| معركة الحديدة وانكسار أوهام بن سلمان Posted: 06 Nov 2018 01:15 PM PST من جديد يتوهم التحالف السعودي ـ الإماراتي إمكانية تحقيق اختراق عسكري نوعي واستراتيجي في محافظة الحديدة غربي اليمن، وذلك في سباق محموم مع الزمن قبل أن تتبلور احتمالات وقف إطلاق النار استجابة للطلب الأمريكي، وافتتاح محادثات سلام بين الأطراف المتصارعة يتردد أن السويد يمكن أن تحتضنها. كذلك فإن الضغوطات الهائلة التي تخضع لها الرياض منذ انكشاف الوقائع الرهيبة لاغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، داخل القنصلية السعودية في اسطنبول، أضعفت كثيراً موقف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عراب عملية «عاصفة الحزم» في اليمن، وباتت تجبره على الانحناء أمام إلحاح واشنطن بصدد إيجاد حل سياسي. كما أن العلاقة بين اغتيال خاشقجي والملف اليمني بدأت تنعكس على الموقف البريطاني الذي أخذ يتحول تدريجياً عن سياسة حكومة تيريزا ماي في مقاومة ضغوطات المعارضة وبعض أعضاء مجلس العموم الهادفة إلى وقف تصدير السلاح إلى السعودية. والتصريحات الأخيرة لوزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت تصب في منحى توجيه اللوم إلى التحالف السعودي ـ الإماراتي والحوثيين معاً بسبب الاقتصار على معالجة المشكلة اليمنية عن طريق الحلول العسكرية وحدها، وهذه «كانت لها عواقب كارثية على الناس» كما قال هنت. كذلك تتولى بريطانيا إعداد قرار في مجلس الأمن الدولي يخصّ وقف إطلاق النار وبدء جولة جديدة من المفاوضات تحت إشراف المبعوث الأممي مارتن غريفث، وهذا ما كانت الحكومة البريطانية تتهرب منه طيلة سنوات الأزمة. وكما هو معروف كانت القوات الإماراتية، المدعومة بغطاء جوي سعودي ومشاركة لوجستية أمريكية مباشرة، دشنت معركة الحديدة مطلع شهر حزيران /يونيو الماضي، بهدف إغلاق مدخل المدينة الشمالي الغربي الذي يؤدي إلى العاصمة صنعاء، والتحكم بمنافذ 70 في المئة من الموارد المختلفة، خاصة الغذائية والطبية، بما يزيد الضغط على القوات الحوثية. لكن المعركة تكشفت عن عناصر بالغة التعقيد ميدانياً، بسبب تبعثر الجبهات واتساع خطوط القتال وتعدد مراكز القرار العسكري بين الوحدات الإماراتية والسودانية وقوات كل من طارق صالح وهيثم قاسم طاهر ونبيل المشوشي. وسرعان ما تلاشى الحلم السعودي ـ الإماراتي بانتصار خاطف في الحديدة، كان مؤملاً له أن يفتتح معركة صنعاء، ويعيد تنشيط الجبهات الأخرى في صرواح والبيضاء والجوف وصعدة وحجة وتعز وسواها. ومن المنتظر أن يتكسر الحلم الجديد على الصخور ذاتها التي جعلت «عاصفة الحزم» مجرد مغامرة عسكرية فاشلة نهضت على الصلف والغطرسة وكان طبيعياً أن تنقلب نتائجها على رؤوس صانعيها. وأما آثارها المأساوية فإنها تتفاقم أكثر فأكثر كل يوم، وتضرب الأرقام القياسية في معدلات الوفيات جراء المجاعة والأوبئة وسوء التغذية ونقص الأدوية والافتقار إلى الحد الأدنى من مقومات العيش الإنساني وانهيار البنى التحتية وتوقف المشافي وتعطيل الخدمات العامة. وكان غيرت كابيلاير، المدير الإقليمي لمنظمة اليونسيف في الشرق الأوسط، قد اختصر الحال في هذه العبارة الرهيبة: «اليمن اليوم جحيم على الأرض، ليس بالنسبة إلى 50٪ أو 60٪ من الأطفال، بل هو جحيم على الأرض بالنسبة إلى كلّ طفل وطفلة في اليمن». ومع ذلك فإن عرابي الحرب العبثية يواصلون تغذية أوهام الانتصار، بالدم والحديد والنار.  |
| تعدّدت الأديان والأقوام والظلم واحدٌ Posted: 06 Nov 2018 01:14 PM PST لا يسع أي إنسان متحضّر سوى أن يشمئزّ من منظر المتظاهرين الذين احتشدوا في باكستان للمطالبة بإعدام المدعوة آسيا نورين بي بي شنقاً بعد أن برّأتها محكمة البلاد العليا من تهمة «التجديف». وقد باتت تلك الامرأة المسكينة كبش فداء لأحقاد جهلة متعطّشين للدماء، يحرّكهم رجال تتلمذوا لدى مؤسسة تشويه الدين الإسلامي المتمركزة في المملكة السعودية، يصبّون حقدهم تارة على المسلمين الشيعة وتارة أخرى على المسيحيين، ناهيكم من أولئك المسلمين السنّة الذين يتّهمونهم بالكفر بين حين وآخر. وهم يختلفون بالكاد عن الجهلة الذين يرتكبون جريمة بعد أخرى في مصر، تارة ضد المسيحيين وتارة أخرى ضد المسلمين الصوفيين، أو عن ذاك الرجل المسيحي الذي ارتكب قبل أيام مجزرة في كنيس يهودي في الولايات المتحدة، أو عن المتهوّسين الهندوس الذين يرتكبون مجزرة تلو الأخرى بالمسلمين في الهند، وهلمّ جرّا. فيتقاتل في دورة إجرامية مسعورون بوذيون وهندوس ويهود ومسيحيون ومسلمون (سنّة وشيعة)، وقد تعدّدت الأديان والجُرم واحد. والحال أن عالمنا تجتاحه منذ بضعة عقود موجة من التعصّب الديني هي مظهر رئيسي من مظاهر الانحطاط السياسي والثقافي والأخلاقي الذي أصابه مع تحوّل الرأسمالية من صيغتها الإصلاحية التي سادت في خمسينيات وستّينيات القرن المنصرم إلى صيغتها الفاحشة (النيوليبرالية) الحالية. وقد تزامن ذلك التحوّل مع أفول الاتحاد السوفييتي، «وطن» الاشتراكية البيروقراطية، ومن ثمّ انهياره، الأمر الذي زاد من عنجهية الدولة الرائدة للتحوّل، أي الولايات المتحدة الأمريكية بالطبع، مع دخول العالم في عصر القطب الواحد لفترة انتقالية أشرفت الآن على نهايتها. وقد شرحنا في الأسبوع الماضي كيف أن اقتصاد السوق بلا ضوابط قد أدّى إلى مجتمع السوق الذي أصبح فيه كل شيء في المجتمع سلعة وانعدمت الضمانات الاجتماعية ومعها استقرار العيش بحيث تصاعد الكبت النفسي الجماعي. فتصاعدت بالتوازي وبقدر مستوى الجهل دعوات إلى تنفيس الكبت من خلال البحث عن أكباش فداء، وهي مظاهر تساهم في تدعيم النظام الاجتماعي الاقتصادي الجائر بتحويلها الأنظار عن لبّ المشكلة، ألا وهو هذا النظام بالذات والمستفيدون منه القائمون عليه. أما أكباش الفداء فتتنوّع أصنافهم بحسب تركيب الأقليات داخل كل مجتمع، سواء أكانت عرقية يحدّدها لون البشرة أم قومية تحدّدها اللغة أم دينية وطائفية. لسنا ندري متى سوف يصل عالمنا إلى درك انحطاطه التاريخي بل كل ما ندريه هو أنه لن يدخل في نهضة جديدة من تلقاء نفسه، بل سوف يحتاج الأمر إلى مقاومة ضروس وكفاح عنيد وربّما كان الصنف الأخير، الديني الطائفي، هو الأكثر انتشاراً، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار كونه يمتزج بأنواع التمايز الأخرى وسائر أصناف كره «الآخر»، مثلما جرى في حرب البلقان حيث اختلط القومي بالطائفي أو في حالة اضطهاد الروهينغا في ميانمار (أغلبهم من المسلمين، لكن أقلية فيهم من الهندوس). وإذا صحّ أن كراهية الإسلام والمسلمين تسود في العداء للمهاجرين في الدول الغربية، فهذا نابع بالدرجة الأولى من كون أغلبية المهاجرين إلى أوروبا هم حالياً من المسلمين، ناهيكم من الأثر الكارثي للإرهاب الدولي الذي ينتحل الإسلام. أما في أواخر القرن التاسع عشر، عندما كانت غالبية المهاجرين القادمين من شرقيّ أوروبا إلى غربيّها من اليهود، كان الوجه السائد للعداء للمهاجرين كره اليهود، الأمر الذي ولّد ما سمّي معاداة السامية مثلما ولّد الصهيونية كردّ فعل ما لبث أن قلّد الفعل نفسه إزاء عرب فلسطين. هذا وقد رأينا كيف تركّزت الحملة الانتخابية العنصرية المكشوفة التي خاضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأسابيع الأخيرة على المهاجرين القادمين من أمريكا اللاتينية، الذين ليس الدين عامل التمييز والتحريض عليهم بل اللغة ولون البشرة. طبعاً لم يكفّ ترامب مع ذلك عن تسعير العداء للمسلمين، سواء بالإشارة الحمقاء إلى وجود أناس من «الشرق الأوسط» في «قافلة» المهاجرين السائرين من الهندوراس وعبر المكسيك باتجاه الولايات المتحدة، أو بالإشارة إلى عدوّه اللدود وسلفه في كرسي الرئاسة بتسميته «بارك ح. أوباما» في إشارة نصف مستورة إلى أن والده (حسين) كان مسلماً. هذا وقد استوحى ترامب من صديقه العزيز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، في إيعازه إلى وحدات الجيش الأمريكي التي طلب منها الانتشار على حدود الولايات المتحدة مع المكسيك، إيعازه إليها في اعتبار الأحجار التي قد يرميها عليها المهاجرون القادمون من الهندوراس عند وصولهم إلى الحدود، وكأنّها «بنادق». وهو إيعاز شبه صريح في إطلاق النار على مدنيين عزّل على غرار ما يقوم به الجيش الصهيوني كل يوم جمعة ضد شعب غزّة البطل. ولسنا ندري متى سوف يصل عالمنا إلى درك انحطاطه التاريخي، بل كل ما ندريه هو أنه لن يدخل في نهضة جديدة من تلقاء نفسه، بل سوف يحتاج الأمر إلى مقاومة ضروس وكفاح عنيد. وفيما نكتب هذه السطور، تجري الانتخابات البرلمانية في الولايات المتحدة التي باتت تشكّل ساحة رئيسية لتلك المقاومة، وهي انتخابات جعلها ترامب نفسه بمثابة استفتاء على سياساته البغيضة. ومهما كانت نتيجة هذه المعركة، فلن تعدو كونها محطة في حرب طويلة الأمد سوف تشهد معارك أخرى عديدة وتفضي إما إلى تثبيت وتعميق الانحطاط وصدام الهمجيات أو إلى صعود جديد لسيرورة الحضارة والتعاون بين البشر على قاعدة المساواة في الحقوق بينهم مهما تعدّدت أديانهم وأقوامهم. كاتب وأكاديمي من لبنان  |
| تونس: عندما «يزعل» الرئيس! Posted: 06 Nov 2018 01:13 PM PST هل سبق لكم أن تابعتم ولو لمرة واحدة تعديلا وزاريا في أي من دولنا العربية يقوم به رئيس الحكومة فيعلن رئيس الجمهورية أنه غير موافق عليه؟!! إذن عليكم بتونس ففيها يحدث ذلك، إنه جزء من تميز «النموذج التونسي» على ما يبدو. أكثر من ذلك، لا يبدو أن هذا حدث حتى في دول أخرى لأن الأمر لا يخرج عادة عن أحد أمرين: إما لأن الرئيس هو من يتحكم في كل كبيرة وصغيرة وبالتالي فمن غير الوارد أصلا أن يتجرأ رئيس الحكومة على إعلان أسماء لوزراء لم يستشر فيها الرئيس الذي يكون هو بالأساس من اقترحها وأشرف على توزيع حقائبها بالتفصيل، وإما لأن الدستور واضح بشكل لا لبس فيه بحيث يكون رئيس الدولة هو من يعين الوزراء فينصاع رئيس الحكومة، أو أن ذلك يعود لرئيس الحكومة فيلتزم الرئيس الصمت لأنه يدرك أن تلك هي الحدود التي رسمها له القانون. في تونس، لم يعد الأمر كما كان في عهدي الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي فالنظام السياسي برمته قد تغير بعد ثورة 2011 ولم يعد رئاسيا مطلقا بل برلماني غير مطلق مع صلاحيات محدودة ومعروفة لرئيس الجمهورية. الدستور الجديد المصادق عليه في كانون الثاني/يناير 2014 حدد صلاحيات كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بما في ذلك من يعين الوزراء وكيف يحصل هؤلاء على ثقة البرلمان سواء كانوا في حكومة جديدة بالكامل أم في سياق تعديل محدود أو واسع. بناء على ما سبق، ما كان لرئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي أن يجاهر باحتجاجه على التعديل الوزاري الأخير الذي أعلنه رئيس الحكومة يوسف الشاهد حتى وإن كان غير راض عنه ليس فقط لأن «العرف السياسي» لا يستسيغ ذلك وليس فقط لأن النظام السياسي لم يعد يتيح لقايد السبسي ما أتاحه لسابقيه، بل لأن الدستور واضح تماما وما كان يجدر بالرئيس أن يمتعض من تطبيق بنوده. ما كان لرئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي أن يجاهر باحتجاجه على التعديل الوزاري الأخير الذي أعلنه رئيس الحكومة يوسف الشاهد حتى وإن كان غير راض عنه يقول الخبراء القانونيون في تونس إن التعديل الوزاري أمس الأول الذي شمل 13 وزيرا جديدا، مع بقاء وزراء الخارجية والدفاع والداخلية والمال في مناصبهم، هو من صلاحيات رئيس الحكومة بلا جدال وإنه بإمكان الشاهد إجراء تحوير وزاري دون الرجوع إلى رئيس الجمهورية إذا كان التحوير لا يمس حقيبتي الشؤون الخارجية والدفاع الوطني، وإن التعيين بالنسبة إلى بقية الحقائب هو من اختصاص رئيس الحكومة وفق ما ينص عليه صراحة الدستور. الرئيس قايد السبسي لم يخرج إلى الشعب ليقول إنه غير موافق على ما تم، على فرض أنه يجوز له ذلك، بل من فعل ذلك هي المتحدثة باسم رئاسة الجمهورية سعيدة قراش في مقابلة مع إذاعة خاصة قالت فيها إن «رئيس الجمهورية غير موافق» على التعديل» لما اتسم به من تسرع وسياسة الأمر الواقع»!! ومثل هذا الموقف غريب في عالم السياسة لأنه يدخلنا في مجال المشاعر أكثر من مجال الصلاحيات الدستورية، وكأن المتحدثة أرادت أن تقول إن الرئيس «غاضب» من هذا التعديل أو «مستاء» أو بالعامية «واخذ عل خاطره»… وكل ذلك لا معنى له سياسيا وقانونيا. رئيس الحكومة في تونس لم يعد «الوزير الأول» كما كان يسمى من قبل ولم يعد مجرد منسق لعمل الحكومة يعمل تحت أنظار رئيس الجمهورية. لقد اختارت تونس نظامها السياسي الجديد وعلى الجميع أن يعوا بذلك ويتحركوا ضمنه وأولهم رئيس الجمهورية. ويؤكد الخبراء القانونيون في تونس أن رئيس الحكومة هو رئيس الفريق الحكومي وأن أي تعديل محدود أو واسع يدخله على حكومته يستلزم عرضه على مجلس النواب، وبالتالي فالمسألة برمتها الآن بين رئيس الحكومة ومجلس النواب وليس لرئيس الجمهورية دخل فيها طالما أن حقيبتي الخارجية والدفاع العائدتين إليه بالنظر لم يمسا. الطريف في الموضوع، إن كان الموضوع يتحمل إيراد اللفظ من أساسه، أن الباجي قايد السبسي هو من أتى بالشاهد واقترحه رئيسا للحكومة مع أنه لم يكن معروفا أو ذا ثقل خاص في الحياة السياسية المحلية، وقد جاء به من حزب الرئيس «نداء تونس» نفسه قبل أن يتشظى هذا الحزب، بسبب ممارسات ابن الرئيس حافظ قايد السبسي، ويصل حد تجميد عضوية الشاهد فيه. لقد قرر هذا الأخير أن يلعب دوره رئيسا للحكومة بالكامل مستنفدا إلى الآخر كل الصلاحيات التي يمنحها له الدستور، في وقت ظن فيه الرئيس أن الإتيان برئيس حكومة «غير ثقيل» سيؤمن له السيطرة عليه، فيعيد بذلك إلى النظام طابعه الرئاسي حتى وإن خالف ذلك الدستور. كل هذه الحسابات سقطت في الماء!! أخطر ما في «زعل» الرئيس قايد السبسي من التحوير الوزاري الذي قام به الشاهد هو أن الرئيس، وبعد ما ظل لأشهر يحاول جاهدا التظاهر بأنه ليس مع ابنه في معسكر واحد ضد رئيس الحكومة، اختار في النهاية أن يشهر بوضوح كبير عداءه للشاهد. ولا يهم في النهاية إذا ما ساهم ذلك في مزيد تعفين الحياة السياسية المتأزمة قبل 11 شهرا من انتخابات رئاسية وبرلمانية يتمنى كثيرون أن تريحنا من أغلب الوجوه الحالية مرة واحدة. كاتب وإعلامي تونسي  |
| استثمر في الأردن واشرب «ميرمية» Posted: 06 Nov 2018 01:11 PM PST طبيعي جدا وفي مجتمع محافظ مثل الأردن وتتصدر فيه القيم الدينية أن ينسى عشرات المعلقين والنشطاء ما قيمته مليار دينار من الهدر المالي وتتسلط الأضواء في النتيجة على نحو 1600 دولار فقط تقول التقارير الرسمية إن هيئة معنية بجذب الاستثمار أنفقتها لشراء مشروبات كحولية خلال حفل استقبال يخص المستثمرين في مدينة العقبة جنوبي البلاد. بالنسبة للمواطنين البسطاء لا يثير هدر مليار دولار تلك المشاعر السلبية نفسها التي يثيرها شراء زجاجة كحول واحدة على حساب الخزينة بصرف النظر عن السبب بما في ذلك السبب الذي يمكن أن يقال في مثل هذه الظروف أو الذريعة التي يمكن أن تتردد بعنوان حرية الناس فيما يشربون. أحد الموظفين فيما يبدو حاول تشغيل دماغه فاشترى بحفنة دنانير تلك الزجاجات بهدف توقيع عقود مقنعة لمستثمرين أجانب يشربون الكحول بطبيعتهم أكثر من المياه. كان يمكن للحادثة أن تعبر مثل أي سهرة خاصة لها علاقة بعشرات الألوف من الأردنيين الذين يحتسون الكحول. لكن موظف ما قرر تدوين هذه الملاحظة باعتبارها مخالفة مالية وجلست بوقار في التقرير السنوي لأهم هيئة رقابية مالية في الأردن تتبع دستوريا مجلس النواب لتحصينها. ترك القوم بطبيعة الحال أو جلهم على الأقل معظم المخالفات الدسمة وثقيلة الوزن ماليا وبدأت الاتهامات من كل صنف ونوع تنهال على الحكومة التي يشجع الموظفون فيها احتساء الخمر ويجاملون فيها الأجانب على حساب ثوابت الأمة والحرام والحلال. طبعا المعنيون بالبقاء على سطح الأحداث فقط هم الذين تركوا الدسم وركزوا على جزئية بسيطة لا معنى لها، ففي عالم المال والأعمال واستقطاب الاستثمار يعرف الخبراء أن كل شيء مجاز لكن تلك الزجاجات أثارت من الضجة ما لا تستحقه بطبيعة الحال. أحد أعضاء البرلمان ضحك ملء شدقيه وأنا أسأله: ما الذي يمكن لموظف واجبه استقطاب مستثمرين أجانب أن يقدمه على العشاء أو في حفل استقبال لضيوفه إذا لم يقدم على مثل هذه المجاملة المغامرة؟ ضحك صديقنا النائب أكثر عندما سألت مستنكرا عما إذا كانت الضجة ستثور لو أن الضيوف الأجانب تم تقديم شراب خاص لهم مثل الميرمية أو اليانسون. اقترح صاحبنا لاحقا وهو يبتسم تزويد كل مستثمر أجنبي بزجاجة من لبن المخيض الساحر الذي يطهى به المنسف الأردني الشهير. واتفق معي الرجل على أن الحادثة كلها جزئية ولا تستحق أن تجلس في تقرير رسمي لديوان المحاسبة كهيئة رقابية وترسل لأعضاء البرلمان. المعنيون بالبقاء على سطح الأحداث فقط هم الذين تركوا الدسم وركزوا على جزئية بسيطة لا معنى لها ففي عالم المال والأعمال واستقطاب الاستثمار يعرف الخبراء أن كل شيء مجاز من واجب هيئات الرقابة المالية دوما وطبعا ملاحقة كل قرش من المال العام ينفق. لكن المسؤول الذي تتيح له وظيفته الإنفاق أصلا يمكن عدم تدوين مخالفة مالية بحقه إذا كان الإنفاق ضمن المخصصات التي لها علاقة بصلاحياته حيث توجد أنظمة ولوائح كفيلة أصلا باصطياد كل قرش مهدور. غريب جدا أن تثار تعليقات خشنة ضد المؤسسة التي قدمت لضيوف من المستثمرين الأجانب بعض زجاجات الكحول وكان المسؤول عن هذا الاجتهاد والنشاط هو ذاته الذي سلم القدس وثقب الأوزون وأطاح بصدارة أمة الإسلام للعالم. طبعا نقف ضد مخالفة أي من التقاليد والأعراف وأحكام الشريعة السمحاء في كل النشاطات والاجتماعات. ولا يهمنا إطلاقا مجاملة الآخرين على حساب ما يقبله أو يرفضه مجتمعنا ولسنا معنيين بالكحول من حيث الشكل والمضمون لكن في الأردن مصانع تصنع الكحول وعدد الأردنيين الذين يتناولونها ونعرفهم من المسلمين أكثر بكثير من الذين لا يفعلون. المهم أن تكون ملاحظات الرقابة المالية لأي هيئة جوهرية وصلبة ومقنعة وملتزمة بالقانون نصا وروحا. ونشعر بالمفاجأة فعلا من التركيز الشديد على جزئية في هذا السخف مقابل ترك الكثير مما هو أخطر وأهم من تلك المضامين التي وردت في التقرير السنوي لديوان المحاسبة المركزي. حسب التقرير نفسه التهم الأردنيون أطنانا كثيرة من القهوة المخلوطة بالحشرات والمكسرات المسرطنة واختفت عن الدنيا طائرة متخصصة برش المبيدات الزراعية وتهربت مصفاة البترول بقيمة ربع مليار دينار وزرع أحد رؤساء البلديات شوارع قريته الصحراوية بأشجار زينة بأكثر من مليون دينار اشتراها من التاجر نفسه. بطبيعة الحال تلك مخالفات مالية وإدارية من النوع الجسيم وتتحول إلى جرائم وفظائع في بلد يئن تحت وطأة الدين والضعف الاقتصادي. ولعل قيمة ديوان المحاسبة السياسية تبرز هنا من ضرورة إقناع الموظف العام بأن صلاحيات الإنفاق مقيدة بالقانون ولكن انحياز التقرير الرسمي الرئيسي إلى قضايا فرعية صغيرة جدا يمكن التحاور بها مع المؤسسات المعنية أو تخضع للاجتهاد أو حمّالة أوجه ولديها تفسير قد يسيء في النتيجة إلى المضمون الأعمق لدور التقرير في الرقابة المالية. لذلك نتوقع تطوير آلية عمل ديوان المحاسبة وتقنية إصداره لتقاريره وملاحظاته خصوصا وأن التقرير يعيد تكرار بعض الأحداث بدون سبب. ونقف بالتأكيد مع ملاحظة رئيس مجلس النواب عاطف طراونة وهو يطالب الذراع الرقابي المالي الأهم في الدولة بالأولويات الواضحة أكثر خصوصا وأن الشارع ومزاجه ميالان دوما لممارسة كل أنواع الاصطياد في مياه الحكومة العكرة. إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»  |
| آن الأوان لوقف الحرب في اليمن Posted: 06 Nov 2018 01:11 PM PST حينما قُتل الرئيس المصري أنور السادات في أكتوبر/تشرين الأول 1981، نطق وزير خارجية فرنسا حينها كلود شيسون بجملة غير موفقة، ولكنها لا تخلو من حقيقة، وهي أن لوفاة الرئيس المصري ميزة فتح القضايا العالقة في الشرق الأوسط. لا أستعمل التعبير ذاته، ولكنني أقول بالشيء ذاته في ما يخص مقتل المرحوم جمال خاشقجي، وهي طرح القضايا العالقة في منطقة الشرق الأوسط، ومنها الحرب على اليمن. كان من العسير طرح قضية الحرب على اليمن، مع الغطاء الدولي الذي كانت تتقنع به قوى ما يسمى بالتحالف العسكري العربي، وما يسمى بالدفاع عن الشرعية، وانخراط القوى الغربية إلى جانب التحالف، لاعتبارات جيوسياسية وأمنية، مقترنة بالحرب على الإرهاب، مع مواكبة إعلامية لا تخلو من تضليل. ولذلك فهو تواطؤ ضمني من لدن الدول الغربية الكبرى، وبعض الأنظمة العربية التي كانت على علم بالثمن الإنساني الذي تكلفه هذا الحرب، التي يذهب ضحيتها المدنيون والأفراد العُزّل، ولم تكن تستطيع أن تجهر بموقف يمكن أن يُغضب السعودية أو الإمارات. كانت الصحافة الدولية مع بعض القنوات العربية تنقل حجم المأساة الإنسانية، مثلما كانت بعض المنظمات غير الحكومية تنشط، رغم الصعوبات التي كانت تواجهها، من أجل التخفيف من معاناة المواطنين اليمنيين. أتيح لي في لقاء انتظم ببوردو بفرنسا في مارس/آذار من هذه السنة أن أستمع لعرض ناشطة إيطالية نقلت حجم المعاناة الإنسانية، معززة بالصورة التي يعانيها اليمينيون وبالأخص الأطفال، مع نقص الغذاء وشح البنيات الاستشفائية والدواء، وعمل الطاقم الطبي في ظروف صعبة للغاية. وكشفت الناشطة عن التضييق الذي تعاني منه المنظمات الإنسانية في التنقل ونقل المساعدات والعمل الميداني، فضلا عن إغلاق الموانئ والمطارات التي يمكنها نقل المساعدات، ما يزيد من حجم المأساة والمعاناة. لم يعد من الممكن الصمت على الوضع الإنساني في اليمن بعد انكشاف الأساليب اللاإنسانية من قِبل السعودية في إسكات معارض كان للضمير الإنساني أن ينتفض، إذ تم قصف حافلة تنقل أطفالا يتوجهون إلى المدرسة. وكان لطبيعة الجريمة، وعدد الضحايا أن يستنفر الضمير الإنساني، ولكن القوى الكبرى كانت تحت ما يسمى بالإيطالية بـ»الأومرتا»، أو التواطؤ والصمت. ولم يعد من الممكن الصمت على الوضع الإنساني، بعد انكشاف الأساليب اللاإنسانية من قِبل السعودية في إسكات معارض، فأصبحت قضيته دولية. وكسرت جريدة «النيويورك تايمز» الصمت بنشرها مؤخرا صورا مريعة لما يعانيه الأطفال، من نقص في التغذية، ومنها الصورة التي تناقلتها وسائل الإعلام الدولية للطفلة أمل حسين، التي يلتصق جلدها بعظامها، ومنهم أطفال توفوا ساعات بعد أخذ صور لهم. وقدّمت الجريدة رقما مخيفا لخمسة ملايين طفل يمني يشْكون المجاعة. وقبل ذلك نشرت جريدة «لوموند» الفرنسية افتتاحية بعنوان «الحرب المُغيّبة عن الأنظار» وخطر انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة. وأفصحت الأمم المتحدة عن حجم المأساة الإنسانية والمجاعة التي تنخر الشعب اليمني، لكن أصحاب القرار في الغرب حينها، كانوا في شُغْل عن صحوات الضمير. إن التصريحات التي أدلى بها كل من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو وكذا وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس، فضلا عن وزيرة الجيوش الفرنسية فلورنس بارلي، والخارجية البريطانية من ضرورة وقف الحرب في اليمن، يشكل منعطفا مشجعا لوقف الحرب التي يتأذى منها بالدرجة الأولى الأطفال والمواطنون الأبرياء والعُزّل. ومن الضروري أن تشجع الأطراف اليمينية هذه الفرصة السانحة، وأن تنأى القوى الجهوية عن تأجيج الصراع. إن الالتقاء حول طاولة المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة، ليس هدفا في حد ذاته، وإنما الهدف هو أن يتمخض اللقاء عن إطار يضع لبنة للسلم الدائم وللأمن، مع إعادة بناء الدولة. ولن يتأتى ذلك إلا بحسن نية الأطراف وتغليب مصلحة اليمن، ورفض التدخل الخارجي، أيا كان مصدره وطبيعته، وكذا بالتزام الأطراف الخارجية، أيا كانت، باحترام إرادة اليمينين وعدم التأثير عليها أو التشويش عليها، وكذا ضغط القوى الدولية على الأطراف اليمنية والقوى الإقليمية بدفعها إلى التوصل لحل وحماية الحل المتوافق بشأنه. لا بد هنا، من التمييز بين أمرين، فالخلاف السياسي في اليمن شأن اليمنيين، ولا يحق لأحد التدخل فيه، والإطار الوحيد لاحتضان الحوار هو الأمم المتحدة، لا جامعة عربية، ولا أي دولة عربية، أو إسلامية، من حقها أن تكون طرفا أو حاضنة لأي طرف. والشرط الوحيد السابق واللاحق لكل مفاوضات، هو الالتفاف حول الدولة كعقد اجتماعي يسمو على كل الانتماءات والتنظيمات، وكذا الشرط الملازم للدولة الحديثة، هو أن يكون للدولة اليمنية احتكار القوة، مما يعني تجريد كل القوى غير الدولة من السلاح. أما الأوضاع المادية التي يعيشها اليمنيون، والمعاناة التي يكابدونها، والمجاعة التي يتلظون في نارها، فشأن إنساني لا يحق السكوت عنه، ولا يمكن وضع حد لتلك المأساة في ظل الحرب والقصف الذي يطال المدنيين ويشل مفاصل الدولة. وإذا كان وضع حد للمأساة الإنسانية التي يعيشها اليمنيون شأن دولي، فمن باب أولى، أن يكون بالنسبة للفرقاء اليمنيين المتنازعين الذين يتوجب عليهم الالتفاف حول هذه الفرصة السانحة لوضع حد لمأساة شعبهم وإعادة بناء الدولة. كاتب مغربي  |
| أهمية ردّ السلطة الفلسطينية على التطبيع Posted: 06 Nov 2018 01:10 PM PST برر يوسف بن علوي، الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، في سلطنة عمان، زيارة رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى بلاده بالقول « إن السلطنة تطرح أفكارًا لمساعدة الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على التقارب، لكنها لا تلعب دور الوسيط. وهذا يؤكد أن الخطاب العربي الرسمي، لم يصل بعد، مرحلة السياسة الانفرادية مع دولة الاحتلال، على الأقل بالخطاب المعلن، أي بتبني المصالح القطرية للدولة، بمعزلٍ عما آلت إليه فلسطين وقضيتها، إذ لا تزال الشعوب العربية تستهجن التطبيع مع العدو المحتل، ولاسيما، وهو لم يفِ، بعد، بالحد الأدنى مِن المطالب العربية التي عبرت عنها «المبادرة العربية»، في القمة العربية، في بيروت 2002. نقول هذا، مع أن أقوال ابن علوي، «أن القضية الفلسطينية هي أساس جميع المشكلات التي حصلت، خلال النصف الأخير، من القرن الماضي» و»أن الزمن أصبح مناسبا للتفكير بجِدية للتخلص من المشكلات التي لا تسمح لدول المنطقة بالتطور الذي تستحقه»، هذه الأقوال قد تنطوي على نبرةٍ أحادية، طالما تكررت في الآونة الأخيرة، وهي تقوم على اعتبار القضية الفلسطينية عِبئًا على بعض العرب، وأنها كبدتهم تضحياتٍ جسيمة، وآن لهم أن يستريحوا. يحدث هذا في وقتٍ تبلغ فيه القضية الفلسطينية أخطر مراحلها، بالقياس إلى ما سبق، وتكتسب الخطورة منحى أكثر جِدية، على أرضية العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، والدعم المطلق الذي يعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وممثلوه، مِن أمثال السفير ديفيد فريدمان الذي كرر التأكيد على حق دولة الاحتلال في الاستيطان في أراضي الضفة الغربية، التي اعتبرها أرضها، والمبعوث الأمريكي لعملية السلام جيمس غرينبلات الذي كرر التموضع في عين الموضع الذي تتخذه حكومة الاحتلال؛ بالتهديد المباشر للفلسطينيين في غزة، إن هم واصلوا النضال ضد الاحتلال ومستوطنيه، وباشتراطه أي انفراجٍ على القطاع بالهدوء التام، بدون ربط ذلك بحلولٍ سياسيةٍ تتجاوز التسويات والمقاربات الاقتصادية التي تريدها دولة الاحتلال بديلا لأي استحقاقاتٍ سياسية. وجاء الموقف الفلسطيني رافضا لدعوة عمان باستئناف التفاوض؛ معللا ذلك بوجود حكومة يمينية، إلى جانب إبداء استعداده لمفاوضات ثنائية فورية مع إسرائيل، لكن بدون وساطة أمريكية، وشرط توافر أساسٍ جيد. وتزداد أهمية الرد الفلسطيني، بعد إعراب يوسف بن علوي، عن تأييد بلاده خطة ترامب لعملية السلام «صفقة القرن»، قائلًا «نشعر بتفاؤل شديد حيال هذا الاقتراح لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني»، معتبرًا أن الحل سيكون مفيدًا للإسرائيليين والفلسطينيين، على حد سواء». الموقف الفلسطيني الرسمي رافض لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل، وهو يعلن رفضه القاطع لـ»صفقة القرن» وهو موقف لم يسبق إليه عربيا على المستوى العلني الصريح، وإن كانت مواقف عملية عربية ولفظية، وتسريبات مِن نظام عبد الفتاح السيسي كانت صبت في الانخراط في هذه الصفقة، منها ما كانت نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، مِن تسريبٍ صوتي يكشف قبول السيسي، ضمناً، قرار واشنطن، اعتبار القدس عاصمةً لإسرائيل، ونقل سفارتها إلى هناك، وتسويق رام الله عاصمةً بديلة. فهل اطلعت دولة عُمان على بنود «صفقة القرن»؟ (علما بأنها لم تعلن رسميا)، وإذا كانت اطلعت على ما هو مؤكد منها، فقد يلزم التوضيح بأنها لا تجحف، وفق ما ذكرت مصادر صحافية عِبرية، بحقوق فلسطينية وعربية أساسية. وكانت صحيفة «هآرتس» أكدت أن التسريبات الأخيرة عن «صفقة القرن» للتسوية تتحدث عن دولة فلسطينية «منقوصة»، وتطالب بانسحاب «إسرائيلي» من أربع، أو خمس قرى، شرق القدس المحتلة، وشمالها (شعفاط وجبل المكبر والعيساوية وأبو ديس) تكون إحداها (أبو ديس) عاصمة للدولة الفلسطينية، مع إبقاء البلدة القديمة المحتلة والمسجد الأقصى المبارك، تحت الاحتلال. وأضافت أن «إسرائيل» لا تطالب بتقديم شيء، باستثناء الانسحاب من الأحياء الأربعة أو الخمسة، بدون المس بأي من المستوطنات، داخل الجدار الفاصل وخارجه، على السواء، أي الإبقاء حتى على المستوطنات المنتشرة في أعماق الضفة الغربية. ولا يخفى على الطرف الفلسطيني، بالذات، ولا على أي معنِي، أو متابِع، ما يجنيه نتنياهو، والأحزاب الصهيونية التي على يمينه، من المتطرفين العنصريين، مِن مِثل هذا الاستقبال العربي، والترحيب العلني، ولا سيما في أي انتخابات مقبلة، بما تمنحه للناخب الإسرائيلي من تطمينات على سلامة هذا النهج اليميني، الذي يدير الظهر لأي حلول سياسية حقيقية، ويسد الأفق أمام دولة فلسطينية، إلا أن تكون حكمًا ذاتيا، كما صرح نتنياهو، مؤخرا، على أن يبقى الأمن في الضفة الغربية، وحتى الحدود مع الأردن بيد دولة الاحتلال وجيشها، الذي يمضي نحو النهاية في القدس، تهويدا، واستيطانا، ويتوج ذلك ويكرسه بقانون القومية/ القانون الأساس، الذي لا يعترف بأي شعب على أرض فلسطين التي يعدها أرض إسرائيل، إلا بالشعب اليهودي، وتاليًا، لا حق لتقرير المصير هنا، إلا حق الشعب اليهودي، وبهذا خطر يرتد ليس فقط على فلسطينيي الضفة الغربية والقطاع، ولكنه يطال فلسطينيي الداخل، في هويتهم، وبقائهم مستقبلا، إذ يستطيع نتنياهو أن يدلل على نجاعة سياسته اليمينية المتعالية تلك بهذه العلاقات العربية المتقدمة والعلنية. في المقابل، تدرك عُمان وغيرها خطورة تجاوز فلسطين، وهذا ظاهر في تعليق عُمان على استقبالها رئيس وزراء دولة الاحتلال، ومحاولة ربطه بعملية السلام، وأمن الفلسطينيين، وهو ما يفهم، أيضا، من استباق هذه الخطوة التطبيعية المتقدمة، وفي هذا الوقت بالذات، ولهذا الزعيم الصهيوني تحديدا، باستقبالها محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية. أما الموقف الفلسطيني الرسمي فهو رافض لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل، وهو يعلن رفضه القاطع لصفقة القرن، وهذا لا يسعِف هذه الهرولة نحو التطبيع العلني، وعلى أعلى المستويات، لذلك تحاول هذه الأطراف العربية دفع الفلسطينيين إلى استئناف المفاوضات، ولو لمجرد التفاوض؛ ليتوفر لها الغطاء المريح، نحو الإمعان في علاقات مع دولة الاحتلال، تتجاوز فلسطين والفلسطينيين؛ فهل تستجيب السلطة الفلسطينية، وتمنح الغطاء الذي تحاوله عمان، ومن قد يتبعها؟ كاتب فلسطيني  |
| «الناتو العربي»: لمن وضد من؟ Posted: 06 Nov 2018 01:09 PM PST انطلقت مناورات (درع العرب 1)، الثلاثاء 30 أكتوبر/تشرين الأول الماضي على أرض مصر، وشملت المناورات تدريبات قوات (درع العرب 1)، وتشارك في تلك المناورات، التي تنفذ للمرة الأولى، كل من السعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن، بقطعات من القوات البرية والبحرية وقوات الدفاع الجوي والقوات الخاصة، في حين يشارك كل من المغرب ولبنان بمراقبين فقط… وستستمر التدريبات حتى يوم الأحد 18 نوفمبر/تشرين الثاني بحسب بيان الجيش المصري . هنا يكمن السؤال المحوري «قوات الحلف الجديد الذي بات يعرف إعلاميا بـ»الناتو العربي» ستحارب من؟ الإجابة الرسمية على السؤال جاءت في البيان الرسمي الصادر عن المركز الإعلامي للجيش المصري، الذي أشار إلى أن الغرض من المناورات أنها، «تأتي في إطار خطة التدريبات المشتركة التي تنفذها القوات المسلحة المصرية مع العديد من الدول الشقيقة والصديقة، لتنمية العلاقات العسكرية ومواجهة التحديات المشتركة، ودعم جهود الأمن والاستقرار في المنطقة». لنحاول في البدء تفكيك مواقف الدول الأعضاء في الحلف الجديد لنفهم الهدف من إقامته. فالحلف يضم مصر والأردن، والدولتان لديهما علاقات دبلوماسية على أعلى مستوى – وهو تبادل السفارات – مع إسرائيل، وقد وقعتا على معاهدات سلام دائم معها، وهما ملتزمتان بهذه المعاهدات، ولم يحدث أي خرق لهذه الاتفاقات منذ توقيعها. أما المتبقي من دول الحلف الجديد وهي: الإمارات، والسعودية، والبحرين، فهي تشتغل بوتيرة متصاعدة على التطبيع المعلن والمخفي مع إسرائيل، وخير دليل على ذلك أخبار زيارة وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية ميري ريغيف للمهرجان الرياضي المقام في أبي ظبي عاصمة دولة الإمارات، والزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لمسقط عاصمة سلطنة عمان الاسبوع المنصرم. هذه هي الزيارات المعلنة طبعا، أما الزيارات السرية لتل أبيب فقد قام بها بعض قادة دول «الناتو العربي» تقريبا، حيث زاروا تل أبيب وفودا وفرادى، وفقا لما صرح به مسؤول إسرائيلي في لقاء تلفزيوني قبل أسبوع من انطلاق أول مناورات للحلف الجديد. إذن هدف تكوين «الناتو العربي» هو مواجهة ايران ومحاولة ضرب نفوذها المتمدد إقليميا في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وأن المحرك والداعم الرئيس لهذا الحراك هما الادارتان اليمينيتان، إدارة نتنياهو في تل أبيب وإدارة ترامب في واشنطن، والغاية واضحة طبعا، استنزاف المنطقة اقتصاديا عبر صفقات التسليح وتأجيج الصراعات الإقليمية لضرب استقرار دول المنطقة وتدميرها، من خلال شن حروب بينية حفاظا على أمن إسرائيل، بالاضافة إلى أن المخطط سيتم طبعا بدون أدنى تكلفة تتكبدها إسرائيل أو الولايات المتحدة. كما كانت وكالة رويترز قد ذكرت سابقا أن إدارة الرئيس الأمريكي ترامب تضغط خفية على دول الخليج ومصر والأردن لتشكيل ما وصفه مسؤولون في البيت الأبيض، بأنه نسخة عربية من حلف شمال الأطلسي (ناتو) أو «ناتو عربي» لمواجهة إيران. جاءت مناورات (درع العرب 1) بعد مرور شهر تقريبا على لقاء وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو مع وزراء خارجية مصر والسعودية والإمارات والأردن والكويت والبحرين وسلطنة عمان في نيويورك، حيث قال بومبيو في مستهل اللقاء الذي تم على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، «لدينا جميعا مصلحة مشتركة في مجموعة واسعة من القضايا التي لها علاقة بالأمن». كما نقلت وكالة رويترز في يوليو/تموز الماضي عن مصادر أمريكية القول، إن ثمة خطة لتشكيل «ناتو عربي» يحمل مؤقتا اسم «تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي». وقد أعلن وزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة اثناء انعقاد القمة الأمنية التي استضافتها المنامة قائلا، «إن التحالف الأمني الإقليمي المقترح بين الولايات المتحدة وحلفاء خليجيين ومصر سيكون مفتوحا أمام من يقبلون بمبادئه»، متوقعا تشكيله بحلول العام المقبل. إدارة ترامب تضغط خفية على دول الخليج ومصر والأردن لتشكيل نسخة عربية من حلف شمال الأطلسي (ناتو) لمواجهة إيران فهل سيكون الحلف الجديد بديلا عن قوات حلف درع الجزيرة؟ وهل ثمة فرق بين الحلفين؟ قوات درع الجزيرة هي قوات عسكرية مشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي تم إنشاؤها عام 1982، سمتها الاتساق والانبثاق من ظروف دول مجلس التعاون المتشابهة، وهدفها حماية أمن الدول الأعضاء في المجلس، وردع أي عدوان عسكري تتعرض له احداها . لكن هذه القوات فشلت فشلا ذريعا عندما تعرضت الكويت للاحتلال عام 1990 عندما هاجمتها قوات صدام واحتلتها في غضون ساعات، ولم تستطع قوات درع الجزيرة أن تواجه الخطر إلا بعد أن أصبحت جزءا من تحالف دولي قادته الولايات المتحدة، واستطاعت إخراج قوات صدام حسين من الكويت. وبقيت قوات درع الجزيرة تلعب أدوارا محدودة في النزاعات الإقليمية. وربما كان دورها الأهم هو مشاركتها في قمع انتفاضة الربيع العربي في البحرين، عندما دخلت هذه القوات إلى المنامة لدعم القوات الأمنية البحرينية حينها، كذلك مشاركة قوات درع الجزيرة في التحالف الذي تقوده السعودية في حرب اليمن، التي لم تحقق نتائج ملموسة على الأرض حتى الآن. ربما يكمن الفرق بين الحلفين (درع الجزيرة والناتو العربي) في انضمام مصر والاردن إلى الحلف الجديد، لكن هل ستضيف المشاركة المصرية والاردنية ثقلا حقيقيا للتحالف الجديد؟ ربما هذا ما عولت عليه إدارة ترامب في سعيها لخلق تحالف عسكري أقوى من درع الجزيرة للوقوف بوجه التهديد الايراني. لكن في البدء يجب الاشارة إلى أن المشاركة الاردنية هي اقرب للمشاركة الرمزية، إذ هي خارج حسابات القوة الحقيقية، لذلك يتبقى السؤال المحوري حول المشاركة المصرية. فهل سيندفع السيسي في دعمه العسكري للتحالف الجديد إلى حد الاشتراك فعليا في حرب على الأرض، ويقف في صراع حقيقي على الارض مع السعودية ضد ايران؟ المؤشرات لا تعطي انطباعا بهذا الاتجاه الخطير، فرغم الدعم الإعلامي المصري الرسمي الذي يسعى لتصوير الأمر على أن هنالك تطابقا في المواقف المصرية مع السعودية والامارات العربية، على خلفية الموقف المعادي لحركة الإخوان المسلمين، إلا أن الحقيقة الواضحة أن السيسي بقي حذرا تجاه التورط في نزاعات فعلية على الأرض، وفضّل اللعب على الأمر بنوع من «الفهلوة»، وخير دليل على ذلك عدم تورطه في حرب اليمن حتى الان، رغم الاشارات الاعلامية الكثيرة المؤيدة للتحالف الذي تقوده السعودية في هذه الحرب، لكن يبدو أن الامر لا يزيد عن ذلك، وكان ثمن هذا الدعم الاعلامي موقفا سعوديا وامارتيا واضحا لدعم الاقتصاد المصري ومحاولة إيقاف تدهوره. أما الساحة الاخرى المهمة بالنسبة لانشاء حلف عسكري جديد فهي ساحة الصراع السوري، لكن يبدو أن تحالف «الناتو العربي» الجديد لن يستطيع تغيير قوانين اللعبة على الارض، اذ أن المواقف تسير بوتيرة متصاعدة لصالح النظام السوري وحلفائه الداعمين له، الروس والايرانيين، بينما يشهد المعسكر الأمريكي وحلفاؤه تراجعا واضحا في الأداء، لذلك ربط أكثر من مراقب لشؤون الشرق الاوسط بين إنشاء أو إطلاق «الناتو العربي» وتصاعد موجة التطبيع مع اسرائيل لخلق ظروف ضاغطة جديدة على ايران وحلفائها تحسبا لما سيتمخض عنه الصراع السوري. من جانب آخر يبدو أن هنالك من يقرأ زيارة نتنياهو إلى مسقط مؤخرا من زاوية نظر قد تبدو مختلفة، إذ يتوقع الاسرائيليون فشل التحالف العسكري الجديد. وكما هو معلوم أن التحالف الجديد هدفه الرئيس هو مواجهة إيران، هذه الحقيقة باتت لا نقاش فيها، لكن وكما هو معلوم أن مواقف دول الخليج لا يجمعها موقف موحد من إيران، كما انها لا تتفق على كيفية التعاطي معها. فقد سبق لقطر والكويت أن دعتا إلى الحوار مع إيران لإيجاد حلول لأزمات المنطقة، كما أن لسلطنة عُمان دورا طالما وصف بالحيادي تجاه إيران، خصوصاً أنها رفضت المشاركة في الحلف الذي تقوده السعودية في حرب اليمن، من هنا يرى البعض أن الزيارة ربما جاءت لإيجاد سبل تعاطي تقوم على مواجهة هذه المشاكل وجها لوجه. ويبقى رهان المراقبين وبعض السياسيين على ولادة الحلف الجديد ميتا رهنا للمقبل من الايام، فهي التي ستبثت إن كان هذا الحلف سيحدث تغييرا في مراكز القوى الاقليمية ويصمد بوجه تغيرات المنطقة، أم سيكون عاملا مضافا يزيد من تعقيد الصراعات فيها.  |
| لماذا ينبغي أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين؟ Posted: 06 Nov 2018 01:08 PM PST للمنافسة على المراتب الأولى في مسابقتي جودو وجمباز حطوا الرحال في واضحة النهار في عاصمتين عربيتين. وبحسب ما جاء في الأنباء فإن الوفدين الإسرائيليين لم يعودا أواخر الشهر الماضي من رحلتهما الرياضية إلى قطر والإمارات بخفي حنين، مثلما يحصل عادة مع معظم أبطال العرب حين يشاركون في مسابقات دولية، بل كان رجوعهم على العكس من ذلك ظافرا بكل المقاييس، رغم أنهم لم يحصدوا من كلتا المشاركتين عددا وافرا من الميداليات، ولم يكن أقوى إنجازاتهم سوى فوز يتيم كان يكفي ليحققوا من خلاله واحدا من أحلامهم، وهو رفع العلم الإسرائيلي، وعزف النشيد الرسمي للكيان المحتل في أبوظبي للمرة الأولى في التاريخ، مثلما تباهت بذلك صحيفة «هآرتس»، بعدما أحرز لاعب الجودو» ساجي موكي» ميدالية ذهبية في مسابقة الإمارات. ولعل اللافت في تلك الميدالية هو أنها كانت محملة برمزية. فقد نقشت فوقها صورة الشيخ زايد مؤسس الدولة المستضيفة، وأحد أبرز القادة الذين أعلنوا في السبعينيات حظرا نفطيا على الدول المساندة للاحتلال الصهيوني، والذي قال وقتها إن» النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي». غير أن تلك الأيام تبدو الآن بعيدة جدا، فلم يعد زايد يرمز للصمود الرسمي العربي بوجه الغطرسة الاستعمارية الصهيونية، بل تحول إلى مرادف لسلام مغشوش ووجه ينقش فوق العملات والميداليات ويلصق في المطبوعات، لتسويق تطبيع علني ومكشوف مع المحتل. ولأن الأمر صار على ذلك النحو، فقد وجدت وزيرة الثقافة الصهيونية، بعد أن أبدت تأثرها الشديد بعظمة اللحظة التاريخية التي رفع فيها العلم، وعزف نشيد الاحتلال في بلد عربي، أن الفرصة صارت سانحة الآن باسم السلام نفسه لفعل المزيد خارج صالات الرياضة. ولأجل ذلك فقد اختارت ميري ريغيف، التي سبق لها أن قالت يوما «إن الأذان هو صراخ كلاب محمد» وظهرت في مناسبة الذكرى الخمسين لاحتلال القدس الشرقية، وهي ترتدي فستانا عليه صورة البلدة القديمة، أن تلبس هذه المرة عباءة خليجية وتدخل مسجد الشيخ زايد لتصرح من داخله بانها موجودة «في ثالث أكبر مسجد في العالم بعد مكة والمدينة» ولتوجه منه رسالة قصيرة وخطيرة في الوقت نفسه، خلاصتها أنها «تتمنى من الجميع في العالم الفصل بين الانتماءات السياسية لهم والدين». ويبدو أن كلام ميري لم يكن مجرد حلم من أحلام اليقظة بقدر ما كان انعكاسا لما كان يجري من حولها. فقد كان جزء كبير مما قالته يتحقق زمن حديثها على أرض الخليج. واتضح أن الأمر أخطر وأهم بكثير من لعبتي جودو وجمباز، وأن هناك حاكما خليجيا ينسب له الاعتدال والحكمة والنأي بالنفس عن الصراعات والخلافات الهامشية، بادر لسبب مجهول حتى الآن، إلى الفصل القاطع والتام بين انتمائه العربي والإسلامي ونصرته الكلامية على الأقل لما ظلت توصف بالقضية القومية والدينية العربية الأولى وعلاقاته العلنية ومصالحه الوثيقة والقوية مع الاسرائليين. في ما ظل العرب يفخرون بنصر أكتوبر سجل هذا الشهر في هذا العام أهم الانتصارات الإسرائيلية، وربما أبرزها على الإطلاق وفي ما ظل العرب يفخرون طويلا بنصر أكتوبر فقد سجل ذلك الشهر في هذا العام أهم الانتصارات الإسرائيلية، وربما أبرزها على الإطلاق، إذ فتح السلطان قابوس قصره لبنيامين نتنياهو في زيارة كانت الاولى له إلى بلد عربي لا يقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع الكيان المحتل. والانكى من ذلك أن وزير خارجية السلطنة رد على مذيعة قناة «الجزيرة» حين سألته عن سبب الزيارة، بتعجب واستغراب بالغين، وكأنه لم يعد لسؤالها من مبرر قائلا لها بلهجة تهكمية «تسألين عن السبب؟ هل هو محظور عليه (أي نتنياهو) أن يزور عمان؟»، قبل أن يضيف أن «دولة اسرائيل هي دولة من دول الشرق الاوسط، وبالتالي فقد أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي رغبة في أن يزور السلطنة، وأن يعرض على السلطان ما يعتقد أنه يصلح شأن منطقة الشرق الأوسط، وبالأخص الخلاف الاسرائيلي الفلسطيني، وتم الترحيب بذلك، فأتى وأبدى ما يريد أن يبديه، واستمع لما اردنا أن يستمع إليه والحمد لله». ولعل مثل ذلك التبسيط كان الاعتراف العربي الأقوى لا بدولة الكيان الإسرائيلي فحسب، بل اصلا بعدم وجود قضية فلسطينية، على اعتبار أن كل ما كان يجري هو مجرد خلاف اسرائيلي فلسطيني، مثلما قال الوزير وليس احتلالا استيطانيا بشعا لبلد وشعب شقيق. لكن الريح الصهيونية التي هبت على الخليج قد تكون مقدمة لعاصفة أعظم وأشد. فلم تعد القضية الآن هي هل يضحي الخليجيون ومن ورائهم باقي العرب أيضا بمصالحهم مع الغرب ومع إسرائيل ويلقوا بها جانبا، ويستمروا بالمقابل ولو في الدعم الرمزي والمعنوي للفلسطينيين أم لا؟ بل صارت في البحث عن الهدف النهائي للإسرائيليين من وراء أي عملية تطبيع يسعون لها. فهل تحولت عيونهم بعد الاطمئنان النسبي على استمرار الصمت والتواطؤ العربي والاسلامي في قرار الاعتراف الامريكي بالقدس، عاصمة للكيان المحتل، لتصوب بشكل دقيق ومباشر نحو مكة والمدينة وباقي اجزاء الجزيرة العربية؟ وهل أننا دخلنا الآن بالفعل في ذلك النفق المظلم الذي حذر منه الرئيس التركي رجب اردوغان في ديسمبر/كانون الأول الماضي حين قال أمام بعض الزعماء العرب والمسلمين «إذا فقدنا القدس فلن نتمكن من حماية المدينة المنورة، واذا فقدنا المدينة فلن نستطيع حماية مكة واذا سقطت مكة فسنفقد الكعبة»؟. إن المأساة الحقيقية هي أنه بعد أن حول الحكام العرب لردح طويل من الزمن قضية فلسطين إلى اصل تجاري يرهنون به بقاءهم في كراسيهم، بدأوا يستشعرون الان ضرورة التخلص مما باتوا يعتبرونه عبئا ثقيلا قد يحرمهم من مزيد من الحماية الامريكية والاسرائيلية لعروشهم. وصار المنطق الذي يسوقون به تلك الرغبة هو أنه لم يعد بمقدروهم أن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، في إشارة إلى العلاقات الوثيقة التي لم تنقطع أبدا بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وعلى اعتبار أنهم يرون أنه إن تنازل اأحد أو فرط في حقه، فلا يمكن للآخرين حتى لو كانوا مقربين منه أو على علاقة قوية به أن يهبوا للدفاع عما سلم فيه عن طيب خاطر. وربما كان مثل ذلك المنطق سليما ووجيها في حال ما اذا كانت فلسطين لا تخص أحدا غير الفلسطينيين، أو في صورة ما اذا كان أهلها قد قبلوا بالاحتلال ورضوا به، أو كانت حدود المخطط الاستيطاني الصهيوني مضبوطة بشكل دقيق. ولكن الأمر على العكس من ذلك تماما. فالقدس ليست سوى نقطة البداية لتحقيق حلم اسطوري بدولة كبرى «من النيل إلى الفرات» تضم اجزاء واسعة من مصر وفلسطين والاردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية. وهذا ما يفرض على العرب اليوم بالذات أن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين انفسهم حفاظا على ما تبقى من مصالحهم بالدرجة الاولى، وتجنبا للنتائج الكارثية لألعاب صهيونية مقبلة ستكون بلاشك أكبر وأخطر ألف مرة من ألعاب الجودو والجمباز، وعليهم قبل ذلك وبعده أن يستحضروا كيف قال القذافي لقادتهم من انه «بكرة الدور جاي عليكم كلكم»! كاتب وصحافي من تونس  |
| ارفعوا أيديكم عن القطاع المظلوم Posted: 06 Nov 2018 01:00 PM PST عندما كتب عمر أبو ريشة كلماته (لا يُلام الذئبُ في عدوانه… إن يكُ الراعي عدوَّ الغنمِ)، لم يكن يعلم ما سيفعله العرب بهذا القطاع المظلوم، بعد أن بدأت سفن كسر الحصار تنسج قصّتها مع قطاع ساحلي يفتقر إلى أدنى مقوّمات مرفأ حقيقيّ لاستقبال السفن الكبيرة! ذلك عندما علم أحرار العالم، أن الجميع عليه أن يبدأ فك حقيقي للحصار. لأنه حقًا على هذه الأرض ما يستحق الحياة. وعلى العكس جاء الدور العربي دائمًا ليتحرك تحت مظلة المصالحة، ففي 19 آذار/ مارس 2005 وقعت مجموعة واسعة من الفصائل الفلسطينية بما فيها فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين على إعلان القاهرة الفلسطيني. ربما كانت هذه أول محاولة للتوفيق بين الفلسطينيين. كان هدفها توحيد الفصائل الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي وإعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية وتجنب المزيد من التفاعلات العنيفة بين الجماعات الفلسطينية. كان أحد أهداف إعلان القاهرة هو إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية ليشمل جميع القوى والفصائل الفلسطينية لأن المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. بعدها وفي مكة الكرمة تم التوقيع على اتفاقية فتح وحماس في 8 شباط/ فبراير 2007 بعد ثمانية أيام من المحادثات ووافقت على وقف الاشتباكات العسكرية في قطاع غزة وتشكيل حكومة وحدة وطنية. وفي 23 آذار/ مارس 2008 وقعت حماس وفتح إعلانًا في صنعاء الذي يعتبر اتفاقًا للمصالحة. وجرت الدعوة إلى عودة قطاع غزة إلى حالة ما قبل حزيران/ يونيو 2007. ظهر الخلاف حول التفسير على الفور. ففي حين قالت فتح على حماس أن تتخلى عن حصتها على غزة أولًا وطالبت حماس بإعادة حكومة الوحدة بقيادة حماس أيضًا. واستمر نسج هذا المسلسل الدرامي الطويل حتى الآن. فهل هي مصالحات أم تهدئة للمحتل؟ هذا ما يمارسه العرب على القطاع، نعم على هذه الأرض ما يستحق الحياة، فسنة تلو الأخرى، يشتد الحصار على غزّة. لقد تخمّر الغضب الشعبي في جميع أنحاء العالم ضد حصار هذا الشعب، وظهرت فعاليات شعبية ودولية حاولت كسر الحصار بأيّ شكل من الأشكال، إما عبر تنظيم المسيرات إلى المعابر، أو توجيه الرسائل إلى الحكّام عبر وسائل الإعلام، وكذلك، عبر المؤتمرات الصحافية التي تشرح أبعاد هذا الحصار وآثاره على كلّ نواحي الحياة في هذه البقعة من العالم. وكان ذلك بعدما أحجمت دول الجوار عن تقديم يد العون لأشقاء استنجدوا طلباً للمساعدة، بل ومنعت وصول المساعدات براً. إذا كان الحديث عن تهدئة مرتقبة أو هدنة طويلة الأمد بين حركة حماس وإسرائيل، مقابل تسهيلات اقتصادية ومشاريع إنسانية تستهدف قطاع غزة بإشراف أممي ومصري، ووقف كامل لإطلاق النار والتصعيد المتذبذب من حين لآخر، فهنا يبقى ملف المصالحة الفلسطينية مترنحًا بين تحقيقه من عدمه. فالوصول إلى تهدئة مع قطاع غزة، بات الملف الأول والأهم بالنسبة لإسرائيل، خاصة في ظل تعدد جبهات المواجهة في الشمال والجنوب، بالإضافة لرغبة حماس الجامحة، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تعصف داخل أروقتها في معزل عن الرئاسة الفلسطينية. لكن الحقيقة أن حماس تريد كسر الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة، مرة واحدة، وإلى الأبد. وسبق أن نشرت قناة إسرائيلية مقترحًا من 4 مراحل لفك الحصار عن القطاع والتهدئة ما بين حماس وإسرائيل. فمسيرات العودة محطة عز، والجميع في القطاع يريد كسر الحصار مرة واحدة، وإلى الأبد، وهم أصحاب حق رغم المؤامرات التي تحاك ضدهم. أيها العرب.. ارفعوا العقوبات عن غزة ذلك لإصلاح حال سكان القطاع، ارفعوا العقوبات عن غزة رسالة وطنية تعني ارفعوا أيديكم عن القرار العربي، وارفعوا أيديكم عن مستقبل الشعب الفلسطيني، وارفعوا أيديكم بعيداً عن مصافحة أيدي رجال المخابرات الإسرائيلية، وطهروا أنفسكم بمصافحة رجال المقاومة في غزة. ارفعوا العقوبات عن غزة رسالة شعبية فلسطينية تنطق بها كل الألسن، وتلهج بها كل القلوب الفلسطينية التي لن يثنيها عن نضالها غضب بعض المتسلطين على القرار العربي، وانفعالهم الفج، ورعبهم الأهوج من الهوة السحيقة التي تفصل بين منهاجهم السياسي وبين إرادة القطاع الطموح. فالواقع أنه مع اشتداد حصار غزّة، باتت الحاجة مُلحّة إلى التفكير بممرٍ آخر يسلكه المتعاطفون مع غزّة، غير معبر رفح البرّي الذي تغلق السلطات المصريّة أبوابه أغلب أيّام الأسبوع بوجه المسافرين. وإذا كان مفتوحاً، فهي تمنع عشرات الأجانب من دخول غزّة، لدواعٍ أمنيّة. ارفعوا العقوبات عن غزة صرخة لم تترد في دوار المنارة في رام الله فقط، وإنما صرخة رددها الفلسطينيون والعرب والمسلمون والمسيحيون ورجال القانون والأخلاق والوطنية والمنظمات الإنسانية في أوروبا وآسيا وافريقيا وغزة وفلسطيني 48، وسيرددها الفلسطينيون والعرب أمام سفارة محمود عباس في العالم، إنها رسالة كل الفلسطينيين الرافضين للمذلة والمهانة، رسالة موجهة إلى عشاق المفاوضات، رسالة تقول «لا لقاء ولا تفاهم ولا تفاوض ولا مصالحة مع مغتصب القرار الفلسطيني إلا وفق الخط الوطني، وعلى أساس التمسك بالثوابت الوطنية، وأولها حق العودة، وحق مقاومة المحتلين، وعدم التفرد بالقرار السياسي، مع التأكيد على قطع أي يد فلسطينية تمتد لتصافح يد رجال المخابرات الإسرائيلية، وتتعاون معهم ضد إرادة الشعب، وضد المقاومة. ستظل الضفة والقطاع ثغري فلسطين الباسم وقلبه النابض ومصدر عزيمته الذي يغذيه على مر السنين المنطقة ملتهبة والواقع صعب والأنظمة بين (كفيل وبخيل). لكن يبقى الأمل في القدس الكبيرة جديرة بأن تكون عاصمة فلسطين الأبدية. والأيام المقبلة خير شاهد على حجم الأحقاد الثورية الكامنة في قلب شرفاء هذا الشعب المقاوم العنيد. وإلا فما الفرق بين المستعربين الصهاينة، وبين من يحمل سلاح المستعربين الصهاينة؟ وهنا لا نملك إلا أن نقول: «يَا أَيُّهَا العَّرب ارفعوا ايديكم عن قطاع مظلوم». كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية  |
| عاصفة الحزم Posted: 06 Nov 2018 01:00 PM PST |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق