| صراع الهوامش والمتون Posted: 07 Nov 2018 01:48 PM PST أمريكا تتغير، روسيا تعود للمشهد، أوروبا تتفكك، زلازل سياسية في أمريكا اللاتينية، براكين الشرق الأوسط تتفجر، والفوضى الدينية والسياسية تضرب الخيام المنتشرة في جزيرة العرب. العالم يذهب سريعاً في اتجاهات يمين اليمين، وفي مقابل رجال «القاعدة» و»داعش» هناك زعماء الشعبوية واليمين المسيحي المتطرف، وفي واشنطن رجل اسمه دونالد ترامب يخطب في الجمهور: «أنا قومي»، وفي البرازيل يفوز بول بولسينارو، النسخة اللاتينية من ترامب، فيما يُتوج بنيامين نتنياهو ملكاً توراتياً لإسرائيل، مدعوماً بـ»إسرائيل بيتنا» و»البيت اليهودي» و»يهوديت هاتوراة»، وبقية عصابة اليمين الديني هناك، من دون أن ننسى نجوماً آخرين مثل: نايجل فاراج ومارين لوبان وخيرت فيلدرز. ماذا يجري للعالم إذن؟ إنه الظلم، إنه غياب العدالة العالمية، إنه الفقر، إنه تراجع مستويات التعليم، إنها العولمة، إنه اليأس من إصلاح المنظومة، الخلل في الموازين الاقتصادية، الملل من البيروقراطية، الضجر من قيم ما بعد الحرب، الاندفاع لأخذ الحقوق، التي تلتبس بالجشع والعدوان والفوضى والكراهية والتقوقع الديني والقومي، إنه بالضبط تَشَبُّه أنسال اليهود الناجين من المحرقة بالنازيين، وتناسي فظائع الحرب، والثورة ضد المؤسسة، ضد النظام الدولي الذي تمخضت عنه الأمم المتحدة، على أنقاض «عصبة الأمم» التي فشلت في منع الحرب. كانت الحرب العالمية الثانية رجة عنيفة لم تغير حدود الخرائط وحسب، ولكنها كسرت حدود المفاهيم والأفكار والفلسفات، ومال الغرب بعدها إلى تكريس أفكار مناهضة للأفكار التي سادت قبل الحرب، وتوارت فلسفات هايدغر ونيتشه التي أفرزت هتلر، ونال ماركس وإنغلز زخماً كبيراً، امتد إلى معاقل الرأسمالية في بريطانيا وأمريكا، وتشكلت أرضية مناهضة للحرب التي اندلعت قرابة منتصف القرن الماضي، وتطورت مفاهيم الديمقراطية والاشتراكية، ودولة الرفاه، وحقوق الإنسان، وأعطيت اعتبارات كبيرة لقيم الحرية والعدالة ومكافحة العنصرية، وانحسرت النزعات الدينية المرتبطة بشكل وثيق بالاتجاهات القومية، وتم التبشير بدين جديد هو الليبرالية، المرتبطة بالرأسمالية، وانتشرت أفكار اشتراكية مرتبطة بالماركسية، وبشّر الشيوعيون بانتصارهم، ووعدوا أتباعهم بـ»جنة الإنسان»، التي ستعوض توق البشر الدائم إلى «جنة الله». التقوقع على الهويتين القومية والدينية سيكون سمة المرحلة، حيث تتعاضد الهويتان في الأنساغ الاجتماعية في أكثر من مكان في العالم وظلت الموجات المرتدة عن الحرب تتجاوب في الفترة التي تلتها، وظل العالم يضع يده على قلبه خوفاً من الحرب، وظل حذِراً من الأفكار التي أنتجتها، فأدان وجرّم النازية والفاشية وكل أشكال العنصرية واللاسامية. وفي فترة ما بعد الحرب طوّر المعسكران رؤيتين مختلفتين لعالم ما بعد الحرب، وتحوّلت الحرب الساخنة إلى حرب باردة استمرت لعقود بين معسكرين أو رؤيتين مختلفتين، واستمر الوضع إلى 1991 ، لحظة انهيار الاتحاد السوفييتي ، الذي «انتهى التاريخ» بسقوطه، وعمّت الفرحة بتغلب النموذج الليبرالي الغربي، وسيادة منظومة القيم المرتبطة بالرؤية الاقتصادية الرأسمالية، وانفتاح السوق. ومع انهيار المعسكر السوفييتي روَّجت دوائر غربية وأمريكية لفكرة العولمة، و»القرية الكونية»، والقطب الواحد و»نهاية التاريخ»، وجاءت العولمة. وخلال سنوات ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي اندلعت حروب وثورات وحدثت هزات اقتصادية وسياسية، بذرت الشك في سلامة التوجهات العولمية التي قادتها الرأسمالية العالمية، في ثقة بأنها فتحت الحدود بالاقتصاد بدلاً من عبورها بالجيوش، لكن هذه العولمة تكشفت عن وجه بشع من أوجه الاحتكار الرأسمالي والكولونيالية الجديدة، واكتشف الذين هللوا لانهيار الاتحاد السوفييتي أنه كان عامل توازن، وأنه منع التغول الرأسمالي لعقود طويلة، وعادوا يدعون إلى عالم متعدد الأقطاب، وسط تململ من سطوة الولايات المتحدة مالياً وعسكرياً. ومع تلاحق الأزمات الاقتصادية، واندلاعها في القطاعات المصرفية والعقارية، تحول كثير من الاقتصادات إلى علب كبريت هشة، وضرب التسونامي المالي في 2008، وأغلقت- على الإثر- المصانع، وبحثت الشركات عن بلاد أخرى، وهاجرت الأموال، ونشطت عمليات غسيل المال، وانتعشت التجارة السوداء، ومع المزيد من الخلل الاقتصادي والخراب السياسي، والحروب المندلعة، زادت وتيرة الهجرة، واندفع الملايين صوب الضفة الشمالية للمتوسط، واستعرت مشاعر الكراهية والتقوقع القومي، والعنصرية ضد المهاجرين. وولّد الإحساس بالخلل في الميزان الاقتصادي العالمي، والسطوة الباطشة للعولمة، والشعور بالتهميش، واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، كل ذلك ولد نوعاً من الشعور بالثورة، والحقد على مراكز السلطة والثروة على المستوى العالمي، وداخل الدولة الوطنية. وما أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 في جانب من جوانبها، إلا ردة فعل عنيفة على تحكم المركز الدولي الاقتصادي في مقدرات العالم، والأمر ذاته على المستوى الوطني، داخل كل دولة، حيث نظرت الأطراف إلى المراكز بأنها تحتكر المال والأعمال، فبدأت الزحف عليها، الأمر الذي تجلى أثره في ظاهرتين: الأولى «الربيع العربي»، في بعض البلدان العربية، الذي يعد، في جانب منه، ثورة الهامش على المركز، والثانية: موجة الشعبوية الجديدة التي أطاحت بمراكز المؤسسة في بلدان مختلفة في أوروبا وأمريكا. لقد أدى تصحر الريف- الناتج عن إهمال العاصمة له- إلى زحف أبنائه إلى المدن والعواصم، هرباً من ظروف الحياة القاسية، في بلدان بعينها، الأمر الذي هيأ في تلك البلدان- وهي في معظمها عربية- لاحتكاكات مستمرة بين الغالبية الشعبوية الفقيرة والنخبة السلطوية، التي ينظر لها على أساس أنها تمثل الشرائح الغنية التي أثرت بالفساد ومصادرة موارد البلاد، وإفقار الشرائح الأخرى، الأمر الذي فجّر موجة الربيع العربي الحارق. وفي الغرب أخذ الانفجار شكلاً سياسياً بأبعاد اجتماعية، حيث تأطرت الحركات الشعبوية الناقمة على المركز والمؤسسة في توجهات سياسية، أوصلت مرشحيها إلى السلطة، في كثير من البلدان الأوروبية مثل المجر والنمسا وبولندا وإيطاليا، وتنامت حركات اليمين الشعبوي في ألمانيا، ودخل حزب البديل الألماني مبنى البوندستاغ، وتضعضع تحالف أنغيلا ميركل المسيحي، وأعلنت المستشارة عزمها اعتزال العمل السياسي بحلول عام 2021، وهو ما عده مراقبون خطوة مهمة تجاه تأبين الاتحاد الأوروبي، كمؤسسة مرفوضة شعبوياً، خاصة بعد مضي بريطانيا قدماً لإنجاز «البريكست» العام المقبل. وفي المحصلة فإن التوجهات اليمينية والقومية الشعبوية تزحف على العالم، كرد فعل للعولمة التي كانت- بدورها- ردة فعل مبالغاً فيها على انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث عاد الناس ليتذكروا أن لهم هويات قومية ودينية يجب الرجوع إليها، وعادت أوروبا تحديدا بهيئة أشبه ما تكون بصورتها عشية الحرب العالمية الثانية. المخيف في أمر تلك الموجات الشعبوية أنها غالباً مقبلة من الأرياف أو المناطق الأقل تعليماً، والأقل نمواً اقتصادياً، والمخيف أن القائمين عليها وجمهورها لم يعش فترة ما قبل الحرب الثانية، ليلحظ أنه يعيد التجارب التي أنتجت الحرب، كما أن الجيل الذي اكتوى بالحرب قد تصرمت سنواته، ولم يعد في الإمكان تذكير الأجيال الجديدة بحكمة الأجيال التي عاصرت الحرب. يبدو أن التقوقع على الهويتين القومية والدينية سوف يكون سمة المرحلة، حيث تتعاضد الهويتان في الأنساغ الاجتماعية في أكثر من مكان في العالم، والهويتان هما مهاد الأرضية التي يمكن أن تنطلق منها الحروب والنزاعات، خاصة أن هناك قادة شعبويين وصلوا إلى مناصب الرجل الأول، مثل فيكتور أوربان في المجر، الذي قال إنه لا ينظر إلى «هؤلاء الناس كلاجئين مسلمين ولكن كغزاة مسلمين»!، وبنيامين نتنياهو الذي يجد دعماً كبيراً من اليمين الإسرائيلي المتطرف، والأحزاب الدينية، في ظل تراجع وتشرذم حزب العمل، وحركات اليسار الإسرائيلية. لو تصورنا خريطة العالم على شكل صفحة كتاب، فإن الهوامش اللامنطقية لتلك الصفحة بدأت الزحف على المنطق المتهاوي للمتون المهترئة، حيث تجري عمليات متسقة لجعل تلك الهوامش متوناً شعبوية، بينما يتم العمل على تهميش المتون التقليدية، في دورة من دورات الصراع بين الهوامش والمتون في تلك الصفحة من كتاب العالم المليء بالصراعات التي لا تنتهي. كاتب يمني من أسرة «القدس العربي»  |
| الانتخابات الأمريكية: صعود الشباب والنساء والأقليات… وصمود ترامب Posted: 07 Nov 2018 01:15 PM PST اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية «نجاحا هائلا»، ناظرا بالطبع إلى النصف الممتلئ من الكأس بالنسبة إليه، وهي احتفاظ حزبه الجمهوري بالأغلبية في مجلس الشيوخ. أما سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي في عهد باراك أوباما، فقد أشارت إلى معنى حصول حزبها الديمقراطي على الأغلبية في مجلس النواب بالقول إنه دليل على أن أمريكا «لم تفقد عقلها». ترامب، الذي اعتبر الانتخابات استفتاء شخصيا على رئاسته، قام بالتدخل شخصيا في الولايات التي احتاج مرشحو حزبه دعما فيها وهو ما ساهم فعلا في احتفاظ (بل وتقدم ثلاثة مقاعد) الحزب الجمهوري، ومناصريه الشخصيين فيه، كما رأينا، باليد العليا في «الغرفة العليا» من الكونغرس (المؤلفة من 100 سيناتور مقسومين على الحزبين، إضافة إلى مستقلين)، لكنه لم يحصل، بين الفائزين في حزبه، على كل ما يريده، فأحد الفائزين، ميت رومني، هو أحد خصوم ترامب الجمهوريين إلى حد أنه وصفه سابقا بأنه «نصاب» و«فاسد». من جهة أخرى فقد عكس الاستقطاب الحاد الذي خلقته سياسات ترامب موجة من الحماس الهائل لدى الناخبين، سواء من هم معه أو من ضده (رغم أن الحماس ضده أكبر لأن نسبة الزيادة في الناخبين الديمقراطيين كانت أكبر من زيادة الناخبين الجمهوريين)، ولذلك فقد ركزت حملات ترامب الانتخابية على سياسة استثمار الخوف من المهاجرين والأقليات وعلى الأجندات المحلية للولايات وعلى استخدام صريح للعنصرية. وكما كان للعالم الرقمي والقرصنة والانترنت تأثيرها المسمم في انتخابات الرئاسة عام 2016 فقد استخدمت حملات ترامب والجمهوريين هذه الوسائل، ففي جورجيا تلقى الناخبون اتصالات أوتوماتيكية (روبوكولز) تقلد صوت مقدمة البرامج السوداء الشهيرة أوبرا وينفري تسخر بطريقة مبطنة من عرق المرشحة الديمقراطية، أما في فلوريدا فتلقى الناخبون تحول صوت مرشح أسود آخر إلى صيحات في الغابة مع خلفية لصرخات الشمبانزي. هذه الشخصنة والتركيز على سياسات الكراهية كانتا من العوامل التي ساهمت في دفع جيل الشباب والنساء والأقليات لدخول السباق الانتخابي وهو ما انعكس في حصول هذه الفئات على تمثيل أكبر في مجلسي الكونغرس وحسب الاحصائيات فقد نجحت 117 امرأة في دخول المجلسين (فيما كان الرقم في الكونغرس الماضي 107 فقط) وتمكنت 9 من الحصول على منصب حاكم ولاية (من أصل 50)، وكان لافتا نجاح إلهان عمر (صومالية الأصل وأول محجبة تنتخب لمجلس النواب) في مينيسوتا، ورشيدة طليب (فلسطينية الأصل) في ميشيغان، باعتبارهما أول نائبتين مسلمتين في الكونغرس، وديب هالاند وفشاريس دافيدز كأول ممثلتين للأمريكيين الأصليين، كما نجحت أليكساندرا أوكاسيو ـ كورتيز، أصغر مرشحة تنتخب للكونغرس في التاريخ الأمريكي (وهي يسارية معروفة بتعاطفها مع القضية الفلسطينية). حسب اليزابيث وارين، النائبة الجديدة في الكونغرس (والمحتمل أن تكون مرشحة حزبها لانتخابات الرئاسة لعام )2020، فإن «المقاومة (ضد ترامب) بدأت بين النساء وقد تمت قيادتها من قبل النساء هذه الليلة»، ولعل استعادة نانسي بيلوسي، زعيمة الديمقراطيين، لمنصبها كرئيسة لمجلس النواب، تصديق لهذا التصريح. فتح باب استخدام ترامب والحزب الجمهوري تنميطات العنصرية ورفع راية كراهية الآخرين أبواب الاستقطاب على مصاريعها فصار أعضاء بعض فروع الحزب الجمهوري بيضا فحسب، فيما عكس الديمقراطيون مزيدا من التنوع العرقي واستطاعوا جذب الشباب والنساء والأقليات. وإذا كانت نتائج الانتخابات تدل على أن ترامب ساهم في شقّ الأمّة وحرّك النزاعات التاريخية العميقة لكنّها تدلّ أيضا على أن مسعاه أضفى الحماس على السباق الانتخابي وحرّك ديناميّات حادّة تناقض أجندته.  |
| التطبيع مع إسرائيل والصهيونية: نقاش ورؤية Posted: 07 Nov 2018 01:14 PM PST سأعرّف التطبيع مع الصهيونية بصفته تطبيعا مع الاستيطان والاحتلال ونظام الابارتهايد الإسرائيلي، وهو تطبيع مع سياسة الطرد والظلم ومنع العودة للشعب الفلسطيني. لكن في المقابل أعي بأن الدول التي تستقبل شخصيات إسرائيلية بما فيها استقبال سلطنة عمان لنتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي تحمل في الوقت نفسه رؤى أخرى متعاطفة مع الحقوق الفلسطينية. لكن الجديد في الحالة العربية الراهنة أن هذه الزيارات تقع في ظل وضع عربي متراجع عن الشرط الذي وضعه العرب في مبادرتهم السلمية في 2002 والتي تدعو لقيام دولة فلسطينية وعودة القدس الشرقية والجولان المحتل مع إيقاف الاستيطان وضمان حق العودة والحقوق. هناك تغير في الحالة العربية الرسمية ( وليس الشعبية العربية التي تتمسك بالثوابت والحقوق التاريخية). من الضروري أن تسمع الدول العربية لصوت الشارع وصوت المجتمع العربي الذي يحمل تصورات مختلفة عن العلاقة مع إسرائيل والتطبيع وقضايا الظلم والتهميش. في الجوهر لا يوجد تطبيع حقيقي مع إسرائيل، فهو تطبيع رسمي لا يعكس رأي الشارع العربي وتوجهاته، وهو معرض للاهتزاز بفضل موقف الشارع وتطور تصوراته. من جهة أخرى فرقت الحركة الصهيونية باستمرار بين العدو البعيد والعدو القريب، فالفلسطينيون بالنسبة إليها المصدر الأساسي للصراع، وذلك لأنهم يصارعونها على شرعية الوجود والأرض، كما يتواجهون معها على كل مكان في فلسطين. أما النظام العربي الرسمي فمكون من دول عربية لديها احتياجات أمنية وسياسية. لهذا تنطلق الصهيونية من إمكانية جر الدول العربية الواحدة تلو الأخرى للمساومة معها. في السابق وعلى مر العقود نجحت الحركة الصهيونية في فتح قنوات مع قادة وملوك عرب وذلك من أجل شق الجيوش والقدرات العربية ( وقع هذا في حرب 1948 ووقع في كل المراحل). وفي الوقت نفسه تفاهمت الصهيونية مع السادات على كامب ديفيد عام 1979، ثم تفاهمت مع أحزاب لبنانية لترتيب غزوها للبنان عام 1982. إن هدف التطبيع من الجانب الإسرائيلي شق جبهة العالم العربي الضعيفة بالمقام الأول، ثم في الوقت نفسه تجاوز الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية للتعامل مع بقية العالم العربي الذي يزداد تشرذما. لكن الذي يضع حدودا على هذا النمط من التطبيع أن الإقليم العربي الراهن غير ثابت. يكفي أن نذكر بأن حادثة كحادثة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي في سفارة بلاده قلبت كل المعادلات الإقليمية، هذا يوضح مدى هشاشة منطقتنا ودولنا. كما أن الانتخابات النصفية الأمريكية عكست تغيرا كبيرا في الولايات المتحدة تجاه إدارة ترامب وهذا سينعكس على اليمين الإسرائيلي وقوة نتنياهو، كما يوجد في الساحة الأمريكية وبين يهود الولايات المتحدة بالتحديد ردة فعل كبرى على موقف اليمين الأمريكي واليمين الإسرائيلي الضعيف تجاه مجزرة المعبد اليهودي منذ أيام حيث تم قتل 11 مصليا أمريكيا. المتورطون في المجزرة من أنصار الرئيس ترامب وطرحه العنصري. تعلم إسرائيل بشكل غريزي بأن الحركة الشعبية العربية متضامنة دائما مع الشعب الفلسطيني، ولهذا تعادي إسرائيل الرسمية والصهيونية الحركات الشعبية في الإقليم ببعدها القومي والإسلامي والوطني ويمكن القول في أمور التطبيع بأن الاتفاق الأردني الإسرائيلي الذي تم توقيعه عام 1994 بإمكانه أن ينهار مع أي تغير سياسي كبير في الأردن، وفي الوقت ذاته بإمكان السلطة الفلسطينية ( التي وقعت على اتفاق اوسلو) أن تجد أنها دخلت في مرحلة عدم قدرتها على القبول بما آلت إليه الأوضاع في ظل الاحتلال مما يؤدي لحل نفسها أو البحث عن طريق مختلف. قبل عام 2000 كان لإسرائيل جيش عميل اسمه جيش سعد حداد وفيما بعد جيش أنطوان لحد، لكن في العام 2000 تحرر الجنوب عندما حرر حزب الله تلك المناطق الجنوبية فتخلت إسرائيل عن ذلك الجيش. وفي ظل مبادرات السلام واتفاق اوسلو عام 1994 قامت دول عربية عدة كقطر بفتح مكاتب لإسرائيل لكنها قامت بإغلاقها في ظل حرب غزة في العام 2008. التطبيع عملية تتكلل بالفشل عندما تصطدم بجدار الظلم الصهيوني المستمر المقرونة بحالة مقاومة بطولية وناجحة. وتعلم إسرائيل بشكل غريزي بأن الحركة الشعبية العربية متضامنة دائما مع الشعب الفلسطيني. ولهذا تعادي إسرائيل الرسمية والصهيونية الحركات الشعبية في الإقليم ببعدها القومي والإسلامي والوطني. إن سياسة التطبيع الراهنة التي تنتهجها إسرائيل بقيادة نتنياهو واليمين هدفها واضح وبسيط: فرض الأمر الراهن وفرض الاحتلال والاستيطان وجعله مقبولا لدى العرب، بل تسعى السياسة الإسرائيلية وسياسة الليكود لجعل العرب يتعاملون معها انطلاقا من مخاوفهم من بعضهم البعض. في بداية هذا الاسبوع شاركت في مؤتمر مميز في المركز العربي للأبحاث في الدوحة (قطر)، كان أساس المؤتمر عمليات التحول من العنف المسلح إلى العدالة الانتقالية وتحقيق الحقوق. كان اللافت أن أحد أهم شخصيات المؤتمر الافريقي ومؤسس جناحه العسكري مع مانديلا هو رجل أبيض اسمه روني كاسريلز. كاسريلز كان قائدا عسكريا رئيسيا في مسيرة الأغلبية السوداء لنيل حقوقها. في المقابل لم يتعامل المؤتمر الوطني الافريقي مع روني بسلبية لأنه أبيض ولأن أصوله من أوروبا، بل تعامل معه على قاعدة موقفه وسلوكه والتزامه تجاه النضال ضد نظام الأبارتهايد والفصل العنصري والاضطهاد الموجه للأغلبية السوداء. لقد انقلب روني الأبيض البشرة على نظام الابارتهايد بعد مجزرة كبيرة ضد المتظاهرين قتلت العشرات وجرحت المئات قام بها النظام العنصري في العام 1960. رحب به المؤتمر الوطني الافريقي مناضلا في صفوفه ومقاوما للعنصرية كما ورحب بكل من قاوم نظام العنصرية من البيض (رغم قلة عددهم). تتطلب المرحلة المقبلة إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية، هناك فرص لإعادة بناء أسس الحركة الوطنية الفلسطينية والمشروع الوطني باتجاه تحرري واضح وباتجاه يثبت الحقوق على الأرض ويفكك نظام الحصار والتفرقة والعنصرية الذي فرضته إسرائيل على جميع الأراضي الفلسطينية. إن إعادة بناء أسس الحركة الوطنية الفلسطينية هو الوحيد الذي سيسمح لها بمواجهة الأوضاع القادمة واستغلال فرص تصب لمصلحة التحرر والحقوق. استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت  |
| أمام علامة فارقة على طريق الصراع مع إسرائيل Posted: 07 Nov 2018 01:12 PM PST على طريق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي يغطي أكثر من قرن من الزمان، حتى الآن، علامات ومحطات فارقة كثيرة. نحن الآن، وفي هذه الأيام والأسابيع تحديدا، نمُرُّ بأحدى هذه العلامات، التي تشير بوضوح بالغ إلى وصولنا عتبة محطة جديدة، يستدعي الخروج منها والانطلاق بهدف الوصول إلى المحطة المقبلة في هذا الصراع الطويل، تركيزا جدّيا في اختيار السكّة التي ينبغي وضع القطار الفلسطيني عليها. فنهاية المحطة أو المرحلة، تعني الوقوف أمام دُوّار تتفرع منه مفارق عديدة، لا توصل جميعها إلى المحطة المبتغاة. لكن تلك المفارق والسّكك التي يمكن لها أن توصل إلى تلك المحطة، تختلف، جذريا في غالب الأحيان، في مدى وكلفة كل واحدة منها، وفي حجم المخاطر وعدد العراقيل فيها. المحطة التي يقف عندها الوضع الفلسطيني هذه الأيام، هي «محطة التفاهمات» بين حركة المقاومة الإسلامية، حماس، (ومعها حركة الجهاد الإسلامي)، من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، بوساطة مصرية أصلا، مدعومة بتأييد الأمم المتحدة. [يجدر بي هنا أن اسجل مسبقا رفضي وإدانتي لتولي أي تنظيم فلسطيني إدارة أي مفاوضات مع إسرائيل، العدو لكل الفلسطينيين، وتمكين إسرائيل، بالتالي، من الاستفراد بالتنظيم المعني، أو المنطقة المعنية]. لكننا الآن أمام واقع، يجب الاعتراف به، حتى وإن كنا لا نتمناه ولا نحبذه. ويلي ذلك الاعتراف، بطبيعة الحال، وضعه في مكانته الصحيحة، ودراسة أبعاده، وتقييمه. على أن هذا التقييم، لا يكون دقيقا، ولا واضحا بما فيه الكفاية أيضا، ما لم يتم تثبيت الحدث المعني، في موقعه الدقيق على خريطة الصراع، وهو ما يستدعي فرد هذه الخريطة أمامنا، ودراسة تضاريسها وطرقها المتعرجة والمتقاطعة، وتركيز النظر على العلامات والمحطات العديدة عليها. كانت البداية في هذا الصراع المتواصل، تقسيم «بلاد الشام» إلى أربعة كيانات منفصلة: لبنان وسوريا وشرق الاردن وفلسطين، بهدف واضح، هو الاستفراد بفلسطين، التي تشكل حلقة الوصل بين المشرق العربي والمغرب العربي، وبين قارتي آسيا وافريقيا، مع حرص بالغ على تمديد جغرافية فلسطين فوق كامل منطقة النقب، وصولا إلى البحر الأحمر، عند منطقة العقبة/أم الرشراش، التي تحولت ليصبح اسمها «إيلات»، لضمان انقطاع التواصل الجغرافي. كان ذلك مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، التي يحتفل كثير من الرؤساء هذه الأيام، في باريس، بمناسبة مرور مئة عام عليها. وطوال فترة الصراع الفلسطيني الصهيوني، بين تلك الحرب والحرب العالمية الثانية، لم يتمكن الفلسطينيون من إنجاز أي مكسب ملموس، باستثناء واحد وحيد، هو الإضراب الفلسطيني العام، الذي شاركت فيه كل الجماهير الفلسطينية، واستمر ستة أشهر، وليكون الأضراب الأطول في التاريخ، وأنجز للشعب الفلسطيني تراجعا ملموسا من جانب حكومة الانتداب/الاستعمار البريطاني، حول الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وحول قضايا عديدة أخرى، قد يكون أهمها «أن الحكومة (البريطانية) عازمة على إلغاء الانتداب في الوقت المناسب، حيث تقوم دولة فلسطينية مستقلة، ترتبط بمعاهدة مع بريطانيا،… وبحيث تتمتع الأقلية اليهودية بحماية مقترنة بضمانات»، حسب ما ورد في المسودّة الأولى التي قدمتها الحكومة البريطانية للمؤتمر الخاص بإصدار «الكتاب الأبيض» يوم 24.2.1939، علما بأن الكتاب الأبيض الذي صدر يوم 27.5.1939، جاء مختلفا عن هذا النص. وفي هذا السياق أيضا يمكن تسجيل تراجعات بريطانية جوهرية وردت في تقرير لجنة بيل الملكية عام 1937، وبدون أن ننسى أن إنهاء الإضراب الفلسطيني العام المذكور، كان قد تم بطلب من الحكام العرب، الذين وثقوا بوعود بريطانية، لم يتم الالتزام بها طبعا. لا بد من طليعة لكل تحرك وطني. وعندما تفتقر الطليعة لقوة عسكرية قادرة على الحسم لصالحها، فإن الجماهير الفلسطينية، تصبح هي السلاح الأقوى والأقدر على الحسم مهما كانت ترسانة العدو مكتظة بكل أنواع الأسلحة هذا الدرس نتعلم منه أن التحرك الجماهيري الفلسطيني، الذي يشمل كل طبقات الشعب الفلسطيني وطوائفه وتجمعاته، هو الكفيل بأن يحقق له الوصول إلى بعض أهدافه وحقوقه الطبيعية المشروعة، حتى وإن كانت موازين القوى العسكرية والاقتصادية والعلمية تميل بشكل حاسم لمصلحة عدوه، سواء كان هذا العدو هو الاستعمار البريطاني أو الحركة الصهيونية، أو إسرائيل لاحقا. ننتقل من هذا التاريخ المتوسط، إلى تاريخنا الحديث، فنجد أن انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، ورمزها حركة التحرير الوطني الفلسطيني ـ فتح، والتي شكّلت الطليعة للعمل الوطني الشامل، لم تنجز أي هدف عملي ملموس، إلا عندما رفدته الجماهير الفلسطينية بالدعم وبالتحرك الشامل، الذي مثّلته الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي انطلقت في وجه جيش الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي، يوم 8.12.1987، فأرغمت إسرائيل على حضور مؤتمر مدريد، وعلى المفاوضات السرية المباشرة مع م.ت.ف. وصولا إلى اتفاقيات اوسلو، التي اعترفت فيها إسرائيل بوجود الشعب الفلسطيني، وبمنظمة التحرير ممثلا شرعيا له، وعكست اتجاه حركة الفلسطينيين، من فلسطين إلى دول اللجوء والشتات، لتصبح حركة من دول الشتات واللجوء إلى داخل أرض فلسطين. وهذا ما سبب دفع اليمين الإسرائيلي العنصري إلى رفضها وإدانة «أبطالها»، وهو التحرك الذي قاد إلى اغتيال اسحق رابين، الرمز الإسرائيلي لاوسلو، والانقضاض لاحقا على كل ما في اتفاقية اوسلو من مكاسب ومنافع للشعب الفلسطيني. درس جديد نتعلمه من هذه التجربة الفلسطينية، هو باختصار: 1ـ لا بد من طليعة لتحريك الجماهير الفلسطينية. لكن الطليعة لا تُنجز ولا تحقق أهدافا عملية ملموسة. 2ـ إن عنصر القوة الفلسطينية الرئيسي هو الجماهير الفلسطينية، وهو عموم أبناء الشعب الفلسطيني بطبقاته وطوائفه وتوجهاته السياسية. 3ـ يتوجب على هذه القوة الفلسطينية توجيه حركتها ضد رأس حربة العدو، وهو في حالتنا جيش الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي والمستوطنين/المستعمرين في أراضي الدولة الفلسطينية. لا يعمل الشعب الفلسطيني في الفراغ. فهناك عدو يفكر ويخطط ويتحرك ويعمل، بدون توقف، لمنعه من تحقيق أهدافه الوطنية الطبيعية المشروعة. ولهذا أقدم الزعيم الإسرائيلي اليميني العنصري، اريئيل شارون، على استفزاز الفلسطينيين لإطلاق الانتفاضة الثانية، ونجح في حرفها خلال أقل من شهرين من انطلاقها: 1ـ باتجاه تحويلها إلى انتفاضة مسلّحة. وتفوق إسرائيل في كل ما له علاقة بالسلاح أمر مفروغ منه، في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل المنظور والمستقبل البعيد أيضا. 2ـ باتجاه حرف بوصلتها عن التركيز على الجيش الإسرائيلي والمستوطنين/المستعمرين، لاستهداف المدنيين الإسرائيليين، وما يترتب على ذلك من تماسك المجتمع الإسرائيلي ليصبح قوة موحدة في مواجهة ورفض المطالب الوطنية الفلسطينية الطبيعية والمشروعة. إنه درس جديد يجب على الشعب الفلسطيني تعلمه وأخذ العبرة منه. تلا ذلك ما أسميه «الانتفاضة الثالثة»، التي انطلقت يوم 30 آذار/مارس الماضي، في الذكري الـ42 ليوم الارض، تحت اسم «مسيرات العودة»، والمستمرة حتى الآن على مدى ثلاثة وثلاثين أسبوعا. وهي كذلك لأنها شملت فعلا كل أبناء قطاع غزة، بكل طبقاته وطوائفه وقواه السياسة. ما نلمسه حتى الآن هو اضطرار إسرائيل للتفاوض الجدي لإنهاء هذه الانتفاضة. وهذا درس رابع يتوجب على الشعب الفلسطيني أخذ العبرة منه. تعالوا نتمنى أن لا تنتهي هذه المفاوضات، حتى وإن كانت مع جزء من القيادات الفلسطينية، إلى ما انتهت إليه اوسلو. ولعل المطلب الأول والأهم، أن تمتلك مصر ما يمكنها من إلزام إسرائيل بما يتم الاتفاق عليه، وأن لا يكون إنجاز لأهل قطاع غزة المنكوب أكثر من غيره من التجمعات الفلسطينية، عائقاً أمام إنجازات مطلوبة للشعب الفلسطيني. لا بد من طليعة لكل تحرك وطني. وعندما تفتقر الطليعة لقوة عسكرية قادرة على الحسم لصالحها، فإن الجماهير الفلسطينية، تصبح هي السلاح الأقوى والأقدر على الحسم مهما كانت ترسانة العدو مكتظة بكل أنواع الأسلحة. هل تعي القيادات الفلسطينية هذا الدرس؟ كاتب فلسطيني  |
| التحولات الفكرية في عالم مضطرب Posted: 07 Nov 2018 01:11 PM PST نحن في عالم لا يتصف فقط بتغيرات علمية وتكنولوجية هائلة، وإنما يتصف أيضا بتحولات جذرية فكرية وقيمية وأخلاقية وسلوكية خطرة تقارب الجنون. ففي عالم الاقتصاد ما عاد الإنسان أمام مدرستين متقابلتين، الرأسمالية والاشتراكية، ليختار أحدهما، وإنما أصبح أمام مدرسة شبه وحيدة ومهيمنة على العالم كله. إنها الرأسمالية النيوليبرالية العولمية المتوحشة، القائمة أساسا على المضاربات والتلاعبات المالية على حساب الاقتصاد الإنتاجي من جهة، وعلى الحرية المطلقة للأسواق لكي تضبط إيقاع الحياة الإقتصادية من جهة اخرى، الممجدة للاستهلاك الفردي والجمعي المادي والمعنوي النهم، حتى لو أدى إلى تدمير البيئة، والداعية إلى فردية أنانية غير معنية بما حولها من مجتمعات وبشر، المصرة على خصخصة كل الخدمات العامة، وعلى الأخص الاجتماعية منها، وذلك من أجل تقليص أدوار ومسؤوليات وسلطات الدولة في الحياة العامة إلى أقصى الحدود. نحن أمام انقلاب تراجعي للمشهد الاقتصادي: ما عادت المجتمعات هي التي تختار وتكافح من أجل نفسها وتفرض نظامها الاقتصادي، وإنما الذي يفعل كل ذلك مجموعة صغيرة من أصحاب المال وأزلامهم من أصحاب السلطة السياسية، اختفت النقاشات وتقلصت الخيارات وقل عدد المشاركين. وفي حقل السياسة تدمرت أيديولوجيات، متكاملة ومتناغمة في مكوناتها، لتحل محلها أفكار سياسية متناثرة تتعامل مع جزئيات المشهد السياسي، مكانا وزمانا وموضوعا، على حساب الكليات الإنسانية والشمول البشري. تدمرت أيديولوجيات، متكاملة ومتناغمة في مكوناتها، لتحل محلها أفكار سياسية متناثرة تتعامل مع جزئيات المشهد السياسي إن الفكر العولمي السياسي، المرتبط أشد الارتباط بالفكر الاقتصادي النيوليبرالي العولمي، يقبل التعايش مع ممارسة الديمقراطية الليبرالية، بشرط أن تكون في صورة أحزاب مائعة، انتخابات دورية تعيد إنتاج نتائجها نفسها، وبرلمانات منسجمة مع سلطة دولة قوية متسلطة، وبشرط أن لا شأن لمثل ديمقراطية كهذه، بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية، وبشرط أن يختفي إلى الأبد كل شعار يساري جماهيري، وأن تكون هناك ديمقراطية بدون ديمقراطيين مناضلين فاعلين. إنها ديمقراطية بلا ضمير ولا روح، تقتات على جماهيرية غوغائية يمينية متطرفة منغلقة في الفكر والأفق والمدى الإنساني. ومما ساعد على تقبل إنسان العصر تلك التحولات ووقوفه عاجزا أمامها إحاطته المتنامية المتشابكة بعوالم افتراضية تحيله وتحيل مجتمعاته إلى كيانات افتراضية خارج الـ»هنا» المكاني وخارج اللحظة الزمانية. إنها عوالم تختلط فيها الحقائق مع الأكاذيب ليتقبل الإنسان الأكاذيب وهو يحسبها حقائق، بسبب السيل الهائل من المعلومات المتناقضة والتأثير النفسي والذهني لشبكات التواصل الاجتماعي. في عالم تواصلي كهذا غير منضبط، تكثر أنصاف الحقائق وتزوّر التعابير. ألم يصبح الوطن العربي شرقا أوسطيا، والصراع العربي الصهيوني خلافا فلسطينيا – اسرائيليا، والاحتجاجات المشروعة اضطرابات، وتدمير باص مدرسي وقتل من فيه من أطفال خطأ فنيا، واكتساح بلد وتدمير عمرانه وتشريد أهله تحالفا من أجل الديمقراطية ومناصرة الشعوب، وبناء مجمعات سكنية معزولة عن محيطها الجغرافي والاجتماعي والإنساني وغارقة في رفاهية عبثية تخطيطا مدينيا إبداعيا، وإفلاس أصحاب المتاجر الصغيرة بسبب هيمنة المجمعات التجارية الكبيرة انفتاحا اقتصاديا وتشجيعا للاستثمار وتسهيلا لحياة المشترين، وانتخاب رئيس دولة نرجسي بهلواني قائدا مخلصا؟ نحن في عالم تموت فيه التعابير وتتشوة معاني الكلمات وتصبح الشعارات عبارة عن لوحات زينة قابلة لأن تنطق بما ليس فيها، حسب الأهواء والمصالح والتخيلات المريضة. والنتيجة هي الصبر المفجع الذي يتميز به عالمنا المعاصر لتقبل الفساد وخيانة الأمانة والتلاعب بالصالح العام في مؤسسات الحكم والتشريع والقضاء والاقتصاد والدين والفنون والإعلام. فلا عجب أن نصحو يوميا على أخبار الفضائح التي طالت بشرا كنا نعتقد أنهم حماة العفة ومؤسسات كنا نعتقد أنها حامية للأخلاق والقيم والسمو الروحي. أخطر ما في الأمر أن العلوم والتكنولوجيا تتضاعف وتتحسن بصورة مذهلة، بينما يدخل الفكر والقيم الإنسانية والممارسات الأخلاقية السوية في عوالم الغموض والتشكيك والتزييف. وعلى الرغم من وجود محاولات جادة تحليلية ونقدية لكل ما يجري في عالمنا المعاصر، إلا أنها تواجه بمئات مراكز الأبحاث وألوف أصحاب القلم والكلمة، الذين يقومون بعمليات التبرير والمدح وخلط الأوراق والمفاهيم لإبقاء الإنسان في دوامة عدم اليقين وعدم الاستقرار على حال متوازن. أسوأ ما في هذا المشهد غير المستقر على حال، وغير المالك لبوصلة تضبط مساره وتطوره، هو غياب برنامج تعليمي وتثقيفي متماسك لتهيئة إنسان ملم بطبيعة ما يحدث وقادرعلى مواجهة ما يحدث، بل العكس هو الصحيح، إذ أن مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام تساهم هي الأخرى في إنتاج إنسان مستسلم برضى وغفلة لما يحدث من حوله، ولما يقدم له من أفكار وقيم يؤديان إلى هبوط مستمر في سمو وتوازن ونقاء إنسانيته ، وإلى عجز في ارادته، وإلى قبول مفجع لقدره البائس. كاتب بحريني  |
| جوائز أمريكية على رؤوس قادة «الكردستاني»: شو القصة؟ Posted: 07 Nov 2018 01:10 PM PST بدا قرار وزارة العدل الأمريكية بوضع جوائز، بلغ مجموعها خمسة عشر مليون دولار، لمن يدلي بمعلومات تسهل إلقاء القبض على ثلاثة من قادة حزب العمال الكردستاني، أو القضاء عليهم، مثل عاصفة مفاجئة في سماء صافية. ذلك أنه لم يحدث نشاط عسكري جديد للحزب يستوجب صدور قرار من هذا النوع، إضافة إلى أن الحزب لا يشكل، أصلاً، أي تهديد للأمن القومي الأمريكي، مما قد يشكل حافزاً يبرر القرار. هذا إضافة إلى تحالف واشنطن، في سوريا، مع الفرع السوري للعمال الكردستاني ممثلاً بوحدات حماية الشعب ـ العمود الفقري لقوات سوريا الديموقراطية، وإن كانت تبرر ذلك، أمام الأتراك، بالفصل بين الأصل والفرع. فما الذي حدث حتى تتعامل إدارة دونالد ترامب بكل هذا السخاء مع تركيا، بعدما كانت العلاقات بين البلدين قد وصلت إلى حد من التوتر، قبل أشهر، شن فيها الأمريكيون حرباً نقدية وتجارية ضد أنقرة، بسبب أزمة القس برونسون. وهل كان إطلاق سراح المذكور كافياً لتنقلب واشنطن على نفسها في العلاقة مع تركيا؟ ذلك أنه سبق صدور القرار بشأن الجوائز، تصعيد عسكري تركي مفاجئ ضد مواقع لقوات حماية الشعب قرب كوباني، ولم يصدر عن واشنطن رد فعل بحجم التصعيد. أضف إلى ذلك إعفاء تركيا، بين دول قليلة أخرى، من تطبيق حزمة العقوبات الجديدة ضد إيران. وهل انتهى فصل الخلافات التركية ـ الأمريكية حقاً، وعادت العلاقات بين البلدين إلى سكتها السليمة كحليفين في حلف الناتو، بل كشريكين استراتيجيين حسب وصف الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قبل سنوات؟ الواقع أن ردود الفعل التركية على قرار الجوائز كانت فاترة، وتركت لناطقين رسميين بدلاً من وزير الخارجية شاويش أوغلو أو رئيس الجمهورية أردوغان. وهذا بحد ذاته مؤشر إلى أن الأخير يشعر بأنه في موقف قوي إزاء الولايات المتحدة، ليكون بوسعه التعاطي مع الهدية الأمريكية بهذا الفتور. للبحث عن مصدر هذا الشعور التركي بالقوة، والتنازلات أو الإغراءات الأمريكية المقدمة لتركيا، لا بد من العودة إلى موضوع جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، مطلع الشهر الماضي. فربما في هذا الموضوع يكمن ما لا نعرفه مما يدور في كواليس السياسة العالمية من ضغوط وعروض وصفقات. ردود الفعل التركية على قرار الجوائز كانت فاترة، وتركت لناطقين رسميين بدلاً من وزير الخارجية شاويش أوغلو أو رئيس الجمهورية أردوغان. وهذا بحد ذاته مؤشر إلى أن الأخير يشعر بأنه في موقف قوي إزاء أمريكا فقد لاحظنا أن اهتمام الرأي العام بجريمة القنصلية قد أخذ بالانحسار، بالقياس إلى الزخم الكبير الذي حظي به طوال الشهر الماضي، وكان يبشر بنتائج قد تشكل منعطفاً إيجابياً في موضوع الإفلات من العقاب الذي تمتعت به الدكتاتوريات المتوحشة في منطقتنا. فهل وصل أصحاب القرار إلى غاياتهم السياسية فدفعوا بموضوع العدالة جانباً ليجنوا مكاسبهم؟ جريمة القنصلية لا يمكن أن تغلق ما لم تظهر الجثة، وما لم تكشف آلية اتخاذ القرار التي أدت إلى ارتكابها. السعودية التي بدأت بإنكار وقوع الجريمة من أساسها، اعترفت بمقتل خاشقجي، لاحقاً، زاعمة أنه حصل خطأً بنتيجة مشاجرة، لتنتهي إلى الاعتراف بأنه قتل عمداً. لكن الرواية السعودية، حتى في طبعتها الأخيرة هذه، ظلت معيبة بالثغرتين المذكورتين أعلاه. فإذا كانت قد حددت المسؤولين عن ارتكاب الجريمة (18 شخصاً) وألقت القبض عليهم، فهل يعقل أنهم لم يعترفوا إلى الآن بمكان الجثة؟ الجواب واضح وهو أن الرجل «قتل خنقاً وتم تقطيع جثته» كما صرح المدعي العام التركي المكلف بالتحقيق في القضية. فالكشف عن مكان الجثة المقطّعة بالمنشار سيعيد إشعال نار ردود فعل الرأي العام من جديد، بعدما بدأت عملية إغراق القضية في النسيان. أما الثغرة الثانية التي لا بد من سدها لكي تتم لفلفة الموضوع وقطع تداعياته السياسية الكبيرة، فهي تلك المتعلقة بالكشف عمن قرر تصفية خاشقجي وأمر بالتنفيذ. وقد ألمح أردوغان في تناوله للموضوع إلى «صدور الأمر من أعلى المستويات». بوضوح أكثر يمكن القول إن كواليس السياسة والضغوط والعروض والصفقات تدور تحديداً حول المستقبل السياسي لولي العهد محمد بن سلمان الذي تجمع التخمينات على مسؤوليته المباشرة عن جريمة القنصلية. من المحتمل أن القيادة السعودية تخوض مفاوضات شاقة مع الأمريكيين والأتراك حول هذا الموضوع بهدف تبرئة ولي العهد وإلقاء المسؤولية على قسم من فريق الـ(18) أو كله، مع إيجاد مخرج ملائم قابل للإقناع لموضوع الجثة. في هذا البازار يظهر أردوغان بوصفه الفاعل الأقوى الذي يملك في يده مصير ولي العهد بالذات. كانت التوقعات الأولية منصبة على أن تركيا قد تستخدم قضية خاشقجي لابتزاز السعوديين، ولكن يبدو أنها قررت استخدامها لابتزاز إدارة ترامب المتمسكة بولي العهد، تمسكاً يبدو أنه فاق كل التخمينات. إذا صح هذا التفسير لتنازلات واشنطن المفاجئة أمام أنقرة، أي بربطها بقضية خاشقجي وتداعياتها السياسية المحتملة، فعلينا أن نتوقع مزيداً من المفاجآت الأمريكية في تقديم المزيد من الحوافز لتركيا. كاتب سوري  |
| في الواقع الأحادي للتعددية السمعية البصرية في الجزائر Posted: 07 Nov 2018 01:10 PM PST ارتبط شهر أكتوبر/تشرين الأول في الوجدان الجزائري وجيل ما بعد الاستقلال بالتحرر النسبي من قبضة الأحادية المقيتة، التي جثمت على واقع ووعي المواطن لعقود ثلاثة، سُحق خلالها أمل بناء دولة عصرية قوية تستجيب لطموحات الشهداء، الذين أعطوا الدم مقابل الغد المشرق، تبنيه الأجيال الحرة المتلاحقة، فشابه الحدث «الأكتوبري» أو كاد في عظمته وصداه وقدسيته لدى الجيل الجديد الحدث «النوفمبري» 1954 الذي قلب به جيل الثورة معادلة التاريخ واسترد بالقوة السيادة الوطنية على الأرض. لكن الجيل الأول رفض أن تغدو الأكتوبرية بديلا للنوفمبرية، وأمرا مركزيا في الوعي الوطني، حتى لو ناطح بذلك منطق التاريخ ذاته، ولعل أبرز قلاع التجلي في صراع البعدين الزمنيين في معركة الوعي، كان الإعلام، الذي تطور وتورط في تضاريس المسار التعددي الوعر، بشكل لا نظير له في تاريخ ما بعد الثورات والانتفاضات في العالم، ولئن كان الانتقال قد حصل نسبيا على مستوى الصحافة المكتوبة، فإنه على الصعيد السمعي البصري لقي ولا يزال عنتا، ليس فقط جراء تأثير البقية المتهالكة من سلطة الجيل القديم، وإنما من تدخل التيار الثالث في المسرح السياسي والقيادي الوطني، وهو تيار المال وجبروته الإفسادي المعيق للتحول في الوعي الوطني المؤسسي الصحيح. وإذا ما سعينا لفهم عمق الإشكال الذي أنتج حالة التنافر المستديمة بين تطور وعي المجتمع الإعلامي، وسلطة الأمر الواقع، فلا مناص من الإشارة هنا إلى تلك الصدامية المرتسمة بين أمرين متضادين على المستويين النظري والواقعي، أي بين طبيعة التعددية، كمفهوم مؤَسس ومؤسِس للدولة الحديثة على مختلف صُعد نشاطها، طبيعة السلطة في الجزائر التي نشأت عن إرادة ضدية لكل تعدد يفرض منطقه المفهومي الخاص المطرد، ليتصل قسرا بمفهومها المركب الملفق لهذا البعد المبدئي. فإذا كان التعدد ثروة شاملة ورافدا يصب في نهر تاريخ الأمة يقوي من سيله ويديم جريانه، ثروة رمزية لا تقل أهمية عن الثروة المادية، فقد رأته سلطة الاستقلال، على غير ذلك النحو، مستعدية بذلك المفهوم المنطقي الفلسفي للأشياء بداعي الخشية من ذهاب ريح الجماعة، وتفكك عُرى المجتمع، وهو الإقرار الضمني باستحالة التعدد ومحاولة قولبتها غصبا في قالب التوحد. صورة قاتمة عن هول مساحات الإخفاق لسلطة الدولة الوطنية الناشئة بعد الاستقلال، في قيادة المجتمع نحو التطور الطبيعي طبعا لم يكن ثمة بد من أن تنتهي حالة التركيب التصارعي المتناقض، التي وضعت عليها قواعد التأسيس الأولى للدولة الوطنية، بين مفهوم نظري حتمي للتطور التعددي منبثق من منطق التاريخ وشروطه، ورؤية محتومة وليدة لحظة جنونية محمومة في الصراع على السلطة، إلى صدام دائم، انقشع وميض أواره الأول، وانفلتت أولى ذبدبات صداه عبر أقلام الصحافة المكتوبة، التي كانت من خلال الجرأة المعزولة لبعض الأسماء، لاسيما في الصحافة الفرانكفونية التي كانت تتمتع بحصانة وقوة داخل الأجهزة والآلهة المتصارعة داخل المعبد الحاكم، ولا أدل على ذلك من شغف الجزائريين القارئين للصحافة الفرانكفونية بجريدة «الجزائر الأحداث» التي كانت الأعنف نقدا وانتقادا لممارسات الحزب الواحد التي لم يكن تأثيرها بالقوة التي كانت ستغدو، في ما لو لم تعرف المقروئية العربية ذلك الاتساع، نتيجة تعريب التعليم وانتشار التعليم الأساسي. لكن وصول الصراع بين أجنحة السلطة إلى ذروته ولجوئه إلى الحسم عبر الشارع، من خلال تثويره قبل أن يصدم الجميع بهول الأبعاد التي أخذها الشارع نتيجة الاحتقان والضيق من ضيم وظلم الأحادية، عجّل بالانتقال إلى التعددية الصحافية، بالموازاة طبعا مع التعددية السياسية، التي تم الإقرار بها على استحياء، توضحه الصيغة الدستورية سنة 1989 التي رسمت الاعتراف بالتيارات المتعددة بعبارة «حرية إنشاء جمعيات ذات طابع سياسي» ولم تذكر الأحزاب تصريحا! وهكذا شهدت الساحة الإعلامية توالدا مطردا للعناوين الصحافية، أماطت اللثام عن وعي جديد كان يتفاعل تحت الأرض في سراديب السرية، فازدانت الساحة الوطنية بخطابات ثقافية، فكرية وسياسية دفعت بالجزائر إلى صدر الحدث الإقليمي والدولي وقتها بوصفها أنموذجا نوعيا في الانتقال المجتمعي الشامل. ولكون قيادة الإصلاح الوطني السياسي منه والاقتصادي التي كانت تقود البلاد وقتذاك، تحت إمرة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، كانت جادة في مسعاها للمضي قدما نحو تكريس القطيعة مع رؤى النظام السابقة، القائمة على احتكار التاريخ والثروة على حساب منطق التاريخ ذاته، وأبرز مبادئه المفهومية وعلى رأسها التعددية، ولكون أيضا قدرة البلاد الضعيفة وقتها على الذهاب الفوري إلى التعددية السمعية البصرية، فقد فتحت القناة الوطنية الأحادية بشكل أو بآخر على التعددية الوليدة، وصار المجتمع يكتشف بالصوت والصورة طبيعته المتعددة والمتطورة، في نسق التحول الحتمي والطبيعي محليا، إقليميا وعالميا، واستحالت بذلك القناة التلفزيونية الجزائرية إلى منبر نوعي مشترك نسبيا، ولم يعد خطاب السلطة المنبوذ يهيمن على أسماع ومرأى الجزائريين، تكفي الإشارة هنا فقط إلى الصيت والسمعة الوطنية التي كانت تُحظى بها حصة «في لقاء الصحافة» التي كان ينشطها الإعلامي مراد شبين نهاية الثمانينيات وبداية التسعينات، يستضيف من خلالها شخصيات وأحزاب ورجال الفكر والثقافة، لإدراك قيمة ومستوى التحول في الوعي والممارسة التعددية على نطاق واسع من خلال قناة واحدة تخلصت من الأحادية. لكن مع الارتكاسة السياسية الكبرى التي تسبب فيها الطرف المحافظ في السلطة وردته العنيفة والعنفية على العهد الجديد، بعد إيقاف المسار الانتخابي سنة 1992 أعاد المشهد وأبطاله إلى المربع الأول، ونكصت المؤسسة التلفزيونية على أعقابها مرتجعة إلى العهد القديم، مستبدلة الخوف من الاستعمار بالخوف من الإرهاب، مجمدة لمسار تطور التعددية الوليدة بحجة أن المجتمع غير قابل وغير قادر على ممارسة التعدد في واقعه، قبل أن تصدم هاته السلطة غير المواكبة لآليات تطور التاريخ، بانفجار البث الفضائي، والهجرة الجماعية للمتلقي الجزائري إلى القنوات الخارجية تنفيسا من خنق الرؤية الأحادية الجديدة. ومع مجيء بوتفليقة للحكم نهاية القرن الماضي، تم تعزيز الهيمنة على الإعلام السمعي البصري من قبل السلطة، من خلال رفض التفكير في مجرد فتح النقاش حول فكرة التحول إلى التعددية السمعية البصرية، فطغت خطابات الرئيس والحصص الممجدة لإنجازاته وزياراته والندوات التي تحلل سياساته، متذرعة السلطة في رفضها ذلك، بكون التعددية ممارسة على مستوى المجالس المنتخبة داخل بنيات مليئة بأصوات نشاز بالترف الفكري والأيديولوجي الحزبي، أما مصلحيا فالكل سواسية وسواء! وتحت ضغط تطور البث الفضائي وانتشار اقتصاد الإعلام الحر، قبلت السلطة على استحياء أيضا بالتعددية السمعية البصرية، لكن بخطاب أحادي، لا يخرج عن سياساتها و لا يمرق عن مبتغاها، فعكس القناة الواحدة (القناة العمومية) عشية التعددية السياسية التي كانت متعددة الصوت، تبرز اليوم القنوات المتعددة بصوت واحد لا يخرج عن مساق السلطة وسوقها الخطابي، كل ذلك بسبب اختراق رجال المال لهذا الفضاء، ما عسر تطوره بالشكل الطبيعي، مثلما تطورت الصحافة المكتوبة لأنها تأسست عبر أصحاب المهنة في شركات وتعاونيات أنشأها صحافيون بدعم من السلطة الإصلاحية حينها. والإشكال القائم هنا فيما يتعلق بهذا الحضور المطرد في التعدد (الأحادي) لقطاع السمعي البصري، هو خلوه من المشروع، فراغ قاتل يعكس حالة الانفصام والانفصال الحاد بين تطور المجتمع ونخبه الحاكمة والمثقفة، فإذا كانت لسلطة السمعي البصرية الواحد الأحادية في ما مضى مشروع واضح وهو تنشئة المواطن على أسس الخطاب الأيديولوجي للدولة الوطنية وقتها، فإن تحول سلطة السياسة وسياسة السلطة إلى ما وراء الحافة الأيديولوجية دونما توافق وطني على مشروع تأسيسي، جعل هذا التعدد يقف على فراغ قاتل يجعله أبعد من أن يغدو بديلا عن أحادية الماضي، فضلا عن أن يعبر عن الحاضر! هي إذن صورة أخرى قاتمة عن هول مساحات الإخفاق لسلطة الدولة الوطنية الناشئة بعد الاستقلال، في قيادة المجتمع نحو التطور الطبيعي في مسرح التاريخ، بسبب رفض سنة التغيير الجيلي، وطغيان روح الغنائمية والسعي لاستبقائها غصبا عن منطق التاريخ ذاته. كاتب صحافي جزائري  |
| الإصغاء إلى صوت العقل والاهتداء بنور الحكمة Posted: 07 Nov 2018 01:09 PM PST راهن لويس ماسينيون (توفي في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1962) على القلب كعَضَلَة تتسع وتستوعب القدرة على تحمّل متاعب البشر، وعلى دوام الصبر على الأزمات والمآسي والمُعْضلات، ولعلَّ حالة الاستعمار التي عاصرها ماسينيون في القرن العشرين، واحدة منها. فحاول أن يلتمس لها ليس العقل والسياسة فحسب، بل القلب والعرفان أيضا. فقد دخل ماسينيون عالم السياسة من خلفية دينية، وما تستوجبه الكنيسة من الرأفة بالآخرين، خاصة من هم في حالة عوز وحيف وإجحاف، على ما هي عليه الشعوب الإسلامية ومنها الجزائر. توسّم ماسينيون في القلب القدرة الفائقة والسعّة الكافية لفض نِزَاعَات البشر، وأنظمة الحكم، وعلّق عليه، باعتباره رجل دين خادم الكنيسة الكاثوليكية، من أجل أن يلج مجال السياسة الفرنسية والدولية، أي في نطاق الوضع الاستعماري في الجزائر، وفي سياق إشكالية الشرق والغرب، كما ارتسمت ملامحها ومعانيها مطالع القرن العشرين. فالتجربة التي خاضها ماسينيون لحل قضايا الاستعمار استوجبت منه عدم الاقتصار الحصري على السياسة، بل مرادفتها بالثقافة الدينية والعرفانية، وبالإصغاء إلى صوت العقل والاهتداء بنور الحكمة. كل مصادر المعرفة ووسائل التسوية مرحب بها ومحمودة عند ماسينيون، لا يمكن بحال الاستغناء عنها، لأن الواجب الإنساني الكبير أن لا يُغَلّب مصدر على مصدر آخر أو وسيلة على وسيلة أخرى. وأصل الاستعمار أنه التمس «الكل السياسي» بحيث لم يترك لباقي مصادر المعرفة ولسائر مجالات التسوية أي فرصة للتحليل والتعقل والمعالجة وتمكين صوت الحكمة. الإنخراط في قضايا المقهورين، يعني عند ماسينيون الالتزام الوجداني والمعايشة الروحية لهمومهم وتراثهم، الذي مكنهم في حقبة من حقب التاريخ الإنساني من الحضارة والفكر والمدنية، ولعّل هذا التراث الذي ينقص فرنسا والغرب في الوقت الراهن. وعليه، ففكرة الانخراط أو الالتزام بقضايا الناس الذين تخاطبهم الكنيسة وتدعو إلى مواساتهم ورعايتهم والارتقاء بهم إلى مستوى الفاعل الذي يتكفل بمساره ومصيره، يلح على البحث عن توظيف مصادر أخرى يزخر بها «الداخل البشري» و»التراث الإنساني» لكافة الشعوب على اختلاف دياناتهم وأصولهم وروحانياتهم. عندما يصبح الإرهاب ظاهرة عالمية، فمعنى ذلك أنه صار يتغذى من سياسة دولية أرادها فعلا كبار هذا العالم يشرح ماسينيون هذه الحالة التي يجب أن تتوفر في الماسك بالقدرات التقنية لكي يساعد على تجاوز الوضع المفارق والمتناقض المنافي للتاريخ ولتعاليم الكنيسة: «ليس من السهل أن أدعي أنني استوعبت بالقدر الكافي القدرة على الانخراط الصوفي مع الإسلام والبلدان الإسلامية، لكنني أريد أن أقف معهم وحيث هم وأمامكم (الفرنسيين والغرب بصورة عامة)، في موضع القادر على فهمهم عن كثب وأقرب إلى نفسيتهم. فقد فكرت في الموضوع من باب التحليل النفسي، كما تعلمته من المحلل النفسي يانغ، الذي كان يعرف كيف يلج بمودة لمشاكل الناس في بساطتهم. فقد شفاني من الخشية ومن الاستعلاء الحقير للمثقف، الذي يفقد كل تواصل اجتماعي، ويغفل الحقيقة التالية، أن المطالب السياسية التي يجري التعبير عنها بشكل غير واضح والأكثر وخزا للضمير والشرف الشخصي، هي التي تكون في الغالب صادقة وعميقة ومؤسسة». فمن أجل تسوية المعضلات والخروج من وهاد المآزق والأزمات، نحتاج من جملة ما نحتاج إلى القلب والروح ورياضة النفس واستلهام عالم الموت والآخرة والماوراء. فكما للحقيقة في الفلسفة مصادر أخرى غير العقل، مثل الحكمة، الحدس، الحواس، اللاوعي، فإنه للقلب أيضا قدرة فائقة، لمن يحسن التوظيف والبحث عن الحقيقة، على إدراك القضايا والمسائل في أبعادها ومستوياتها المختلفة، والسياسة أحد هذه الجوانب وليست كلها. فالقلب موضع المودّة والمحبة والضيافة والمشْفَى والضمير، خاصة عند اللقاء مع الآخر المختلف. في مشروعه إذن، الرامي إلى توظيف مصادر أخرى لفهم وتَعَقّل الظاهرة الاستعمارية، تبنى ماسينيون الفكر العرفاني، الذي استوحاه من تجربة المتصوف أبي منصور الحسين الحلاج. وعن الحالة التي لازمت ماسينيون المثقف والداعي إلى السلام ، يقول معاصره المفكر المصري إبراهيم مدكور: « آمن ماسينيون بالحقيقة النَّقلية إيمانه بالحقيقة العقلية، وقضى حياته في تعمق أغوارها، والكشف عن أسرارها، سواء لديه، أتلقاها عن عيسى أم عن محمد. كان يرى أن للعقل حدودا يقف عندها، وأن الوحي والإلهام يصل ما انقطع، وما يربطنا بعالم اللانهاية. الحقيقة النَّقلية خالدة خلود الدهر، يقينية يقين الإيمان، تمتزج بالروح والقلب، وتتفق لمن تدبر مع النظر والعقل. وهي فوق هذا أقرب إلى نفوس الجماهير، وألصق بحياة الشعوب، وأصلح للمجتمع». فقد كانت تجربة حياتية ومصيرية استغرقته بالكامل، لا ليحل بها مأساة المستضعفين الرازحين تحت النير الاستعماري فحسب، بل لانتشال المستعْمِر ذاته من الانحراف الخطير الذي آل إليه، عندما خالف تعاليم الكنيسة والحداثة في كافة مظاهرها وتجلياتها. فقد تَنَكَّرت فرنسا لمبادئ الثورة الفرنسية والإنجازات العظيمة التي تمت على مستوى الفكر والعلم والفن والتقنية والتكنولوجيا، التي تعد نعم الله إلى خلقه.. وطوبى لمن تكن له القدرة على توزيعها على الآخرين وإشراكهم فيها. واليوم، وفي قراءة بعد كولونيالية، نرى أن ما نعانيه اليوم من مآسي يعزى في مجمله إلى صدّ السُّلط الاستعمارية عن تفعيل تراث الأمم «المتَخَلِّفة» وعدم السماح لشعوبها بالاندراج ضمن مؤسسات الدولة العمومية. فقد كان الفعل الاستعماري قوة بحتة لا تقبل أي تعاون مع الأهالي، ومن ثم صرفهم عن أي إمكانية ترفعهم إلى مصاف المواطنين. ولا نخال أنفسنا نخطئ عندما نقول إن الفضل كله يعزى إلى الحركات الوطنية والإصلاحية في البلدان المستعمرة، وإلى الحركات الإنسانية المناهضة للاستعمار في المتروبول، التي حاربت وناضلت، بما يمليه الوضع الحديث من أجل التحرر والاستقلال وإرساء نظم الحكم، ليس بالتعاون والتفاهم مع السلطة الاستعمارية، بل ضدها، كما أن خروج المستعمر لم يكن برضاه بل كرهًا وضد ممثلي السلطة الوطنية المقبلة. لعلّ أعظم قضية نمثّل بها في هذا المقام، هي ما يعرف في عالمنا اليوم بالإرهاب الذي صار حالة دولية، تواضع «النادي الإمبريالي العميق» على إلصاقه بالجماعات الإسلامية المتطرفة، وكأن الحالة الدولية ليست انعكاسا للحالة الوطنية، كما تؤكد بنية السياسة الدولية، التي تتلاعب بها الدول الكبرى في غياب تام للشخصيات العظيمة ذات الأخلاق المنفتحة على العالم كله. فالتحليل العميق لمسألة الإرهاب الديني، متأتية من محاولة طمس الديني وإعدامه أصلا لكي لا تكون له أي مساهمة في حياة البشر، وإبعاده كإمكان للشعوب المغلوبة سابقا من محاولة إنعاشه كأفضل بديل لما هو قائم، الذي يتطلع دائما إلى تجاوز «الكل السياسي»، أو»الكل الأمني» أو»الكل العسكري». فقد توارت السياسات الحصرية وولّت ولم تعد كافية لرسم برامج الإنماء والتقدم ليس للأوطان فحسب، بل لكل المجتمع الدولي. إن الشخصيات التي تصدر مواقفها عن روح وعقل نير ، يحدوها الأمل القريب في الأمن والإستقرار والسلام، لا ينطلي عليها أن الإرهاب صناعة دولية، تضطلع بها القوى ذات النفوذ الأممي عابر الأوطان، على ما تفعل الصهيونية والإمبريالية وغلاة الرأسمالية المتوحشة وزبانيتها. صحيح أن الإرهاب حالة فاسدة على مستوى الأوطان، بعد ما التمسته الجماعات المتشددة لمواجهة النظم الوطنية الفاسدة هي أيضا. لكن عندما يصبح الإرهاب ظاهرة عالمية، فمعنى ذلك أنه صار يتغذى من سياسة دولية أرادها فعلا كبار هذا العالم. فعندما سخَّر الرئيس الأمريكي بوش الابن سياسة دولية لمحاربة تنظيم «القاعدة»، أثمرت هذه السياسة ميلاد تنظيم إرهابي أكثر فتكا وعنفا هو تنظيم الدولة الإسلامية، الذي يجري تدميره حاليا، بعد ما استنفد دوره المطلوب في سياسة «النادي الإمبريالي العميق». كاتب وباحث جزائري  |
| توازن القوى الدولية وتشكيل التاريخ الحديث Posted: 07 Nov 2018 01:01 PM PST إذا كان الإيطالي مكيافيللي (1469-1527) هو أول من أشار في كتاباته إلى توازن القوى في العلاقات الدولية بشكل غير مباشر، فإن الفيلسوف الإنكليزي فرنسيس بيكون (1561-1626) هو أول من بلور المصطلح السياسي بمعناه الحديث، ثم استخدمه الملك الإنكليزي وليم الثالث (حكم 1689-1702)، بصفته حاكمًا من منطلق سياسي في سبيل الحد من النفوذ الفرنسي، لكن قد تم إدراك مغزاه تمامًا قبل ذلك منذ القرن السادس عشر ليصبح أحد المحددات الرئيسية للسياسة الدولية. توازن القوى إذا تحدثنا عن التوازن فلابد لنا من أن نذكر الصراع، أحد السمات الأساسية المُشَكِّلة للتاريخ الإنساني، الذي ينبثق منه بشكل أو بآخر ذلك التوازن، فهما وجهان لعملة واحدة، لكن ليس من الشرط أن يكون صراعًا بالمعنى المفهوم، بل يعني في الغالب التطلع إلى التفوق، ذلك الهاجس المستمر لدى الجماعات البشرية منذ القدم، فضلاً عن الكيانات السياسية، وطالما ظل هذا التطلع داخل إطار نظام معين، وشرعية مقبولة يظل التوازن قائمًا، أما إذا خرجت دولة خارج هذا الإطار بزيادة قوتها بإفراط، أو تطلعت إلى الهيمنة أو التعدي بشكل سافر على مكتسبات دول أخرى، يُحْدِث هذا إخلالاً بالقوى، ما يؤدي غالبًا إلى الحرب. لم يكن الالتفات إلى توازن القوى بين دول أوروبا إلا نتيجة لبداية تَعقُّد هذا المفهوم من الناحية العملية منذ بدايات العصور الحديثة، إذ كان توازن القوى قبل ذلك توازنًا بسيطًا بين دولتين، تدور في فلكهما الجماعات أو الكيانات السياسية الأصغر، كما كان الحال مع الفرس والروم (البيزنطيين) أو المسلمين وأوروبا المسيحية إبان العصور الوسطى. لكن مع تطور مفهوم الدولة وشكلها في العصر الحديث، نشأ ما يسمى في العلوم السياسية بالتوازن المركب، أي تواجد أقطاب دولية عدة تتناسب في القوة مع بعضها، مع ذلك ظل التوازن البسيط متواجدًا يظهر من حين لآخر على مدار التاريخ الحديث، فهو ـ كما يشير علماء السياسة – الآفة الكبرى المسببة للحرب، لأن طبيعته تكمن في المعارضة المباشرة والتنافس الصريح، بعكس توازن الأقطاب المتعددة الذي يعتمد على المناورات السياسية والدبلوماسية، ما يفسح مجالاً للاستقرار العام، فإن حدث تصادم يكون محدودًا في إطار التوازن القائم. ظل التوازن في القارة الأوروبية طوال العصر الحديث، الركيزة الأساسية للسياسة العالمية، باعتبار أن القوى الأوروبية هي المهيمن الرئيس على معظم أقطار العالم القديم والحديث. ورغم أن علاقات دول أوروبا قبل الثورة الفرنسية كانت تتخذ طابعًا عائليًّا بين الأسر المسيطرة على عروش القارة، التي ارتبطت في كثير من الأحيان بوشائج المصاهرة، فبدت امتدادًا لبعضها بعضا، إلا أن هناك عوامل أخرى دفعت عجلة الصراع الذي حدد موازين القوى، أبـرزها العـامل الديـني أو الأيـديولوجي. برز العامل الديني أولاً على ساحة الصراع الأوروبي إبان العصر الوسيط، حيث النزاع بين الشرق الأرثوذكسي والغرب الكاثوليكي، ورغم التعدد العرقي لأمم أوروبا بين سلاف وبلغار ولاتين، إلا أن التعصب الديني كان غالبًا على التعصب القومي، وهو ما حصر الصراع بين مكونات رئيسية ثلاثة، المذهبين الكبيرين للدين المسيحي في أوروبا من ناحية، والمسلمين من ناحية أخرى. وربما وجدنا في بعض الأحيان تكاتفًا بين مكونين من هذه القوى أمام الثالثة، كما حدث في محاولات التوحيد بين المذهبين المسيحيين إبان تهديد محمد الفاتح للقسطنطينية، وقد تم الأمر بالفعل بتنازل من أساقفة الكنيسة الشرقية في القسطنطينية لاستجداء وقوف القوى الغربية بكامل قوتها أمام التقدم الإسلامي، لكن الأمر لم يفلح على مستوى الشعوب، نتيجة للتاريخ الدموي الطويل بين الفريقين، وحتى القيادات السياسية لم تُقدِّم سوى مساعدات محدودة لم تجد نفعًا، تاركين القسطنطينية لمصيرها المحتوم. وعندما سقطت الدولة البيزنطية الممثل للعالم الأرثوذكسي، ليحل محلها العثمانيون المسلمون، خضعت الشعوب الأرثوذكسية في شرق القارة للقوة الإسلامية الجديدة، فبدا وكأن التوازن انقسم بين مكونين، لكن الأمر كان مختلفًا على الأرض، إذ بدأ الصراع الفرنسي الإسباني على إيطاليا، وازداد هذا الصراع عمقًا عندما ورث شارل الخامس، حفيد ملكي إسبانيا فردناند وإيزابيلا، عروش ممالك عدة في أوروبا، أبرزها عرش هابسبورغ في النمسا، ليتوَّج بعدها إمبراطورًا للإمبراطورية الرومانية المقدسة، ولتميل كفة الميزان في أوروبا بشدة لصالحه، فاضطر بيت بوربون في فرنسا، وعلى رأسه فرنسوا الأول، إلى الدخول في تحالف مع السلطان العثماني سليمان القانوني، الوحيد في أوروبا القادر على الوقوف أمام عدوه المتنامي، مستثنيًا العداء الديني في سبيل تعديل الاختلال الحادث في التوازن بينه وبين الملك الإسباني، وذلك هو مثال لتحالف الأنظمة المتنافرة الذي يقوم على المصلحة الآنية بدون توافق، لذا سرعان ما ينفض بأي طارئ يغير ملامح المشهد. تغييرات جذرية وبالفعل دخل معامل جديد أعاد مرة أخرى الجانب الديني إلى الواجهة، مُحدثًا تغييرات جذرية في الصراعات والتحالفات السياسية في القارة، إذ بدأت حركة الإصلاح الديني على يد مارتن لوثر في ألمانيا، لتناهض الكنيسة الكاثوليكية وبالتالي راعيها الأول الإمبراطور والملك الإسباني، وهنا لم يقتصر التهديد على النفوذ الروحي للكنيسة، وإنما كان التهديد هو الانتقاص من قوة ونفوذ هابسبورغ على الأرض، لتبدأ على إثر ذلك سلسلة من الحروب الدينية شاركت فيها تقريبًا بشكل أو بآخر كل بلدان وشعوب وسط وغرب القارة، وتستمر حتى عقد معاهدة سلام وستفاليا عام 1648، لتبرز دول جديدة فاعلة على ساحة الصراع، ويتشكل واقع وتوازن جديد، كما يحدث عادة بعد الحروب العامة. هكذا تكتمل المعادلة: إخلال بتوازن القوى يؤدي إلى الحرب، التي تؤدي بدورها إلى إعادة تشكيل توازن القوى. يتلخص الصراع الطويل المتعدد الأبعاد الذي أُطلق عليه «حرب الثمانين عامًا»، في محاولة هابسبورغ فرض الهيمنة على القارة، وسحق الثورات الدينية من ناحية، ومن الناحية الأخرى محاولة كافة الأطراف كسر هذه الهيمنة وفرض أمر واقع جديد، خاصة عبر التحالفات التي تمت خلال الفترة الأخير التي أطلق عليها «حرب الثلاثين عامًا». في هذا السجال الطويل امتدت الحرب في أماكن شتى وتعقد المشهد بتدخل أطراف دولية مختلفة، فتدخلت فرنسا، على سبيل المثال، لمساندة أمراء شمال ألمانيا، وتدخلت إنكلترا لمساندة الثورات في هولندا، وتدخل الأتراك تارة بمساندة اللوثريين وتارة بمساعدة الإنكليز، فضلاً عن المواجهة المباشرة لهابسبورغ المستمرة في المجر، وعلى سواحل المتوسط، وفي فرنسا نفسها اندلعت حرب أهلية ذات صبغة دينية، تدخلت فيها إسبانيا لمساندة العصبة الكاثوليكية، وتدخلت بريطانيا وهولندا لمساندة خصومهم. وتصاعد الصراع في عموم أوروبا منذ عام 1608عندما نشأت تحالفات أدت إلى توازن بسيط بين كتلتين، الاتحاد البروتستانتي الذي انبثق من ألمانيا ووقفت في صفه فرنسا وبريطانيا وهولندا والسويد والدنمارك، وبين العصبة الكاثوليكية وعلى رأسها هابسبورغ، مع غياب للدولة العثمانية التي انشغلت بأمورها الداخلية، ليعترف بيت هابسبورغ أخيرًا في نهاية الصراع باستقلال هولندا وبالحقوق الدينية داخل الإمبراطورية، وبدا أن هناك إرساء لتوازن قوى جديد، وبداية حقبة ذات أسس دولية جديدة. صبغة دينية لقد دفعت هذه الحرب بصبغتها الدينية إلى الاتجاه نحو تغليب الشعور القومي، وبدأت دول أوروبا تحديد كياناتها والدفاع عنها على هذا الأساس، ليصير عامل الحسم في تقرير المصير السياسي، رغم استمرار وجود العامل الديني في المشهد. لقد تشكل توازن دولي جديد استمر نحو قرن ونصف القرن، برزت خلاله دول جديدة كقوى كبرى مؤثرة من الدرجة الأولى وتراجعت أخرى إلى الصف الثاني. فمع انتهاء الحرب مباشرة برز بيت براندنبرغ شمالي ألمانيا، حاكمًا لبروسيا كقطب دولي مؤثر، بجانب هابسبورغ في النمسا، الذي استطاع أن يظل بعد الحرب قوة كبرى لها وزنها، وفي الغرب ظلت فرنسا متصدرة بقوتها العسكرية الكبيرة، ليتكون مع بداية القرن الثامن عشر توازن ثلاثيّ في قلب القارة، مقابل تراجع دول أخرى مثل إسبانيا والأراضي المنخفضة والسويد. وبدت أن هناك تغيرات على أطراف القارة من الشرق والغرب أثرت على عموم المشهد. فمن الشرق بدأ العملاق الروسي في نموه المطرد نحو الغرب، ليصطدم بالدولة العثمانية التي بدأت في التراجع الملحوظ، وليتدخل في شؤون شرق القارة، سواءً في بولندا أو في الأقاليم الأرثوذكسية الواقعة تحت السيادة العثمانية، باعتبار أن روسيا هي الوريث لبيزنطة والكنيسة الشرقية. وفي الغرب استطاعت بريطانيا أن تقفز إلى المراتب الأولى بتوسيع مستعمراتها في الهند، لتصير الدولة البحرية الاولى في القارة، وليعتمد التوازن بذلك في النصف الثاني من القرن الثامن عشر على خمسة أقطاب كبرى. ظل التوازن قائمًا في القارة على حاله رغم وجود العديد من النزاعات المسلحة في إطاره، كالحروب المستمرة بين بريطانيا وفرنسا، وحروب روسيا والنمسا مع الدولة العثمانية. ولم يَخِلْ بهذا التوازن ويؤدي إلى انهياره سوى قيام الثورة الفرنسية، ومحاولة فرنسا فرض أيديولوجيتها بالقوة على عموم القارة في ما يسمى بـ»الحروب النابليونية» التي اجتاحت أوروبا، وهو ما أدى إلى قيام حرب عامة تغيرت مرة أخرى على إثرها الخريطة السياسية للقارة عام 1815 عندما استسلم نابليون بعد معركة واترلو الشهيرة، لتدخل أوروبا «القرن الدبلوماسي»، كما أُطلق على المرحلة التي حاولت فيها القوى الكبرى تجنب الصراع الشامل، لكن ما لبثت أن اتجهت إليه بقوة مرة أخرى على إثر تغيرات مفصلية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كان أبرزها وحدة ألمانيا عام 1870 وظهورها كقوة عظمى بدأت تخل بتوازن القوى القائم، لتدخل أوروبا مرى أخرى في مرحلة صراع قومي وأيديولوجي شامل بلغ أوجه في الحربين العالميتين. كاتب وباحث مصري  |
| الاستيطان Posted: 07 Nov 2018 01:00 PM PST |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق