| السعودية ومحنة الجثّة التي لا تريد أن تختفي! Posted: 08 Nov 2018 01:15 PM PST يحتار المرء في أي عناصر قصة جمال خاشقجي أكثر إثارة وبقاء في الذاكرة: هل هي اللقطات الأولى التي تصوّر دخوله إلى القنصلية السعودية في إسطنبول قبل أن يصبح اختفاؤه واكتشاف مقتله لاحقا خبراً يهزّ العالم؟ أم لقطات خطيبته وهي تنتظر ساعات وهي ينتابها القلق؟ أم صور فريق الإعدام واللقطات الكثيرة التي اكتشفت عن تحركاتهم من الشخص الذي تنكّر بملابس الضحية ماشيا مع أحد الكومبارس (ونسي حذاءه ثم غيّر ثيابه وعاد إلى فندقه) إلى الفريق الذي نفّذ الاغتيال ثم ذهب لأكل الشاورما وشرب الخمر، أم قصتهم في الشريط المسجل الذي كشف تفاصيل الخنق والقتل والتقطيع على صوت الموسيقى؟ أم هي نظرة ابن الضحيّة صلاح الذي كان ممنوعا من السفر واستدعي على عجل بملابس غير مكويّة لاستثماره في الترويج للسلطات عبر مصافحة المتّهم بقتل والده بدعوى تعزيته؟ أم الإعلانات المتناقضة للسلطات السعودية من الإنكار الكلّي للحادثة واعتبارها مؤامرة ضد السعودية ووليّ عهدها وصولا إلى اضطرارها، تحت الضغط العالمي الهائل، للاعتراف المجزوء بها وإعلانها اعتقال 15 شخصاً من دون عرض إفاداتهم، واختفاء قنصلها وزيارة مدعيها العام للمملكة المريب النظرات الخ… توقفت القصّة المذهلة عند نقطة استفهام كبرى تتعلّق بما حصل لجثة الصحافي المنكوب، وآخر ما استجد في الموضوع تصريح للنائب العام التركي يؤكد العثور على عينات من الأسيد والمواد الكيميائية في البئر الموجودة في بيت القنصل السعودي وفي مياه الصرف الصحي في المنطقة وتأكيد لـ«مصادر تركية» بأن «القتلة أذابوا جثة خاشقجي بالأحماض داخل إحدى غرف منزل القنصل السعودي». المفاجأة أن آلة إعلام المملكة ونفوذها في دول العالم والمنطقة توقفت عن العمل لأن الحقيقة ظهرت للعيان وتم افتضاح الجريمة وتوثيقها ومتابعتها في الإعلام الدولي والعربي، وبالتالي فإن اعتراف السلطات السعودية بالطريقة التي تم فيها التخلّص من الجثة أو عدم اعترافها لم يعد الأمر الرئيسيّ. لقد تعدّى الأمر التفاصيل الجنائية التي شغلت العالم وما بقي هو التصاق صورة حكام السعودية، وبالخصوص وليّ عهدها محمد بن سلمان، بالحدث، وهو أمر لا يمكن إزالته، كما يُظنّ أنه حصل للجثة، بأحماض الأسيد أو المنظفات. تلعب عناصر قضية اختفاء جثة خاشقجي، والأدلة المتزايدة على طريقة التخلص منها، مع تمنّع سلطات الرياض عن الاعتراف بطريقة القتل والإخفاء، دوراً في إبقاء شبح القتيل يطارد القاتل بشكل لم يعد ممكناً وقفه، فهذه الحالة ستبقى، على عكس ما يريد البعض، معلّقة دائماً، فغياب الجثة يلعب دوراً في استمرار حضور قصة صاحبها في الأذهان وهو ما يعرّض الآمرين بتنفيذها لمحنة من غير الممكن التخلّص منها، وهكذا تصبح فكرة الجريمة ملتصقة مثل اللعنة بالقاتل ولا يمكن إخفاؤها كما حصل مع الجثة. يذكّر الأمر بالرواية الخالدة للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، «الجريمة والعقاب»، التي تصوّر تداعيات الجريمة في نفس القاتل بشكل لا يمكن الهروب منه بأي طريقة، كما تذكر بالتأكيد بالآية الكريمة «ومن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا».  |
| ماكرون في مصيدة الذاكرة: تاريخ حقّ أم عداء للسامية؟ Posted: 08 Nov 2018 01:14 PM PST كما هو العرف في كلّ واقعة، فعلية أو مختلقة، ذات صلة بتهمة العداء للسامية، خاصة في البلدان التي تقع ضمن خانة «المشبوهين الدائمين»؛ انتفض فرنسيس خليفة، رئيس «المجلس التمثيلي للمنظمات اليهودية في فرنسا»، أو الـCRIF في التسمية الموجزة، ضدّ تصريح أدلى به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يخصّ دور أحد جنرالات فرنسا في حسم معركة كبرى أثناء الحرب العالمية الأولى. «الماريشال بيتان كان أيضاً جندياً عظيماً خلال الحرب العالمية الأولى»، قال ماكرون، قبل أن يستكمل المعادلة: «وذلك رغم أنه اتخذ «خيارات قاتلة خلال الحرب العالمية الثانية»؛ في إشارة إلى أنّ بيتان تزعم فرنسا تحت الاحتلال النازي في سنوات 1940 وحتى 1944، كما سمح بترحيل قرابة 13 ألف يهودي فرنسي إلى معسكرات الهولوكوست. «لستُ أغفر شيئاً، ولكني لا أمحو شيئاً من تاريخنا»، ردّ ماكرون على الجدل الذي أثاره تصريحه هذا، غامزاً من قناة خليفة الذي اعتبر حديث الرئيس الإيجابي عن بيتان «صدمة وإهانة» ليهود فرنسا. سجلات التاريخ، من جانبها، لم تمحُ حقيقة ساطعة تشير إلى أنّ الماريشال فيليب بيتان كان، بالفعل، بطل معركة فردان؛ التي اندلعت في شباط (فبراير) 1916 وكانت أشهر معارك الحرب العالمية الأولى وأضخمها، وأكسبت بيتان لقب «أسد فردان». ولم يكن ماكرون أوّل رئيس فرنسي يقرّ بهذه الحقيقة، إذْ سبقه إليها الجنرال شارل دوغول نفسه، حين صرّح في سنة 1966 بأنّ «المجد الذي أحرزه [الماريشال بيتان] في فردان لا يمكن للأمّة أن تنكره أو تمتنع عن الاعتراف به». وهذا إقرار بحقوق التاريخ، والمعنى الأبسط للعلاقة بين الماضي والحاضر في علاقة الأمم بذاكرتها؛ ولا تبدّله أية وقائع لاحقة مناقضة، حتى إذا كانت تسمح باستخلاص حصيلة سلبية إجمالية في نهاية المطاف. لكنّ هذه الواقعة الجديدة تدخل، مباشرة وبدون مراجعات مختلفة، في إطار قديم أوّل هو العلاقة الخاصة بين فرنسا واليهود؛ وليس مواطنيها اليهود وحدهم، في الواقع، بل يهود أوروبا بصفة خاصة، ثمّ يهود العالم عموماً. الأسباب تاريخية في الجوهر، ففي هذا البلد ولدت القضية الشهيرة التي تضمنت محاكمة الضابط الفرنسي اليهودي ألفريد دريفوس، البريء في نهاية المطاف، والذي استثار رسالة إميل زولا الشهيرة: «إني أتهم!»، في سنة 1898. وفي هذا البلد ولدت، للمرة الأولى، فكرة الدولة اليهودية كما تخيلها، وحلم بها، صحافي نمساوي يهودي يدعى تيودور هرتزل، كان مراسلاً لـ«الصحافة الحرة الجديدة»، أبرز المطبوعات الليبرالية في أوروبا تلك الأيام. ورغم أنّ هرتزل لن يشهد تبرئة دريفوس لأنه توفي عام 1904، فإنه أبصر الجموع المحتشدة ضدّ دريفوس، وأصغى إلى هتاف «الموت لليهود!»، وكانت مناخات العداء للسامية هذه هي التي دفعته إلى كتابة مسرحيته «الغيتو الجديد»، ثمّ كرّاسه الأشهر «الدولة اليهودية». الإطار القديم الثاني هو السجال، الذي لا يُحسم ولا يتوقف، حول ما إذا كانت فرنسا الأمّة، وفرنسا الدولة، هي بدورها مسؤولة عن ترحيل اليهود إلى معسكرات الهولوكوست خلال فترة حكومة فيشي؛ أم، في المقابل، كانت تلك قرارات بيروقراطية وعسكرية، ضمن نظام مرتبط باحتلال خارجي، وهي بالتالي لا تمثّل إرادة الأمّة ولا الدولة في مفهومها العريض. وكان أربعة من رؤساء فرنسا خلال الجمهورية الخامسة (دوغول، جورج بومبيدو، فاليري جيسكار ديستان، وفرنسوا ميتيران)، قد تبنوا القراءة الثانية، فبرأوا الأمّة والشعب والدولة من جريمة الترحيل؛ وكان جاك شيراك أوّل رئيس اعتنق القراءة الأولى، في سنة 1995، حين اعتبر أنّ حكومة فيشي كانت هي الدولة، وهي فرنسا الرسمية، وهي مسؤولة عن الترحيل. ولسوف يقتفي الرئيسان نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند أثر شيراك، بل سيذهب ساركوزي أبعد كثيراً حين حمّل أطفال فرنسا، تلاميذ المدارس الابتدائية والمتوسطة، عبئاً من طراز خاصّ، ثقيل ورهيب: إلزام كلّ طفل حيّ بإحياء ذكرى طفل قضى في المحرقة، على نحو أقرب إلى تقمّص الحيّ للميت! سوف يقتفي الرئيسان نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند أثر شيراك، بل سيذهب ساركوزي أبعد كثيراً حين حمّل أطفال فرنسا، تلاميذ المدارس الابتدائية والمتوسطة، عبئاً من طراز خاصّ، ثقيل ورهيب: إلزام كلّ طفل حيّ بإحياء ذكرى طفل قضى في المحرقة، على نحو أقرب إلى تقمّص الحيّ للميت! ولم تكن مصادفة محضة أنّ ساركوزي أعرب عن هذه الرغبة خلال خطبته أمام العشاء السنوي الذي ينظمه مجلس الـ CRIF، والذي يتسابق كبار ساسة فرنسا على حضوره والخطابة فيه، للتقرّب من هذه المؤسسة الأهمّ على صعيد تنظيم حياة، واستثمار قوى وطاقات، نُخَب الفرنسيين اليهود. وهذا يقود إلى الإطار الثالث، القديم المتجدد بدوره، أي العلاقات التاريخية بين فرنسا والكيان الصهيوني، وطبائع منعكسات ذلك السجلّ على «المحرّم» الأكبر، أي نقد سياسات دولة الاحتلال الإسرائيلي بوصفها ممارسة ــ مباشرة، وليست غير مباشرة ــ لتهمة العداء للسامية. وهكذا، كان روجيه كوكيرمان، الرئيس الأسبق للـ CRIF، قد علّق على أحلام السلام الفلسطيني ـ الإسرائيلي، التي أعرب عنها يهودي فرنسي آخر هو تيو كلاين، كان رئيس المجلس التمثيلي ذاته؛ قائلاً: «قد نرغب في رسم الذئب بألوان وردية. لكنه يظلّ ذئباً»! وكان كوكيرمان يتساءل عن (ويشكك في) حقّ أيّ يهودي في انتقاد الحكومة الإسرائيلية، الآن بالذات. وبالطبع، ولمن فاته إدراك طرفَي الاستعارة، فإنّ ياسر عرفات كان هو الذئب الذي يمكن رسمه باللون الوردي دون أن يتغيّر باطنه الذئبي. كذلك تابع كوكيرمان حملة تأثيم أعداء إسرائيل في فرنسا، فكتب مقالة في صحيفة «لوموند»، شنّ فيها الهجوم على «قادة هذا البلد ممّن يقللون من أثر الأفعال المعادية لليهود»؛ وعلى «السلطات التي يحلو لها أن ترى في الهجوم على كنيس مجرّد عمل من أعمال العنف وليس فعلاً معادياً للسامية»؛ وعلى «بعض اليهود الذين فقدوا الصلة بالواقع اليهودي»؛ وعلى وسائل الإعلام «التي يطيب لها إعطاء أكبر صدى ممكن للأصوات التي تنتقد إسرائيل واليهود، خصوصاً حين تكون تلك الأصوات يهودية»…. يبقى إطار رابع، مفهومي بقدر ما هو وجداني وشعوري، أيّ علاقة أية أمّة أوروبية بتاريخها إجمالاً، وبذلك الشطر المقيت الأسود الذي يخصّ دورها في المحرقة خصوصاً؛ وهذا نطاق لا يبدأ من فرنسا، ولا من ألمانيا، ولا من أيّ بلد استضاف معسكرات الهولوكوست، هنا وهناك في أوروبا. وليس عجيباً، وإنْ كان رهيب الدلالة في الواقع، أن يعرب ماكرون عن ذهوله إزاء التشابهات المفزعة بين أيامنا هذه (ويقصد أوروبا تحديداً)، وتلك الأحقاب التي أفرزت مناخات الحرب العالمية الأولى، وأختها الحرب العالمية الثانية؛ خاصة في ميدان استفاقة العصبيات القومية والعنصرية، وصعودها إلى مصافّ الحكم في دول أوروبية مثل إيطاليا وهنغاريا والنمسا… صحيح أنّ استفاقة ماكرون على أوروبا «مغالية في ليبراليتها»، و«لم تعد تسمح للطبقات الوسطى بمستوى معيشة لائق»، جاءت متأخرة تماماً، ومعاكسة لكثير من سياساته؛ إلا أنّ الرئيس الفرنسي اضطر إلى مواجهة الحقيقة، هنا أيضاً، على النحو ذاته الذي دفعه إلى الإقرار بدور بيتان في إنقاذ فرنسا من الاحتلال الألماني في سنة 1916. وعلى نحو أو آخر، كان ماكرون يتحرّك في هوامش مكشوفة من المناورة بين السجلّ التاريخي والواقع الراهن، ليس بعيداً عن مصيدة الذاكرة في الحالتين: حيثما توجّب أن يفي التاريخ حقّه، توجّب أن يغضب أولئك الذين لا ينظرون إلى التاريخ إلا من ثقب العرف الانتقائي والاختزالي؛ وحيثما شاء إنصاف فرنسا الأمّة والدولة، توجّب أن ينزلق أكثر فأكثر في متاهات المصيدة؛ في بلد حظي على الدوام بمكانة خاصة في نفوس يهود العالم، وبأرشيف عاصف أيضاً… كاتب وباحث سوري يقيم في باريس  |
| العراق: الموازنة العامة والسياسات الارتجالية Posted: 08 Nov 2018 01:12 PM PST تعكس الموازنة العامة بشكل عام السياسة المالية التي تتبعها الحكومة وتوجهاتها الاقتصادية. وفي العراق، حيث تم اصطناع الديمقراطية قبل بناء الدولة، بعد 2003، وحيث الحدود بين الدولة والسلطة لا تزال غير واضحة، وحيث صراع الهويات يحكم كل شيء، فإن الموازنة العامة توظف من أجل مكاسب سياسية مباشرة، ولا تعبر عن إستراتيجية عمل مالية واقتصادية قصيرة أو متوسطة أو طويلة الأمد. لاسيما مع وجود دولة ذات بنية اقتصادية ريعية، حيث يقتصر دور الحكومة على أساليب وسياسات تدوير الريع النفطي داخل المجتمع. يوجب القانون أن تعد وزارة المالية الموازنة العامة للدولة وتقدمها إلى مجلس الوزراء في شهر أيلول/ سبتمبر من كل عام لإقرارها، ومن ثم تقديمها إلى مجلس النواب للمصادقة عليها بتاريخ 10 تشرين الأول/ أكتوبر (قانون رقم 94 لسنة 2004). واستنادا إلى ذلك فقد قامت وزارة المالية ومجلس الوزراء السابق بإنجاز الموازنة الاتحادية للعام 2019 مع تأخير في المواعيد أصبح جزءا من التقاليد العراقية! وبعد التصويت على الحكومة الجديدة برئاسة عادل عبد المهدي بتاريخ 24 تشرين الأول/اكتوبر، قامت الحكومة الجديدة بتقديم مشروع قانون الموازنة إلى مجلس النواب بتاريخ 28 تشرين الاول/ اكتوبر. وقد بلغت قيمة الموازنة أكثر قليلا من 107 مليارات دولار (128 ترليون و443.5 مليار دينار عراقي)، وبلغت قيمة العجز في الموازنة ما يقارب 19 مليار دولار (ما يقارب 22 تريليون و874 مليار دينار عراقي) يفترض أن تتم تغطيته عبر الاقتراض بالدرجة الأساس! ومن خلال إمكانية ارتفاع أسعار النفط (تم احتساب الإيرادات المخمنة على أساس معدل سعر 56 دولارا للبرميل الواحد)، وعلى إمكانية ارتفاع معدلات التصدير (تم احتساب معدل تصدير قدره 3 ملايين و880 ألف برميل يوميا). حيث تشكل الإيرادات النفطية نسبة 88.7٪ من مجموع الإيرادات العامة، أما الإيرادات غير النفطية فهي تغطي نسبة قليلة من مجموع الإيرادات، وأهم عناصرها الضرائب وحصة الموازنة من أرباح القطاع العام. إن المشكلتين البنيويتين الأهم في مشروع الموازنة، هما مشكلة الموازنة التشغيلية، ومشكلة استسهال اللجوء إلى الاقتراض! وهما مشكلتان مزمنتان على الأقل خلال السنوات الاخيرة. فتحليل أرقام الموازنة يكشف أن ما نسبته 74.6٪ من مجموع الإنفاق العام يذهب إلى الموازنة التشغيلية! كما يكشف مشروع الموازنة عن الإفراط في الاقتراض الخارجي، وأن فوائد الاقتراض الخارجي والداخلي لعام 2019 فقط، وصلت إلى ما يقرب من 10٪ من قيمة الموازنة ككل! المشكلتان البنيويتان الأهم في مشروع الموازنة هما مشكلة الموازنة التشغيلية ومشكلة استسهال اللجوء إلى الاقتراض! وهما مشكلتان مزمنتان على الأقل خلال السنوات الأخيرة. وليس ثمة حلول لمعالجة تضخم الإنفاق العام الذي يتطلب استراتيجية لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي طويلة المدى لا يمكن أن تؤتي ثمارها بشكل عاجل لاسيما فيما يتعلق بالتضخم غير المسبوق في أعداد العاملين في الدولة. فتبعا لبيانات الموازنة العامة ارتفع عدد الموظفين العاملين الذين يحصلون على رواتبهم من التمويل المركزي من مليون وأربعة وسبعين ألف عام 2004، إلى مليونين وتسعمئة وواحد وثلاثين ألف وتسعمئة وواحد وستين عام 2019. أي بزيادة مقدارها ثلاثة أضعاف تقريبا. ولكن هذا الرقم لا يشمل جميع من يتلقون رواتب من الدولة! فهناك ما يزيد عن مليوني متقاعد (لم يكن هذا الرقم يزيد عن 600 ألف في العام 2003!). تضاف إليهم مئات الآلاف من عوائل الشهداء والسجناء السياسيين ممن يتقاضون رواتب، فضلا عن المتعاقدين والمشمولين بالرعاية الاجتماعية، ليصل الرقم إلى حدود 8 ملايين مواطن عراقي يتلقون رواتب من الدولة. واستنادا إلى أرقام الجهاز المركزي للإحصاء/ وزارة التخطيط لعدد سكان العراق في العام 2018، فنحن نتحدث هنا عن نسبة تصل إلى 40٪ من البالغين فوق 18 سنة يتلقون رواتبهم من الدولة (عدد السكان 38.124 مليون نسمة، عدد من تقل أعمارهم عن 15 سنة 15.428)! ومن ثم نحن هنا بصدد أرقام لا يمكن معها التفكير بسياسات اقتصادية حقيقية في مجال إعادة الهيكلة، أو التفكير بإمكانية قيام تنمية حقيقية. على أن التدقيق في أرقام الموازنة سيكشف أيضا عن مؤشر خطير آخر يتعلق بطبيعة الدولة الطائفية التي يتم تكريسها في العراق يوما بعد يوم؛ فالأرقام المتعلقة بالموازنات الاستثمارية في المحافظات تكشف عن إغفال تام لطبيعة المشكلات التي تواجه المناطق ذات الغالبية السنية التي تعرضت لكوارث نتيجة الحرب التي استمرت أكثر من أربع سنوات! كما تكشف عن تفاوت غير منطقي، وغير مسوغ في هذه الموازنات! مثال على ذلك فإن مبلغ الموازنة الاستثمارية لمحافظة نينوى، ثاني أكبر محافظة عراقية بعدد سكان يبلغ قرابة أربعة ملايين نسمة، والتي تعرضت إلى دمار شديد للبنية التحتية في الحرب على «تنظيم الدولة» لا يزيد عن مئة وستة ملايين دولار فقط، في مقابل موازنة استثمارية لمحافظة البصرة (ثالث أكبر محافظة بعدد السكان يبلغ 2.972 مليون نسمة) بلغت 790.59 مليون دولار! كما تكشف الأرقام عن تفاوت غير مسوغ، وغير مفهوم، في عدد الموظفين المعينين على ملاك المحافظة، وهو ما يعكس بشكل صارخ السياسات التمييزية ذات الطبيعة الطائفية التي اعتمدتها الحكومات العراقية المتتالية في هذا الشأن! فعدد القوى العاملة في المحافظات خارج إطار التوظيف المركزي المرتبط بالوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة يبلغ في محافظة الموصل 1323 موظفا عموميا فقط (أي ما نسبته 0.003٪ إلى عدد سكان المحافظة) في حين يبلغ عدد العاملين في محافظة البصرة مثلا 75048 موظفا عموميا (أي ما نسبته 2.5٪ من مجموع عدد السكان)! ومراجعة لأرقام الموظفين في محافظات الأنبار وصلاح الدين، ستثبت هذه الحقيقة بشكل فاضح! إذا يبلغ عدد الموظفين في الأولى 1381 (يبلغ عدد سكانها 1.796 ألف نسمة) وفي الثانية 1072 (يبلغ عدد سكانها 1.615 ألف نسمة) في مقابل 23724 في محافظة المثنى أصغر محافظة عراقية (يبلغ عدد سكانها 824 ألف نسمة فقط)! في ظل هكذا وقائع، وأرقام، يبدو من العبث الحديث عن سياسات ذات طبيعة اقتصادية قادرة على معالجة الاختلالات التي كرستها السياسات الارتجالية خلال السنوات التي مضت، ولابد من سياسات إعادة هيكلة حقيقية، وقاسية، سياسيا واقتصاديا، لإخراج العراق من دائرة الفشل التي أحكمت حلقاتها! كاتب عراقي  |
| فلسفة إدارة التغيير: القوة الناعمة وخيار الضرورة Posted: 08 Nov 2018 01:11 PM PST لم تستطع أمريكا رغم اعتماد أوباما نهج «السياسة الناعمة» تقليصا للقوّة الخشنة، الخروج من مأزق السياسة العدائية الذي أصبح مرتبطا بها لعقود، استنادا إلى القوّة القسرية والتدخّل العسكري في أكثر من دولة ذات سيادة، ولن يتراجع منسوب التوجّس لدى الشعوب من هذه الدولة، لأنّها ببساطة لم تُغيّر أهدافها السياسية المرتبطة بمشروع الهيمنة، وإن غيّرت الأسلوب ليظهر أقلّ خُشونة بالشّكل الذي يعتمد «الوكلاء». ولكن القوّة الحربية تعُود لتكون العنصر الحاسم عند فشل الاستراتيجيات الأخرى، التي يُلخّصها جوزيف ناي في «القوّة الناعمة»، فالوسيلة الأسرع في تحقيق الغايات هي القوّة العسكرية، والولايات المتحدة استخدمتها لعقود غير عابئة بالمرجعيات الدولية، فوتّرت بذلك مناخ العلاقات الدولية والآلية العسكرية كانت حاضرة بقوّة، دمّرت دولا، ومزّقت بنيتها القومية وفكّكت نسيجها الاجتماعي. وقد أصبحت السياسة الأمريكية منذ باراك أوباما واستنادا إلى مفكّرين ومنظّرين استراتيجيين تعتمد القوّة الناعمة، إضافة إلى القوّة العسكرية والاقتصادية، في تكتيك جديد للحدّ من كلفة النفقات التي ضُخّت في الحروب، خاصّة تلك التي خيضت في العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأوّل من الألفية الثالثة، ضمن سياق التدخّل الخارجي المفرط لمن نصّب نفسه «شرطي العالم». وبدا من الممكن أن تكون «قوّة التعاون الطّوعي» بديلا للقوّة العسكرية المباشرة، من جهة القدرة على تشكيل ما يُريده الآخرون بالاعتماد على «طيف السّلوك غير الآمر». إنّها القوّة الجذّابة أو هي القدرة على امتلاك الجاذبيّة للتّأثير في سلوك الآخرين، من دون إرغامهم بتهديد أو إغرائهم بمورد مادّي. وهي القدرة على كسب العقول والقلوب في آن، لتحقيق الأهداف الاستراتيجية التي ترجُوها أمريكا، وحثّ عليها مفكّروها الذين يؤثّرون بطريقة غير مباشرة على القناعات السياسية للبيت الأبيض، وتظهر نظرياتهم في مستوى التطبيق داخل الإدارة الأمريكية. وهذه القوّة تحمل في جوهرها قدرة أمّة ما على التأثير في أمم أخرى، وتوجيه خياراتها العامّة، استنادا إلى جاذبية نظامها الاجتماعي والثقافي، ومنظومة قيمها ومؤسّساتها بدل الاعتماد على الإكراه أوالتهديد. وربّما لا نعدو الحقيقة عندما نقول إنّ القوّة النّاعمة التي بدت تتجلّى منذ عهدة أوباما الرئاسية، ساهمت في زعزعة استقرار الدول في المنطقة بشكل ملحوظ، من دون تدخّل عسكري وفق النمط التقليدي الذي دمّر العراق زمن بوش الابن. وفي ما يبدو نجحت الولايات المتحدة في استخدام وسطاء إقليميين في حرب بالوكالة شُحِذت فيها الطائفية، واُستُغِلَّ العامل الثقافي والعرقي والمذهبي في خلق التّفرقة والاقتتال، ضمن مشروع «الفوضى الخلاّقة»، وهي مسارات مغايرة للقوّة العسكريّة المباشرة التي كانت لها تكلفة بشرية ومعنوية ومادّية كبيرة، وبذلك وجدت الولايات المتحدة «التّغيير عن بُعد» بعبارة ريتشارد آرميتاج الوسيلة الأقلّ تكلفة، وإن كان هناك من يُموّل كلّ التحرّكات العسكرية والاستراتيجية على اختلاف أنواعها، ويكفيه اعتزازا أن يبقى ضمن قائمة الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة الأمريكية، رغم حجم ما يُنفقه لتغطية العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط وحوض المتوسّط، من صعود طائرة بدون طيّار إلى إطلاق صاروخ توماهوك، أو تحريك بارجة حربية للتهديد والوعيد. القوّة النّاعمة التي بدت تتجلّى منذ عهدة أوباما الرئاسية، ساهمت في زعزعة استقرار الدول في المنطقة بشكل ملحوظ ويجري الاعتقاد الجازم أنّ مثل هذه السياسة هي التي فُعّلت بشكل واضح في السنوات الثماني الأخيرة منذ وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض، وتعبيراتها الأبرز التي تُتَرجم اصطلاحا في القوّة الناعمة، تعني القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية واستمالة القلوب وترويض العقول بدلا من الإرغام أو دفع الأموال، وهي سياسة تخلق فجوة بين الشعوب والأنظمة الحاكمة، من خلال أشكال التواصل الحديثة عبر التقنيات التكنولوجية، التي تُعدّ لغة العصر، جاذبيّة الثقافة أوالسياسة لبلد ما تُحدث تأثيرا في دول أخرى أو كيانات جيوسياسية، ومثل هذه الاستراتيجية الناعمة تُفقد الدول سيادتها وتفكّكها من الداخل، من دون تدخّل عسكري تقليدي مباشر، وبالتالي ليست سياسة ضعف كما نقد كثيرون، وفق منظور مقارنيّ، واقعية أوباما استنادا إلى منطق القوّة التي انتهجها الجمهوريون قبله، وتُرجمت في العمل العسكري والحروب الخارجية، بل هي شكل من أشكال القوّة وقد تكون من أخبث الوسائل غير المنظورة في العلاقات الدولية وفلسفة إدارة التغيير وتطويع الأحداث المتسارعة واستيعابها. كاتب تونسي  |
| محاكمة الصحافي بوعشرين: لماذا السرعة القصوى؟ Posted: 08 Nov 2018 01:11 PM PST بدا في الأسابيع الأخيرة أن المحكمة التي تنظر في قضية توفيق بوعشرين تسابق الزمن بينما كان يظهر بوضوح في البداية للمتابعين أنه شاب أطوارها تماطل كبير وخصوصا خلال الأشهر الخمسة الأولى لاعتقال الصحافي. صار يخمن البعض الآن أن هناك ضغطا ما أو تاريخا ما لا يجب تجاوزه. فما هي أسباب هذا السباق الماراثوني الذي أتعب بوضوح القضاة والدفاع وخصوصا المتهم المصاب بمرض السكري؟ أولا: قد يكون هذا التاريخ الضاغط هو موعد انعقاد اجتماع الفريق الأممي العامل حول الاعتقال التعسفي في جنيف والذي سجل من بين القضايا التي سيثيرها في النصف الثاني من هذا الشهر قضية الصحافي بوعشرين، فالحكومة المغربية تفضل أن يكون الأمر قد حسم حتى يمكنها استعمال الحكم القضائي كدليل على ثبوت التهم ضد المتابع. ثانيا: كلما طالت المحاكمة تعرف الرأي العام المغربي وضمنه جزء من النخبة المقربة من النظام على أبعادها السياسية وعلى الخروقات القانونية الخطيرة التي تشوبها. وهو ما يدل عليه مثلا موقف بعض الشخصيات الإصلاحية غير المعروفة بمعارضتها للحكم والتي عبرت، في الأيام الأخيرة، عن مساندتها للصحافي في محنته، معتبرة أن المحاكمة استهداف لخطه التحريري ولمؤسسته الإعلامية. وهكذا صرح محمد الخليفة، وهو أحد زعماء حزب الاستقلال التاريخيين، أنه « اتضح الآن لكل متتبع لمحاكمة الصحافي اللامع بوعشرين أن جريمته الوحيدة هي أنه تبنى بقلمه وفكره قضية بناء المغرب الذي ينشده كل ذي ضمير حي ووطني (…) إن ما يتم الترويج له هو مجرد اتهامات باطلة لا يصدقها عقل ولا يسوغها منطق (…) نحن أمام سيناريو، إن لم أقل مؤامرة دبرت بليل من أجل إلباسها لبوس الجريمة». كما أن إسماعيل العلوي الأمين العام السابق لحزب التقدم والاشتراكية المشارك في الحكومة، قد نبه الحاكمين على «أن اعتقال بوعشرين لا يخلو من خطورة لأن المس بحرية الرأي والصحافة هو من أخطر الأمور التي يمكن أن تحدث». بالإضافة إلى هذا، أعلنت هاتان الشخصيتان البارزتان انضمامهما إلى «لجنة الحقيقة والعدالة في قضية الصحافي توفيق بوعشرين»، التي تأسست في يونيو ـ حزيران الماضي لمتابعة أطوار المحاكمة وتنوير الرأي العام حول مجرياتها القضائية والسياسية، بالإضافة إلى إسماعيل العلوي ومحمد الخليفة، أدلى بدلوه في القضية الوزير السابق، عبد الحق التازي، الذي كان واضحا فيما يخص تأثير طول المحاكمة وسياقها المتوتر، على رؤيته للأمور. صرح التازي: «بعد مرور أكثر من 250 يوما على المسرحية الرديئة لاعتقال ومحاكمة الصحافي توفيق بوعشرين، زاد يقيني بأنه كبش فداء لمن لا يطيقون النقد والمعارضة من أي جهة كانت، خاصة إذا كانت من صحافي مهني مقتدر (…) أتمنى كجميع المغاربة أن يدفع ما حصل للصحافي جمال خاشقجي وللنظام السعودي، بالذين خططوا للمحاكمة البئيسة لبوعشرين، أن يطلقوا سراحه فورا وهذا أضعف الإيمان». كلما طالت المحاكمة تعرف الرأي العام المغربي وضمنه جزء من النخبة المقربة من النظام على أبعادها السياسية وعلى الخروقات القانونية الخطيرة التي تشوبها ـ أما السبب الثالث الذي قد يكون دفع بأصحاب القرار تسريع الخطو نحو إنهاء المحاكمة، مع التخلي ربما عن التهم الأكثر غرابة كالإتجار في البشر، فهو الوقع الكبير الذي أحدثته في المغرب جريمة حكام السعودية ضد الصحافي المنشق جمال خاشقجي بحيث يربط الكثير من المواطنين الآن بين القضيتين. خصوصا بعد رفض المحكمة اللامبرر إرجاع هاتف الصحافي بوعشرين لصاحبه ليبرهن أمام العدالة بأنه تلقى فعلا رسالة عبر الوتساب من زميله خاشقجي، يحذره فيها من أنه قد يتعرض ـ أي بوعشرين ـ للاغتيال على يد عملاء الرياض بعد نقده اللاذع بل وسخريته من رجل السعودية القوي محمد بن سلمان. هذه المعلومة إذا أضيفت إلى شهادة أحد المسؤولين المغاربة أن الرباط قد تلقت فعلا شكاية من الحكومة السعودية تحتج فيها على انتقادات الصحافي بوعشرين لقيادتها، فهي تزيد من تعقيد التدبير الإعلامي الرسمي لقضية الصحافي المعتقل. ومن بين مظاهر تراجع الأطروحة الرسمية التي تقول إن بوعشرين وحش مغتصب ومتاجر في البشر وأن برنامج «البوصلة» الذي تبثه صفحة الحزب الاشتراكي الموحد، الذي التزم منذ البداية موقفا حذرا إزاء القضية، قد نشر تصريحا مهما لأحد قيادييه الأساسيين محمد الساسي. ومن بين ما أكده الأخير، وهو أستاذ جامعي مختص في القانون الجنائي، أن « الصحافي توفيق بوعشرين أزعج مجموعة من الجهات لأن لديه ارتباطا مع بنكيران ويدافع عنه ولأن لديه معلومات وما يقوله يحدث دائما… (وهذا) يكشف مجازية اللعبة».مجازية المحاكمة تظهر كذلك في رفض المحكمة لكل طلبات الدفاع وفي حملة التشهير القوية التي خاضها الإعلام المقرب من السلطة ضد «المشتكيات» والمصرحات اللائي رفضن مسايرة الأطروحة الرسمية أي اتهام بوعشرين باغتصابهن أو بيعهن للغير. وقبل الختم وللتدليل على الطابع الجائر والمسيس للمحاكمة لا بد أن نذكر، أن المحكمة لم تحترم حتى حرفية أخطر قانون يتابع بفصوله الصحافي بوعشرين وهو المتعلق بمكافحة الإتجار بالبشر. حيث يؤكد القانون رقم 27.14 في أحد فصوله: «يعاقب على جريمة الإتجار بالبشر بالسجن من عشرين إلى ثلاثين سنة» في حالة «إذا ارتكبت الجريمة ضد شخص يعاني من وضعية صعبة بسبب كبر سنه أو بسبب المرض أو الإعاقة أو ضد امرأة حامل». تغاضت النيابة العامة وهيئة المحكمة تماما عن هذا الفصل رغم وجود امرأة حامل من بين «المشتكيات». وإذا ظهر السبب بطل العجب، إذ أن قانون المسطرة الجنائية، ينص على إلزامية المرور عبر مسطرة التحقيق التي يباشرها قاضي التحقيق إذا كانت العقوبة القصوى إلى ثلاثين سنة. إلا أن من يقف وراء متابعة الصحافي لا يرغب في أن يستفيد المتهم من التحقيق الذي يوفر ضمانات كبيرة ومنها المواجهة بينه وبين «المشتكيات» وهي طريقة فعالة في إظهار الحقيقة. إلا أن الحقيقة ليست ديدن القضاء الجائر. كاتب مغربي  |
| كعكة الإعمار السورية والانكفاء المصري Posted: 08 Nov 2018 01:10 PM PST بعد انتهاء منتدى شباب العالم في شرم الشيخ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة يتمثل في طبيعة الحلقة الضيقة التي تحيط بالرئيس السيسي ومدى رؤيتها وثقافتها، وربما يجب أن يكون السؤال على منحى آخر من حيث المبدأ، هل ثمة وجود لحلقة ضيقة من المستشارين حول الرئيس المصري. يصرح السيسي بصورة صادمة حول إعادة إعمار سوريا، معلناً أن مصر لن تدفع مالاً في إعادة الإعمار، ويدعو بشكل مبطن لأن تقوم الدول الأخرى باتخاذ الموقف نفسه، ومع أن مصر لم تكن أصلاً من الدول المدعوة للمشاركة في إعمار سوريا، ودورها في الأزمة كان دائماً دون الحجم الذي يليق بمصر وتأثيرها، فإن الوقوف على هذه الذهنية من الضروري أن يتم رصده، لأنه يلقي ظلاله على جميع معطيات المستقبل في مصر، الذي هو بالتأكيد جزء من مستقبل المنطقة. كنت كتبت سابقاً في دراسة مطولة حول حكم العسكر، وأبديت فيها بعضاً من التفاؤل في ذلك الوقت، ما يلي: «مصر ليست اليوم في امتحان، مصر المصريين في مواجهة مصر العرب، إنما هي بين مفترق طرقات بين الاندثار تحت ركام تصورات تاريخية (فرعونية) لن تبلغها في أفضل الأحوال، ما تشكله اليونان اليوم بالنسبة إلى أوروبا، أو أن تتقدم لقيادة العالم العربي والإسلامي، وأن تستعيد لحظة الحداثة والريادة المسروقة في زمن محمد علي، فمصر لا يمكن أن تكون مثل كوريا أو اليابان، كما يعتقد البعض، لأنها في وسط العالم، سيدة على طرقات كثيرة وخطيرة، ودروب صعبة ووعرة، لا يمكن أن ينسى العالم، أو أن يتناسى، مصر ليمنحها فرصة للنضوج والتطور المتزن». هذه الرؤية كانت بعيد الانتهاء القسري للتجربة الإخوانية، ويبدو أن الحكم ذا الخلفية العسكرية، لم يستطع الإجابة عن أسئلة التحول المهمة التي كانت تنتظر مصر، ولذلك فالانسحاب المجاني من مسألة إعمار سوريا يتناقض مع وجود رؤية تخول مصر أن تؤدي أي دور قيادي في المنطقة، ومن دون الدور القيادي فإن الاقتصاد المصري كله سيدخل في مرحلة الانغلاق والانكفاء، ومعه الدور المصري بأكمله، ومستقبل مصر بوصفه دولة عالية الكثافة السكانية. يشكل إعمار سوريا موضوعاً للتنافس الدولي، ولا أحد ينظر إلى فكرة تمويله من حيث المبدأ، فالجميع يوجه نظره للفرصة التي تلوح لمشروع كبير للغاية، تقف روسيا على رأس الطاولة، وتقبض على السكين أمام الكعكة المغرية، وبمحاذاتها ايران وتركيا، وفي المقابل يجلس العم سام وبعض الحلفاء الأوروبيين بنظرة ابتزازية على الطرف الآخر، فالوجود في سوريا لا يعني أموالاً وأرصدة فورية ساخنة بقدر ما يحمل في طياته فرصاً استراتيجية بعيدة المدى. ستبدأ ورشة إعمار سوريا وستؤدي إلى انتعاش في المنطقة، فحتى الأردن بإمكانياته المحدودة تواصل مع السوريين، على أساس حق الجيرة والتعويض عن حصته في الأزمة السورية، من أجل أن يحصل على قطعة ولو صغيرة من إعادة الإعمار، ويعرف الأردن بالطبع أن الأموال ستتوافر من أجل ذلك، بطريقة أو بأخرى ستتوافر الأموال، وتحت هذا الشعار أو ذلك الترتيب ستبدأ الشركات العالمية والإقليمية والمحلية في العمل، وهذه ليست المرة الأولى، فالأمريكيون عندما أعلنوا مشروع مارشال في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية كانوا ينظرون لمكاسبهم الاستراتيجية. يحمّل الرئيس السيسي السوريين مسألة خراب بلدهم، وهذه مسألة فيها كثير من النظر، ولذلك يعتقد بأن أحداً يجب أن لا يدفع من أجل استعادة سوريا، يستهجن في سؤاله فكرة طلب التدخل والمشاركة في إعادة الإعمار، مع أن الإجابة قدمت نفسها مراراً وتكراراً، فلماذا تدخلت إيران وروسيا وتركيا وأمريكا ودول أخرى في الحرب، لماذا تحملت تكلفة الجيوش والإمداد والمغامرة السياسية؟ هذه أسئلة على قدر كبير من الأهمية، تحمل في طياتها الإجابة عن تساؤلات السيسي. يتناقض سؤال السيسي مع وقائع تدفق مساعدات كبيرة لمصر بعد ثورة يناير/كانون الثاني، فلماذا لم يتساءل الذين تقدموا لدعم مصر بطريقته نفسها، يعلم السيسي أن الأسباب يمكن أن تجمل في عدم رغبتهم في وجود فوضى في مصر، وضرورة وجود مصر حليفاً على خريطتهم، وما يمكن أن يوفره موقع مصر وثقلها السكاني في التحالفات التي تخصهم، وذلك ينطبق إلى حد بعيد على سوريا. صناعة الحرب لا تتوقف عند الاشتباك الميداني أو فعل الحرب نفسه، فإعادة الإعمار لعبة اقتصادية مهمة تتابعت على مدى التاريخ، وهي جزء من إحداث الانقلابات الجوهرية في دورات الركود والرواج على المستوى العالمي، ولكن الخلفية الاقتصادية للرئيس السيسي لا تبدو على هذه الدرجة من العمق في فهم الاقتصاد السياسي، وبالطبع ليس دوره أن يكون كذلك، ولم يكن دوره رئيساً للمخابرات الحربية، ومع ذلك، فإن مصر تحفل بالأساتذة المهمين في هذا المجال، الذين يمكنهم أن يهمسوا في أذن الرئيس ببعض من الأفكار الاقتصادية المهمة، ويمكنهم أن يحدثوا فرقاً كبيراً يؤسس لاقتصاد يركز على القيمة، وليس على الإدارة قصيرة المدى، وهو ما يعاني منه أصحاب الفكر الاقتصادي في مواجهة من يتطلعون إلى توفير أموال ساخنة، لضخها في اقتصاد يجنح لتضخم سعري وتحالفات احتكارية، وتترنح عملته في مواجهة ضغوط تراجع الإنتاجية، وهو ما يؤكد أن حصول مصر على حصة في إعادة الإعمار متطلب يجب أن تسعى مصر لتحقيقه، من أجل التشغيل على المستوى الاقتصادي، ومن أجل أسباب أمنية، فالاستقرار في سوريا يجنب مصر وغيرها بالتأكيد مخاطر أمنية كبرى، وإعادة الإعمار في هذا السياق حتى لو اتخذ صبغة انتهازية، هو استثمار في المستقبل لتجنب الحروب المحتملة وراء حالة عدم الاستقرار، وهو ما تقل تكلفته عن خوض حرب فعلية، سواء كانت أمنية أو عسكرية. السلام في المنطقة هو حرب في مفهومه من حيث توظيف الموارد والاستثمارات، ولا يوجد سلام مجاني، ومصر تعرف تكلفتي الحرب والسلام، لأنها خاضت التجربتين خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وهو شيء يفترض أن يبقى متجذراً وحاضراً في الثقافة السياسية والاستراتيجية لقيادتها في هذه المرحلة من التاريخ، ومن يعرف تكلفة البديلين وعائدهما، يفترض أن يعرف تكلفة إعادة الإعمار وعوائدها، فالأمر ليس مجرد مناكفة بين أسرتين في قرية مجهولة بعيدة عن الحضارة، ولكنه جزء من علاقات دولية يجب أن تشهد أصولاً ثابتة ومستقرة لضمان إدارة التداول العالمي، سواء في شكله الاقتصادي أو السكاني أو الثقافي، فالدولة تتخطى فكرة الشركة كما يفكر كثير من الأجيال الجديدة من السياسيين، وإن يكن من الممكن تقبل فكرة الدولة كشركة فإنه خارج الزمن ومنطقه أن يجري التفكير بالمنطق الاقطاعي في شؤون الدولة وتدبيرها. كاتب أردني  |
| انتخابات المجالس المحلية: ماذا قالت الجماهير العربية في إسرائيل؟ Posted: 08 Nov 2018 01:09 PM PST انتخبت الجماهير العربية في إسرائيل مرشّحيها لمعظم المجالس المحلية والبلدية، بعد أن خاضت معارك اتسّمت بشراسة شديدة في كثير من القرى والمدن العربية، رغم نداء البعض ألّا تخرج الممارسة الديمقراطية عن طبائعها التنافسية الحضارية، ورغم ندائه أن تخلو المنافسات من العنف، ذلك أنه سيترك جروحًا اجتماعية خطيرة، وآثارًا سياسية سلبية. ولكنّ الأمنيات في شرقنا تبقى رهائن للخيال وحبيسات في القلوب، ففي الشوارع سادت، على الأغلب، “حكمة” العصا وتربع سلطان الخوف وتجبّره. ستكون لنتائج الانتخابات، بطبيعة الحال، تأثيرات مباشرة على حياتنا اليومية، وعلى مستقبلنا السياسي العام ومكانتنا كأقلية تواجه تحديّات وجودية في علاقتها مع الدولة. ولكن لا يمكن حصر انعكاسات ما جرى يوم الثلاثاء الماضي في مقالة أسبوعية، ولا عن طريق الاستعانة بتعليلات سطحية تتعاطى مع المتغيّرات الجارية كحدث عابر أو متوقع، وكأنّ الواقع السياسي، الحزبي والنخبوي والقيادي، المتوارث منذ سبعة عقود، ما زال يحافظ على أركانه وعلى وشائجه وعلى مركباته وعلى تأثيره. من الطبيعي أن تختلف الانتخابات المحلية عن انتخابات الكنيست، ولكن من الطبيعي والمؤكد كذلك أن تتقاطع العمليّتان في العديد من المفاصل، وأن تتبادلا التأثير بينهما، فكما هو متوقع بعد هذه الجولة، قد تدفع أو تندفع بعض الجهات السياسية نحو مبادرة لتأسيس حزب عربي جديد، سينافس القائمة المشتركة، أو ربما سيكون معاديًا لها، والغد لناظره قريب. تأثرت كل قرية ومدينة بمجموعة من المعطيات المحلية الخاصة والمميزة، بيد أن جميعها واجه، في الوقت ذاته، المؤثرات والعوامل السلبية السقيمة نفسها. لكننا، رغم قتامة الصورة، نستطيع تشخيص بروز عدد من الظواهر التي أرى فيها، رغم محدوديّتها، بشائر لمستقبل مشرق وضمانات لعافية اجتماعية وسياسية مكنوزة في مجتمعاتنا. ظاهرة شيوع العائلية والحمائلية وتأثيرها في مجتمعاتنا العربية كانت ومازالت من المسلّمات المؤسفة، إلا أننا، رغم هيمنتها، سنجد من تحدّاها في عدّة مواقع، خاصة بين بعض النخب الطليعية والتقدّمية، وكذلك بين جيل الشباب، الذين أثّروا أو حسموا النتائج في العديد من المواقع، وكسروا القوالب وأرسوا بذورًا خيّرة إذا ما أحسنت رعايتها ستنمو وستصبح زهورًا لفجر واعد. المرأة في مجتمعاتنا الذكورية مضطهدة، ودورها في قيادة العملية السياسية كان ومازال، شبه معدوم، فرغم مسيرات النضال ضد سياسات وممارسات قمعها، لم يحصل التغيير المنشود ولم تنل النساء ما تستحقنه من حقوق ومن دور ومكانة. (مع وجود بعض الحالات الاستثنائية النادرة كانتخاب الراحلة فيوليت خوري رئيسة لمجلس محلي قرية كفر ياسيف الجليلية في بداية سبعينيات القرن الماضي، وانتخاب عدد قليل من الأعضاء النساء في هيئات المجالس). مع هذا، لا يمكننا التغاضي عن التغيير الحاصل في هذه القضية، كما عكسته نتائج الانتخابات الأخيرة، فللمرأة كان دور قيادي بارز في الكثير من القرى والمدن، حيث لم يقتصر ذلك على انتخاب 26 سيدة كأعضاء في المجالس البلدية والمحلية، بل بمشاركة جموعهنّ الفعالة والمؤثرة في جميع مراحل العملية الانتخابية، من تخطيط وتجنيد وقيادة ميدانية وتنظيمية، مشكّلات بذلك ظاهرة لافتة، ستصبح واقعًا في ما إذا احتضنته جميع القوى التقدّمية الموجودة والناشطة في مجتمعاتنا. الجماهير هي الحكم عندما أنصفت أحزابها وحركاتها الوطنية، وستبقى هي الحكم الأول والأخير أصبح شيوع ظواهر العنف في مجتمعاتنا العربية من الأمور الموجعة، وتحوّل العجز في مواجهته إلى خطر يهدّد السلامة العامة، ويهزّ أركان هويّتنا الجامعة، ورغم بقائه كعامل مؤثر في مجريات العملية الانتخابية، باختلاف منسوب مفعوله بين مكان ومكان، شاهدنا كيف انبرت في بعض البلدات معظم الفعاليات الاجتماعية والسياسية إلى مواجهته، ونجحت في كثير من الحالات في إبطال مفعوله أو بتهميشه بشكل مفرح. لقد أشرنا في الماضي إلى معظم هذه العوامل السلبية وأكدنا على خطورتها وتأثيرها التخريبي على النسيج الاجتماعي، وعلى هويتنا الجامعة وعلى الحالة السياسية العامة المتقهقرة. كان سؤالنا دومًا: لماذا نجحت هذه العناصر وتغلغل نفوذها بيننا إلى هذا الحدّ؟ نحن نعلم انها كانت موجودة بيننا عندما عاشت مجتمعاتنا عصرها السياسي الذهبي ويوم كانت هويتنا الجمعية هي درعنا الواقي، وكانت نخبنا التقدمية والوطنية سدودا حاضنة و”كواسر موج” تصدّ كلّ غريب وتعاقب كل معتدٍ وتردع كل مشاغب وتقصي كل عميل، فلماذا إذن؟ لم تتعاطَ الأحزاب والحركات السياسية والدينية مع خطورة هذه التطورات، وقد تبين لنا في الواقع أنها لم تكن قادرة على مواجهة هذه الظواهر، بسبب تكلّس هيئاتها وعجز قياديّيها، ما أدّى إلى استقواء تلك العناصر المنهكة وإلى دخولنا في حلقة خبيثة، يغذّي طرفها الواحد طرفها الآخر حتى وصل حالنا إلى ما نحن عليه اليوم. فقد كشفت الانتخابات المحلية، في الواقع، تمكّن تلك الأعراض المرَضيّه من الجسد، لكنها كشفت كذلك عما تختزنه “أجسادنا” من مناعات اجتماعية ومن مجسّات سليمة متأهّبة وجاهزة لخوض معاركها من أجل الحياة الكريمة والصحية والسليمة. يجب أن نقرأ تفاصيل ما حصل في جميع المواقع قراءة جريئة وسليمة وغير متعالية، فانتخاب بعض البلدات لرؤساء “محسوبين” على الأحزاب والحركات السياسية والدينية التقليدية، يجب الا يغرّر بهيئات تلك الاحزاب، وألا يوهمها ويطعمها “جوزًا فارغًا”، فنجاح كلّ رئيس في تلك المواقع حصل رغم انتمائه الحزبي والحركي وليس بفضله، والعبرة والفلاح سيكونان من حصة من سيجتهد ويستخلص أفيد العبر. أقول ذلك وبرهاني، علاوة على وضوح النتائج، هو فشل القائمة المشتركة، ومعها سائر مؤسّسات المواطنين العرب القيادية، بتشخيص المخاطر الكامنة وإيجاد قواسم مشتركة سياسية قادرة على تمكين أتباعها في القرى والمدن من إقامة أجسام غير متناحرة أو موحّدة ومؤهلة لمواجهة البدائل الغريمة وقوتها المتنامية. وقد عكس تصرف الفرقاء/ الحلفاء انتهازية صارخة، وأثبت تغليبهم للمصالح الحزبية الفئوية المحلية، التي تماثلت أحيانًا مع المصالح العائلية المحلية، على مصلحة المجتمع العامة وعلى سلامته، فقد نجدُ ائتلافًا بين حزبي التجمع والجبهة مثلًا في بلدة ما، بينما يدور بينهما صراع دمويّ في بلدة مجاورة. وقد شكّلت هذه التناقضات مشهدًا أرخى على عامة الناس ظلالًا ثقيلة وأفضى، في النهاية، إلى نتيجة سياسية واحدة، وهي أن القائمة المشتركة كانت الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات. على جميع الأحزاب والحركات السياسية والدينية التقليدية إذن أن تراجع بناها التنظيمية، وتستحدث برامجها السياسية وأن تعي أن ولوجها إلى بطن الحاضنة/ القائمة المشتركة لن يؤدّي إلى حمايتها من الجوع ومن الجفاف أو حتى من الموت البطيء. كانت الجماهير هي الحكم عندما أنصفت أحزابها وحركاتها الوطنية، وستبقى هي الحكم الأول والأخير، ومن لا يراها كيف عاقبت من يعيشون في ماضيهم فقط، مهما كانت تلك مضيئة ومشرفة، لن ينجح في مواجهة شمس الغد الحارقة، ومن لا يشرع فورًا في “تنظيف مداخنه” سيختنق من دخان الحرائق، ومن لا يبدأ ببرمجة حواسيبه من جديد لن يجد لنفسه مكانًا يذكر في عالم “النانو” والروبوتات. قد نختلف على عدة تقييمات حول نتائج الانتخابات الأخيرة، لكنني أسمع، ومعي يسمع الكثيرون، أصوات أوراق الناخبين وهي تصيح في صناديق الاقتراع وتفتش عن هوية وعن طريق وعن مستقبل. وأجزم، هكذا قالت لي الحناجر في بلدتي كفر ياسيف، إنه ما زال في القنديل بعض من زيت وهنالك من سيضيء العتمة لأجيال المستقبل. كاتب فلسطيني  |
| أمريكا اللاتينية تتجه نحو اليمين… والمكسيك الاستثناء Posted: 08 Nov 2018 01:08 PM PST شاركت للتو في مؤتمر غير حكومي عقد في العاصمة المكسيكية حول الهجرة والمهاجرين وما يتعرضون له من أذى واضطهاد وهم يحاولون اجتياز الحدود علهم يجدون في بلد آخر فرصة أفضل من المتوفر في بلادهم، إلا أن بلاد العبور في غالبية الأحيان تمنعهم من الدخول، وتردهم على أعقابهم، أو تتركهم عالقين على الحدود تائهين خائفين جائعين. لقد صادف يوم افتتاح المؤتمر الذكرى الأولى بعد المئة لوعد بلفور فوجدتها فرصة أن أربط الماضي بالحاضر وأتحدث عن معاناة الشعب الفلسطيني الذي تكالبت عليه القوى الاستعمارية والإمبريالية وأذنابهم في المنطقة الذين ما فتئوا يلحقون الأذى بقضية الشعب الفلسطيني تقربا من سادتهم وحماية لعروشهم. «جئت أيها الرفاق لأشارككم الحزن والألم فمشاكلكم تهون أمام مشاكلنا. وقافلة المهاجرين التي تتحدثون عنها لا تزيد عن عشرة آلاف مهاجر علما أن الألم لا يقاس بالعدد، بل بحجم القهر والظلم. أتعرفون أن عدد المهاجرين والمهجرين في العالم يزيد عن 65 مليونا معظمهم عرب ومسلمون؟ أتعرفون أن بلادنا العربية أغنى بقاع الدنيا من حيث المصادر الطبيعية والثقافة والمعالم التاريخية والتنوع الحضاري ولكن اليمن على حافة مجاعة وسوريا ممزقة بين لجوء وتشرد وموت والعراق بعد الاحتلال الأمريكي أصبح قطعا ممزقة تتلاصق، ولكن تتنافر، وليبيا تشهد أكثر من حرب ومصر يا حسرة على دورها الغائب. أما فلسطين فما زالت تحتل الرقمين القياسيين في عدد المهاجرين وطول الهجرة». عقد المؤتمر وأخبار قافلة المهاجرين المتجهة نحو الحدود الأمريكية تحتل الاهتمام الأعلى في المنطقة، خاصة أن أكثر من 2000 وصلوا العاصمة في طريقهم إلى حدود كاليفورنيا الجنوبية، وقد استغل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حكاية القافلة لإثارة المخاوف لدى الناخبين الأمريكيين من الهجرة، ووعد بأن يتعامل مع القافلة بإغلاق الحدود وإعطاء أوامر لحرس الحدود بإطلاق النار على من يحاول أن يدخل عنوة واعتقال من يمكن اعتقاله. زعماء أمريكا اللاتينية وطنيون يحبون بلادهم وليسوا عملاء للولايات المتحدة معظم المشاركين في المؤتمر يمثلون أحزابا يسارية أو ما تبقى منها أو منظمات حقوق إنسان في المكسيك ودول أمريكا الوسطى والجنوبية مثل، غواتيمالا ونيكاراغوا وهندوراس والسلفادور والإكوادور وكولمبيا وفنزويلا. كل هذه الدول، خاصة فنزويلا، تحولت إلى بلاد تصدر المهاجرين. كولمبيا تصدر أبناءها وتستقبل الملايين من فنزويلا، مثلها مثل المكسيك، حيث يتسلل منها ملايين المواطنين إلى الجارة الأغنى في الشمال، بينما يحلم كثير من جائعي أمريكا الوسطى أن يستقروا في المكسيك، لتوفر فرص أكثر في هذا البلد الكبير والغني والحنون على كل الناطقين بالإسبانية، رغم ما يعاني منه من مشاكل كبرى، وعلى رأسها الجماعات المنظمة التي تشرف على أكبر عمليات تهريب مخدرات في العالم، والتي تشكل دولة ضمن الدولة واقتصادا موازيا يدر ملايين الدولارات، لكنها تخلف مئات القتلى كل عام. لماذا ترتد أمريكا اللاتينية إلى اليمين بعد أن وصلت غالبية قوى اليسار سدات الحكم بعد نهاية الحرب الباردة؟ التحليلات والكلمات وشهادات عدد من ضحايا اللجوء والتشرد والتمييز والاستهداف تجيب. انتخابات البرازيل خيبة المكسيك الأخيرة جرت انتخابات رئاسية وتشريعية في المكسيك في شهر يوليو/تموز الماضي، حيث ذهب نحو 59 مليونا إلى الصناديق، وفاز في الانتخابات مرشح اليسار أندريس مانويل لوبز أوبرادور، من حركة التجديد الوطنية، بنسة 53% مقابل 22% للمرشح الأقرب إليه، ريكاردو أنايا. وهذا الانتصار جاء على خلفية انتشار قصص الفساد للرئيس الحالي، الذي تنتهي ولايته في 30 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، إنريكي بينيا نيتو، وانتشار مافيات المخدرات وتراخي الشرطة في التصدي لهم، خوفا أو رشوة، والارتفاع الحاد في معدلات الجريمة، لكن الأهم، كما يرى الكثيرون، أن التوجه لليسار كان ردة فعل على سياسات ترامب العنصرية، الذي ألحق الأذى بكرامة الشعب المكسيكي، في وصفه مهاجريهم في أمريكا بأنهم «مجرمون ومغتصبون ويحملون معهم المخدرات»، كما وعد بإقامة جدار عازل على الطريقة الإسرائيلية ومراجعة اتفاقية نافتا. لكن المكسيك أصيبت بالإحباط من نتائج الانتخابات في البرازيل. فقد كان يتمنى الرئيس المكسيكي المنتخب أن يستقوي بحكومة يسارية في الدولة الأكبر في أمريكا اللاتينية، يستند إليها ويسندها ثم تتكاتف الدولتان للتأثير على الدول الصغيرة والأكثر عرضة للهيمنة الأمريكية، إلا أن نتائج انتخابات البرازيل جاءت مخيبة للآمال. فالرئيس المنتخب، جاير بولسينارو، الفائز على منافسه اللبناني الأصل فرناندو حداد، ليس يمينيا فقط، بل أقرب إلى الفاشية، وكان أول القرارات التي ينوي تنفيذها بعد استلام الرئاسة في بداية العام نقل السفارة البرازيلية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس. وفي تفسير ذلك قال لي أستاذ أمريكي في جامعة بيركلي الشهيرة، شارك في المؤتمر بأن الناس يتجهون لليمين عند الخوف والقلق والضعف الاقتصادي وغموض آفاق المستقبل، ويتجهون لليسار والليبرالية واحترام حقوق الإنسان والأقليات عند الاستقرار والراحة الاقتصادية والثقة في البلاد ومستقبلها. لا أريد أن أناقش مدى صحة هذه النظرية، ففيها شيء من الحقيقة، إلا أنها تتجاهل العامل الخارجي الذي تمثله الولايات المتحدة في منطقة تسمى تاريخيا «حديقتها الخلفية» والتاريخ شاهد على ذلك. فقد تعاملت الولايات المتحدة مع دول أمريكا اللاتينية المشاكسة والخارجة عن طاعتها بالقتل والاغتيال (رفائيل تروخيلو في الدومينيكان- سلفادور أليندي في تشيلي- تشي غيفارا في غواتيمالا) والانقلابات المدبرة (بنما، هايتي، نيكاراغوا، هندوراس، الدومينكان) والحصار والاستفزاز والعقوبات (كوبا والآن فنزويلا) والغزو العسكري، (بنما وكوبا وهايتي والمكسيك وغرانادا) وأخيرا دعم الحركات المعارضة والثورات المضادة ودعم المرشح اليميني بالمال والضغط والتدخل (نيكاراغوا، السلفادور، الإكوادور). ويبدو أن التدخل الأمريكي ترك حالة من التخوف وعدم الاطمئنان بعد أن تعرضت الدول اليسارية لضغوطات وتدخلات أدت إلى أزمات اقتصادية هائلة. الأمر الملاحظ في المكسيك أن التوجه نحو اليمين في أمريكا اللاتينية بدأ ينتشر من دولة إلى أخرى. ما تبقى من اليسار يمر بصعوبات قاتلة مثل فنزويلا ونيكاراغوا، بينما سقط اليسار في انتخابات الأرجنتين وإكوادور والسلفادور وتشيلي والبرازيل، ما عدا المكسيك الدولة التي تأتي في المرتبة الثانية من حيث عدد السكان والمساحة وقوة الاقتصاد بعد البرازيل. تفكيك اقتصاد فنزويلا والعبث في نيكاراغو ومراجعة للدول التي اتجهت إلى اليسار ووقفت مع الحق العربي والفلسطيني خاصة، تجد أنها تتمزق وتتفكك اقتصاديا وسكانيا. ففنزويلا منذ انتخبت هوغو شافيز (1999) وهي تعاني من خلخلة اقتصادية أوصلت البلاد في عهد مادورو، خليفة شافيز (2013)، إلى حافة الانهيار الاقـتصادي الشامل. ولا أحد يشك في دور الإدارات الأمريكية المتعاقبة في هذا الانهيار، بعد سحب الاستثمارات، وإغلاق الشركات، ووقف الصادرات الفنزويلية، وفرض عقوبات اقتصادية على البلاد. لكن هذا لا يعفي السياسات الشعبوية غير المدروسة من قبل شافيز- مادورو كتوزيع البترول مجانا أو بأسعار زهيدة على دول أمريكا اللاتينية الفقيرة، خاصة كوبا وتأميم الشركات الأجنبية، ما أدى إلى هروب رؤوس الأموال وانتشار الفساد وتغلغل أجهزة الأمن وتغيير الدستور، ليلائم السيطرة المستمرة لشافيز وورثته (على الطريقة العربية)، فساءت الأحوال وانتشرت الفوضى واختفت كثير من المواد الأساسية وهرب الناس من البلاد، حيث تشرد ما لا يقل عن خمسة ملايين فنزويلي، وكأن لسان حال الولايات المتحدة يقول: تريدون أن تتجهوا لليسار وتعادوا إسرائيل وأمريكا هذا هو الجواب. وما جرى في فنزويلا يجري الآن في نيكاراغوا حيث ظل أورتيغا وحزبه مسيطرين على البلاد بالانتخابات لا بالعصا، وآخرها عام 2016. إلا أن هذا غير مقبول عند الجار الإمبريالي. أما الأرجنتين فبعد أن دوى صوت الرئيسة كريستينا فرنانديز كيشنر، في الجمعية العامة ومجلس الأمن في سبتمبر/أيلول 2015 بأعظم خطاب عن القضية الفلسطينية، بدأت الدوائر تدور عليها، حيث اتهمت على الفور بأنها فاسدة وأنها أخفت حقيقة دور إيران في تفجير المركز اليهودي في بوينس أيرس عام 1994 وطالب المدعي العام باعتقالها ورفع الحصانة عنها. وديلما روسيف، رئيسة البرازيل التي لقنت أوباما درسا في الكرامة الوطنية وألغت «زيارة دولة» للبيت الأبيض عام 2013 بعد فضيحة تجسس أمريكا على الشركات البرازيلية، تعرضت بعد ذلك للتحقيق بتهم الفساد والكذب وإعطاء صورة غير واقعية لإنجازاتها الاقتصادية، وأخرجت من الرئاسة عام 2016 قبل نهاية دورتها. كثيرة هي القصص الشبيهة حدثت في هندوراس وإكوادور وكولمبيا والبيرو. وتكاد الحكومات اليمينية الآن تطبق على خناق القارة لولا المكسيك وكوبا وبوليفيا. لكن الحقيقة أن زعماء أمريكا اللاتينية وطنيون يحبون بلادهم وليسوا عملاء للولايات المتحدة، ولا نشك أن بندول الساعة الذي كان منشدّا نحو اليسار لعقدين من الزمان سيرتد مرة أخرى إلى حيث تكمن مصالح الشعوب التي لا تساوم على كرامتها ولا تقبل الإهانة من أحد حتى لو كان رئيس الولايات المتحدة. وكما عاقب الناخبون الأمريكيون ترامب على سياساته الحمقاء في الانتخابات النصفية، لا نشك في عودة شعوب قارة أمريكا اللاتينية إلى موقعها التاريخي في رفض التدخلات الأمريكية والانتصار لكرامتها ومصالحها الوطنية. محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي  |
| رئيس الوزراء الأردني والأزمات Posted: 08 Nov 2018 01:01 PM PST اعتبر رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز الشخصية الأكثر حظا في الأردن أولا لحصوله على المناصب بسرعة استثنائية وتخلصه بشكل لافت للنظر من أمور خطيرة وحساسة خصوصا في وزارة التربية والتعليم التي كان وزيرها سابقا. خلفية الرزاز اقتصادية وتابعة للبنك الدولي بحكم عمله سابقا مديرا لبرامج البنك في واشنطن وبيرو. وهو كان مرتبطا ارتباطا وثيقا بصندوق النقد الدولي وبرامجه خاصة فيما يتعلق بتغيير أوتعديل المناهج وخصوصا التربية والثقافة الإسلامية واللغة العربية ما يتصل بالجهاد حيث ارتبط دعم الصندوق والبنك بتغيير المناهج بما يتماشى مع حداثة العصر وبما يتوافق مع التعددية الثقافية والسياسية والاعتدال وتقبل الآخر والتعايش مع الديانات الأخرى. الإسلام دين تسامح ورحمة وعدل ووسطية والسيرة النبوية الشريفة وسير الصحابة والقرآن الكريم غزيرة بأمثلة عديدة على سماحة الدين الإسلامي، كما أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان . ولكن المقصود من المنظمات الدولية خلق أجيال تستلهم طموحاتها من الاكس فاكتور، وارب تالنت، والغناء والرقص، ومشروع ليلى الذي يروج للمثلية والذي تبنته وزيرة السياحة واعتبرته فنا راقيا أو مشروع قلق يروج للقيم البذيئة بين الشباب. وعدم التفكير في القدس والمقدسات الإسلامية المدنسة من الصهاينة حتى يكتمل المخطط الرامي لتهديد المدينة المقدسة ومحو وتشويه التاريخ والاستيلاء على أراضي العرب والمسلمين وعلى عقول الأجيال الناشئة لحرف البوصلة عن القضايا العربية والإسلامية المعاصرة. الرزاز نجا من تعديل المناهج وصعد في أقل من سنة وزارية لرئاسة الوزراء. ماذا لو بقي وزيرا للتربية والتعليم وحصلت فاجعة البحر الميت؟ ستكون حتما مطالب برلمانية بحجب الثقة عنه وتحميله مسؤولية إزهاق أرواح بريـئة وتعـديل منـاهج إلـخ.. السؤال في عهد أي وزير سياحة ووزير تربية وتعليم أعطيت رخصة الشركة السياحية بالتعاقد مع مدرسة فكتوريا؟ هل نبتعد عن العشائرية والحزبية إذا كان أحد أبناء العشائر مسؤولا عندما أعطيت رخصة الشركة السياحية؟ ألا يتحمل أهالي الطلاب جزءا كبيرا من مسؤولية الكارثة؟ ألم يكونوا على علم بالأحوال الجوية الرديئة بغض النظر عن وعرة التضاريس الجغرافية في المنطقة؟ ألم يكونوا هم الذين سمحوا وأعطوا الموافقة لأبنائهم بالمشاركة في الرحلة؟ ألم يكونوا هم الذين قرروا إرسال أولادهم لمدارس خاصة استهتارا بالمدارس الحكومية وليعلموا أولادهم مبادئ الثقافة والحضارة الغربية التي يعتقدون أنها قائمة على الانفتاح وحب روح معرفة المجهول والتجربة والمغامرة والإطلاع على رياضات ومعارف أسمى مما يتعلمه طلاب المدارس الحكومية؟ في النهاية إقالة وزير لن تؤدي إلى شيء جوهري إلا إذا اقترنت معها الإرادة الذاتية في التغيير كاتب من الأردن  |
| ترامب يهاجم الصحافيين Posted: 08 Nov 2018 01:00 PM PST |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق