائيا يعد خرقا جسيماً للدستور لكونها جعلت الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض منزها عن المحاسبة الجنائية، وفي حالة صارخة من تضـارب المصالح التي نص الدسـتور على معاقبتهـا. نقيب سابق للمحامين – المغرب  |
| التطبيع العربي Posted: 05 Nov 2018 01:00 PM PST |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق